تونس ومصر: المُشْترك والمختلف

حجم الخط
0

فتحي العكرمي ما قبل الثّورتين: تشترك تونس ومصر في مرحلة ما قبل الثّورتين في سيطرة الحزب الواحد والحاكم الأوحد على كل تفاصيل الدّولة حيث اختلط العَلَم وصورة الرّئيس واسم الدّولة ووسائل الإعلام إذ أصبح الرّئيس هو الوطن ذاته وفكّ الارتباط بينه وبين البلاد هو بمثابة خيانة وتمرّد وكراهيّة للوطن تقتضي محاكمات علنيّة وتشهير حتّى لا يكرّرها الآخرون. وتوجد في البلدين عديد الأحياء الفقيرة المنسيّة والتي تمّ تجاهلها بوعي حتّى تكون أداة في الانتخابات أو في التّظاهرات التي تُمجّد الرّئيس وعائلته وانجازاته وتاريخه.

ويلتقي الرّئيسان في القدرة على تجميع ثروات طائلة موجودة في حسابات في الخارج تفوق بكثير ميزانية الدولة وأيضا في تحضير من يرِث العَرش بعدهما فتحضَّر الأبناء والزّوجات والأصهار كُلّ طرف يجهّز نفسه ويستبق تلك اللّحظة ومن أجلها فعلوا ما كشف عنه الواقع بعد الثّورتين. وما يشترك فيه الاثنان هو العقود المديدة التي قضياها في الحُكم وكانت لتمتدّ أكثر لولا ‘هيجان الشَّعْبين’ الذي كان نتيجة ظلم دام أكثر من اللّزوم وفقر امتدّ حتّى أصبح بمثابة القَدَر الذي على المواطن التّعايش معه والتّعوّد عليه فتكون القناعة دلالة على حبّ الوطن والرّضاء بالنّصيب تجسيدا للولاء للحاكم الذي من المفروض أن يكون في رفاهيّة بينما الفقراء وُلِدوا كذلك فما عليهم سوى تحمّل كلّ مصائبهم الممتدّة من الفقر إلى البطالة فالتّهميش والاحتقار فهم خارج الدّولة ومعزولون عن وطنهم وغارقون في التّجهيل. من هؤلاء انطلقت شرارة الرّفض والرّغبة في وطن جديد مُغاير وفي نمط حكم يقطع جذريّا مع ما عهده الشَّعْبان من تسلّط وقهر وفي أثناء هذا الرّفض جاء دور المُعارضة والنُّخب المُثقّفة متأخّرا وفي أحسن الأحوال يتبع إيقاع الثّورة وهو مافتح الدّولتين على مجهول سياسي لن تتوضّح ملامحه إلاّ بعد حسابات داخليّة وخارجيّة. والحلقة المفقودة في الثّورتين تتمثّل في انحسار أمل النّخب في سقوط الأنظمة وهو ما ترك اليوم فراغا كبيرا لم تستطع معه الثّورتان معرفة الاتجاه الصحيح، وهو فراغ يتمثّل في غياب ثقافة سياسيّة تأخذ مكان القديم وأيضا قلّة أو غياب مرجعيات سياسية متعددة لدى المواطن الذي مُنِع عنه كل تفكير أو حديث في السياسة كموضوع مُحرّم لا يُسمح به إلاّ للمنتمين لحزب القائد الذي علَّم وأكره المواطن على معرفة قائد واحد وفكر واحد وحزب أوحد. مع هذا الغياب للتفكير السياسي النقدي وُجِد قتل كامل للقِيم الوطنيّة والكونيّة اذ أنّ المواطن أصبح مسجونا في اهتمام أوحد هو نقائصه الكثيرة: الفقر، التهميش، غلاء المعيشة، البحث عن مسكن وعن عمل… وهي اهتمامات تستغرقه في تفاصيل الحياة اليوميّة وتُبعده عمّا يُحاك في القصور وما يوضع في حسابات في الخارج وعن طريقة توريث الحُكم.

استغلّت الأحزاب التي دخلت الانتخابات هذا التجهيل السياسي الذي فرضه الحكّام السابقون على المواطن واستعملته كوسيلة للوصول إلى غنائمها، فمن جهة كانت الغاية من الانتخاب هي اختيار من ينوب الشّعب ليضع دستورا للبلاد وفي الجهة المقابلة كانت الأحزاب توهم المواطن وتعده بحياة أقرب ما تكون للنّعيم فكان اللّقاء الأوّل مع الحرّيّة خاطئا لأنّ منطق التّجهيل والوعود الواهمة لم ينقطع حبله مع صانعيه السّابقين.

ينتهي التّجاذب والدّعاية الحزبيّة والوعود الى اختيار أحزاب دينيّة فهمها المواطن وصوّت لها على اعتبار أنّها تخاف اللّه وترفض الظّلم وتؤسّس للعدالة وتوزّع الحرّيّة حتّى لو كانت محدودة بحدود الشَّرع في مقابل تشتّت الأحزاب ذات التوجّه العلماني أو اليساري أو العقلاني مع ما رُوِّج لها من طرف خصومها على أنّها كافرة وملحدة ولا تخاف اللّه، فكأنّ الصّراع بين التّيّارات الحزبيّة المختلفة قد صُدِّر للمواطن على أنّه حرب مستعرة إيديولوجيّا وحتّى واقعيّا بين إيمان وكفر وهي الضّريبة الألف التي مازال المواطن يدفعها بعد أن أغرقته الضّرائب السّابقة فهو لا يملك الحقّ في أن يفهم ما يقع في وطنه وكأنّ من يرغب في الحُكم وفي السّلطة سيستورد مواطنين من وراء البحر ليحكمهم.

فهل حان الوقت ليعرف المشتغلون بالسياسة وبالحُكم بأنّ الرّأسمال الواقعي والرّمزي والتّاريخي هو المواطن الذي أوصلهم إلى العَرش وأنّه هو وحده من يزيحهم عنه؟ ألم تكشف الوقائع التي ما تزال تعـــــمل بأنّ عهد الخداع والنّفاق وبيع الأوهام والدّعاية الكاذبة واللاعدالة كانت قادحا للثورات، فكيف لسياسي اليوم أن يُطفئ جمر المطالب بلهيب الانتظار؟ الاختلاف الرّاهن والمستقبليّ: مع اختلاف عدد سكّان البلدين وعدد الشّهداء الذين سقطوا في الثّورتين والفترة الزّمنيّة للإطاحة بالأنظمة السّابقة وأيضا الموقع الإقليمي سيكون الاختلاف متجسّدا في مدى ارتباط القيادة المصريّة بحسابات إقليمية إذ عليها من جهة أن تكون حلاّ للمعابر التي أغلقها النّظام السّابق وفي المقابل التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي الذي امتدّ واستمرّ بمعاهدات مبارك وعقود بيع النّفط، مع ما يقتضيه القول المصري في تخفيف التناقض بين فتح وحماس إضافة إلى ما تطلبه الولايات المتّحدة من موقف من حربها المُؤجّلة مع إيران لاحقا ومعه حزب اللّه، وفي الحرب الدّائرة في سوريا تتداخل الكثير من الأطراف والمصالح والحسابات الإقليمية والعالميّة ـ روسيا والولايات المتحدة ـ فأيّ موقف سيكون لمصر في ظلّ هذا التداخل والتناقض العقائدي والسياسي والمصلحي بين أطراف تحتلّ نفس الملعب وترغب في ربح عاجل وآخر استراتيجي؟ في ذات الوقت تظلّ القضيّة الفلسطينيّة متأرجحة بين خلاف داخلي بين فتح وحماس وتبقى المُخيّمات منفتحة على مزيد من اللاّجئين ويضيق الحصار بسبب وضع إقليمي متأزّم نتيجة المشكلة السّوريّة وما سبقها من تحوّل في عدّة دول عربيّة وهو ما غيّر الحسابات التّقليديّة التي كانت مُصاحبة لهذه القضيّة. وهذا ما سيفرض على القيادة المصريّة الجديدة التّعامل معها بتصوّر جديد وبآليات مُغايرة.

فإذا كان الحُكم الائتلافي في تونس ـ المؤتمرـ النهضة-التكتّل- يواجه صعوبات داخليّة أساسا مثل البطالة والاقتصاد واللاعدالة بين الجهات واستقلالية الإعلام والقضاء والفصل بين السّلط وكتابة الدّستور مع ما يصاحب ذلك من حسابات سياسيّة تستبق الانتخابات اللاّحقة، فانّ القيادة المصريّة تنتظرها إضافة إلى المشاكل الدّاخليّة المتراكمة مواقف اسراتيجيّة وتاريخيّة في مشاكل عالقة وأخرى تظهر يوميّا نتيجة تمركز العالم كلّه حول الشّام منذ الحرب العالميّة الأولى إلى اليوم: فلسطين- لبنان- سوريا. ‘ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية