توني موريسون… حكاءة مآسي السود

حجم الخط
0

«إنني أتطلع بشدة إلى تشييد المتخيل الأسود، لأنني أريد أن أشارك في تطوير مدونة العمل الأدبي الأسود»، هذا ما قالته الكاتبة والروائية الأمريكية توني موريسون، قبل عدة عقود، في حوار صحافي صار اليوم موثقا ضمن «معجم السيرة الأدبية». يبدو اليوم، بعد أن رحلت هذه الكاتبة، أن هذا التطلع تحقق على أرض الواقع، ليس فقط من خلال أعمالها الإبداعية والنقدية المتعددة التي خلفتها، وإنما من خلال تجربتها الأدبية التي صارت رائدة في الحقل الأدبي الأمريكي.
لقد رحلت موريسون، الفائزة بجائزة نوبل للآداب سنة 1993، على نحو مفاجئ، يوم الثلاثاء الماضي عن عمر يناهز الثمانية والثمانين عاما. إذ أعلنت عائلتها، في بلاغ، أنها توفيت في المركز الطبي مونتيفيور في نيويورك، بسبب مضاعفات ناتجة عن التهاب رئوي، مشيرة إلى أنها ودعت «أما وجدة وخالة مخلصة» و»كاتبة رصينة ثمنت الكلمة المكتوبة» كرست كامل وقتها للتجربة الإنسانية التي عاشها السود في أمريكا.
تتمحور تجربة موريسون الأدبية كلها حول حياة السود والزنوجة في أمريكا. إذ نسجت موريسون، التي كانت أول كاتبة أفروأمريكية تفوز بجائزة نوبل للآداب، نتاجها الأدبي حول الإنسان الأمريكي الأسود، خاصة تجربة المرأة المسحوقة، محاولة استكشاف الهوية الأفرأمريكية. وصاغت هذا كله في كتابة مشرقة وساحرة، لتصنع لنفسها أسلوبا أدبيا متفردا لا نظير له في الأدب المدون بلغة شكسبير.
رأت موريسون النور يوم 18 فبراير/شباط 1931، في «لاورين» في ولاية أوهايو. لم تكد موريسون، واسمها الحقيقي كلو أرديليا ووفورد، تفتح عينيها على الحياة، حتى عاشت حدثا صادما، بعد أن أضرم «سيد» عائلتها النار في البيت الذي كانت تسكنه، لأن والدها ووالدتها عجزا عن دفع الإيجار. لكن هذا الحادث سيشق مجرى آخر في حياة الطفلة، إذ سيجعلها تعي عمق المعاناة الناتجة عن اضطهاد الإنسان الأبيض وتسلطه وهيمنته على المجتمع الأسود. وسيتعمق هذا الوعي أكثر بالحكايات والقصص المستوحاة من تاريخ هذا الشعب، الذي ظل مستعبدا حتى حدود سبعينيات القرن الماضي.
ورغم أن «موريسون» واجهت سياسات الميز العنصري الأمريكية في الجامعة طيلة سنوات، إلا أنها تمكنت من الحصول على شهادة الإجازة والماجستير في الأدب الإنكليزي، لتشق بعد ذلك طريقها في مجال التدريس الجامعي والنشر، ابتداء من منتصف الستينيات، كناشرة أولا، ثم كاتبة ثانيا، بعد أن انطلقت مسيرتها الإبداعية، سنة 1970، بروايتها الأولى الموسومة بـ»العين الأكثر زرقة»، لتتوالى بعدها الروايات وكتب الأطفال والدراسات الأدبية والثقافية.
خلفت موريسون إحدى عشرة رواية، فضلا عن مجاميع عديدة في أدب الطفل والدراسات والمقالات. ومن أبرزها رواية «أغنية سليمان» التي نالت جائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية الأمريكية سنة 1977، ورواية «محبوبة» التي توجت بجائزة الـ»بوليتزر» سنة 1988. فضلا عن ذلك، فهي واحدة من الكتاب الأمريكيين القلائل الذين ألفوا أعمالا نقدية، وعبّروا عن مواقف لاذعة تجاه السياسة الأمريكية، لكنهم حظوا في الآن ذاته بالحفاوة والرواج الأدبي. إذ ظلت رواياتها الجديدة تبرز ضمن قوائم «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، مثلما كانت تحتفي بها نجمة التلفزيون الواقع أوبرا وينفري، فضلا عن أنها كانت، وما تزال، محور أطاريح جامعية ودراسات نقدية ومقالات أدبية إعلامية إلى اليوم.

تمتزج في سرديات موريسون أصوات الرجال والنساء والأطفال، وحتى الأشباح، في طبقات متعددة. كما تلتقي في رواياتها ومؤلفاته الموجهة للأطفال الأسطورة والسحر والشعوذة، وتتشابك مع الحقائق اليومية والوقائع الاجتماعية.

هذا المنجز الأدبي وصفته الأكاديمية السويدية، يوم أعلنت عن تتويج صاحبة «صولا»، بأنه «يتميز بالقوة الرؤيوية والمحتوى الشعري» اللذين يساعدان موريسون على أن «تنفخ الحياة في جانب جوهري من الواقع الأمريكي» إذ جعلت موريسون الكتابة المنثورة عن هذا الواقع، تتناغم مع إيقاعات التراث الشفاهي عند السود الأمريكيين.. بينما يبدو محكيها أشبه بالحلم، غير خطي، يتحرك داخل الزمن إلى الأمام والوراء، كأن الشخصيات تريد أن تضيف كامل أتعابها اليومية ومقاساتها المتكررة إلى التاريخ المثقل بالأعباء والمآسي.
تمتزج في سرديات موريسون أصوات الرجال والنساء والأطفال، وحتى الأشباح، في طبقات متعددة. كما تلتقي في رواياتها ومؤلفاته الموجهة للأطفال الأسطورة والسحر والشعوذة، وتتشابك مع الحقائق اليومية والوقائع الاجتماعية، ما جعل بعض النقاد يعتبرون أن تقنيتها هذه أشبه بطرق بعض كتاب الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، أمثال غابرييل غارسيا ماركيز. ففي رواية «صولا» مثلا، نجدها تروي قصة امرأة تتعمد أن يدوس القطار على رجلها، حتى تحصل على تعويض مالي من التأمينات، وتقدمه لعائلتها. وفي رواية «أغنية سليمان»، يرزق بطل الرواية بابنة، فيسميها «بيلات» انطلاقا من الإنجيل، بعد أن قلب صفحاته كلها. ولأنه لم يكن يعرف القراءة، فقد وقع اختيار على مجموع من الحروف التي بدت له «قوية وجميلة». أما رواية «محبوبة»، فتحكي قصة عودة شبح طفلة مقتولة، ليستوطن بيت قاتلتها. في هذه الأعمال كلها، دمجت موريسون عناصر الكتابة وكثفت مصادرها، التي تستوحي منها أفكارها الإبداعية، لتترجم اهتمامها الأساس؛ أي العبودية وميراثها داخل أمريكا الحديثة. كما يتبدى فيها الماضي كحاضر مروع ومخيف، كعالم مليء بإدمان المخدرات والكحول والاغتصاب والقتل والسفاح والاستغلال والعنف والتوحش، إلخ. هذا الماضي والحاضر تصفه بقوة في رواية «محبوبة» التي تجري أحداثها في القرن التاسع عشر، لكن استعاراتها المتكررة تدل على أحداث القرن العشرين. تقول هنا إن الأمر لا يتعلق بـ»استغلالك أو قتلك أو جرحك فحسب، وإنما بتلطيخك أيضا.. تلطيخك حتى لا تطيق نفسك أكثر.. تلطيخك حتى تنسى أن تفكر في ذلك».
يتجلى الماضي كذلك، في أعمال موريسون، من خلال أواصر العائلة والجماعة والعرق والروابط التي تجعل الثقافة والهوية وحس الانتماء تنتقل من الأبوين إلى الأبناء، ثم إلى الأحفاد. إذ تشكل هذه الروابط بين الأجيال، كما تقترح رواياتها، السلسلة المفيدة الوحيدة في التجربة الإنسانية لدى السود الأمريكيين، وتحولت في ما بعد إلى الأساس لمفهوم الزنوجة في التفكير والإبداع الأفرأمريكي. تعبر موريسون عن هذا مجازا في روايتها «محبوبة» على لسان عبدٍ سابق وهو يتحدث عن حبيبته: «هي صديقة عقلي. فهي تجمعني، يا رجل. تلتقط شظاياي، فتعيدها لي بالترتيب الدقيق. فمن المفيد، كما تعلم، أن تحب امرأة تصير صديقة عقلك». فضلا عن ذلك، برز هذا الاختيار السردي والموضوعي منذ روايتها الأولى «العين الأكثر زرقة»، التي كتبت في لحظات مسروقة بين عملها اليوم وعملها كناشرة وحياتها الشخصية كأم ترعى طفلين صغيرين. إذ تحلم بطلتها بأن تملك عينين زرقاوين، وهو تعبير مباشر عن رغبة الأفارقة الأمريكيين في أن يكتسبوا الحقوق نفسها التي يتمتع بها البيض. هو ذا موضوعها الأثير، وبه استطاعت موريسون أن توسع المتخيل السردي الأمريكي، وأن تفتحه على هموم مجتمع ظل مقهورا على امتداد أكثر أربعة قرون. ورغم أن موريسون تقدمت في السن، إلا أنها ظلت مصرة على إسماع صوت المجتمع الأسود. إذ كانت أكثر إيلاما في روايتها ما قبل الأخيرة الموسومة بـ»الديار»، رغم كونها الرواية الأقصر ضمن مجمل أعمالها. تحكي في هذه الرواية، قصة جندي أسود، صدمته حرب كوريا، حيث لا تساوره سوى فكرة واحدة: العودة إلى مدينته، ليهب إلى نجدة أخته التي راحت ضحية هذيان طبيب مريض نفسيا. إذ تستغل الروائية الفرصة، لتغوص بقرائها من جديد في أمريكا طفولتها، أمريكا الخمسينيات، لا أمريكا المعجزة الاقتصادية، بل تلك التي كان فيها السود ما زالوا يخضعون لميز عنصري عديم الرحمة.
تجدر الإشارة إلى أن موريسون تركت إرثا أدبيا كبيرا، من أعمالها: «العين الأكثر زرقة»، «صولا»، «أغنية سليمان»، «صبي تار»، «محبوبة»، «جاز»، «الفردوس»، «الحب»، «الديار»، «الرب معين الطفل»، الخ. فضلا عن فوزها بجائزة نوبل للآداب والـ»بوليتزر»، توجت موريسون بالعديد من الجوائز، منها جائزة روبرت كينيدي للكتاب، والجائزة الأمريكية للكتاب، بالإضافة إلى العديد من الأوسمة والميداليات، منها الوسام الرئاسي للحرية، الذي تلقته من الرئيس السابق باراك أوباما.

٭ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية