‘تيكي كارديا’ عرض فوضوي يسرقنا من أجواء الحرب

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من يارا بدر: أن تذهب اليوم كسوري إلى عرض مسرحي هو فعل خارج زمن الحرب، وبالتأكيد خارج مكان الحرب.
ففي بيروت يعيش قليل من السوريين الوجه الآخر للحياة، في مقاهي ومسارح بيروت يحاولون نسيان الحرب الدامية في سوريا، وحصار معظم المناطق ووفاة شخص على الأقل كمعدّل يومي في ‘مخيم اليرموك’ نتيجة الجوع. لكن أن تذهب لتشاهد عرضاً لا يقترب من حدود الحرب ولا هاوية السياسة فهو شأنٌ آخر.
‘تيكي كارديا’ عرض مسرحي اشتغل عليه إخراجاً الشاب جميل أرشيد بالتعاون مع أربعة شباب من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، عن نص الكاتب المسرحي ‘فولوريان زيلير’- 2011، بالتعاون مع الممثل السوري مكسيم خليل الذي تكفّل بعمليات الإنتاج.
في بيروت، على خشبة مسرح ‘بابل- الحمرا’ يُصعق السوري الهارب من أخبار ‘الدولة الإسلامية في العراق والشام’، وأخبار اختطاف وإعدام ناشطي المجتمع المدني في سوريا بتهم العلمانية، بمشاهد العناق والقبل، صفعة واقعية لا تجامل، هو اليوم خارج سوريا زمانياً ومكانياً وفعلياً. هي حكاية عن الخيانة الزوجية، عن الصداقة وخيانة الأصدقاء، وعن الصدق كما يقول أرشيد: (أتيت إلى لبنان وكان بنيّتي إخراج عمل له أبعاد سياسية، ولكنّي عندما رأيت الجو العام المتوتر، والوضع السياسي المُضجر، ووضع المسرح في بلداننا العربية، ارتأيت أن أخرج عمل بعيداً عن السياسة، يتحدّث عن الإنسان والإنسانيّة، عن الصداقة والحب، عن الحقيقة بمفهومها الحالي ومقدار حاجتنا لها.. فهل نحن حقاً صادقين برغبتنا في معرفة الحقيقة؟! برأيّ أنّ شوقنا لمعرفة الحقيقة هو الكذب بعينه…)
أسئلة كثيرة خرجنا منها كجمهور لعرض استطال ساعة ونص، أسئلة تتعلق بترجمة أرشيد للنص، وبأداء الممثلين، والأهم كان هل نحن مع مثل هذه القطيعة الثقافية الفكرية عن أزمتنا الخاصة كسوريين؟ إذ وقبل سؤال إلى أي مدى نجح العرض باعتباره عرضاً ترفيهياً؟ وجدنا أنفسنا نتساءل عن معنى عرض ترفيهي سوري في الوقت الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة أنّ خسائر الأزمة السورية الإنسانية تكاد تقارب الخسائر الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية. أسئلة كثيرة ربما كنّا استطعنا الإجابة عليها لو كان العرض أكثر تماسكاً وضبطاً من حيث إيقاعه وأداء ممثليه.
ديكور متبدل لغرف أوتيل تحتضن العلاقة العابرة لميشيل ‘أويس مخللاتي’ وزوجة صديق عمره الطبيبة أليس ‘بتول محمد’، لمنزله هو وزوجته ‘أروى عمرين’، لعيادة أليس، لمنزلها هي وزوجها بول ‘ميار إليكسان’، إكسسوار بسيط للمكان، ولا شيء كثير يملأ فضاء الخشبة سوى ميشيل الحيوي، كثير الكلام، الساذج، الذي نجح في كسر تراتبية إيقاع العرض بانفعالاته المتبدّلة وطبقة صوته المتلونة، كما بحركات وجهه. ليظهر وحيداً كمصدر فعل والباقون من حوله مرايا تعكس ردات فعل، في حين نكتشف مع نهاية العرض المُثقل بحوارات طويلة وإيحاءات جنسية عديدة أنّه من المُفترض أن يكون ميشيل الورقة الخاسرة التي لعب بها الثلاثة الآخرون.
يبدو ميشيل حاملاً للعرض، كممثل اشتغل على شخصية درامية، إلاّ أنّه لم ينجح في ضبط هذه الشخصية الانفعالية، التي تظهر في النهاية كاحدى شخصيات ‘الكوميديا ديلارته’ الساخرة، في حين يغرق الباقون بنمطيّة صورهم القادمة من مسلسل ‘باب الحارة’ السوري، دون أن يظهر مجهودهم الفعلي المبذول لتطوير الشخصية الدرامية، لإنشاء علاقة معها تسهّل ارتباطها بجمهور العرض. خاصة بول الذي يبدو جامداً دون أي انفعالات، ولولا اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة والنظافة لكان حضوره مماثلاً لحضور الرجل في نص ‘ماركيز’ ‘خطبة لاذعة ضدّ رجل جالس’. خاصة وأنّ النص أيضاً يحيل أكثر الكلام إلى ميشيل، وبجمل طويلة، ممّا يزيد من ارتباط الجمهور مع بطل العرض ميشيل، ويُضعف حضور باقي الشخصيات.
حوارات طويلة، ثقيلة حيناً، ظهرت الكوميديا في النص باهتة في أغلب الأوقات التي اعتمدت فيها على اللغة، خاصة لازمة ميشيل يإظهار التعاطف مع صديقه بول الذي فُصِلَ كما نفهم تعسّفياً من عمله: (أوباش، بيرموه، بيستخدموه)!! جملة لا تخلق كوميديا، وإنمّا خطأ لغوي، ربما كان لتركيبتها في اللغة الفرنسية بهذا الشكل دلالة، إنمّا في اللغة العربية، فهي محض خطأ لغوي، والصحيح منطقياً: (أوباش، بيستخدموه، بيرموه)، في الوقت الذي كانت فيه كوميديا الموقف أكثر فاعلية رغم ندرتها، بالذات تلك التي نشأت من تضاد الشخصيات (بول البارد وميشيل الانفعالي مثالاً).
عرض مسرحي مباشر، لا يتجمّل إن صحّ القول، بسيط وخفيف وترفيهي، لا يُثقل نفسه بالاستعارات والإسقاطات، حتى أنّ اسم النص الأصلي ‘الحقيقة’ بدّله المخرج إلى ‘تيكي كارديا’. لكن السؤال الذي أجد نفسي أمامه بعد مشاهدة أي عرض من هذه العروض بشكل عام، هو أين المسرح؟ إذا ما الذي يُميّز عرض ‘تيكي كارديا’ من حيث القيمة الترفيهيّة عن أي من حلقات مسلسل ‘فرندز’ ذائع الصيت على سبيل المثال؟ هي وحدها متعة الفرجة، وقوّة الخشبة، وسحر الشرط المسرحي أن تعيش (هنا والآن) بكل لعبيته وشرطيته المُطلقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية