شعراء العرب اشتكوا الكهولة وخضبوا الشعر ورفضوا الموت
نواكشوط –”القدس العربي”: جاء فيروس كورونا ليأخذ المتقدمين في السن، فتذكر الكثيرون فترة شبابهم وحنوا إلى الأيام الجميلة عندما كانت العضلات مفتولة، والمقاومة البدنية قوية والمعنويات عالية.
بكى الشعراء العرب في جميع العصور شبابهم وتمنوا لو عادت دورة الحياة ليعيشوا شبابهم من جديد وليخبروا الشباب العائد بما فعله بهم المشيب.
لم يبق شاعر ممن تقدم في السن من الشعراء إلا وبكى شبابه، واشتكوا كلهم مشيبا حرمهم من متع الحياة، ومبهاجها، وقطع عنهم لذات الصبا وأطايبه، وحبسهم وحبس عنهم المحبب إليهم، فندبوا حينئذ أيامه الخوالي، وأخذوا في آهاتهم وتأوهاتهم، حتى ثابوا إلى رشدهم، وأيقنوا أن موت الشباب، هو المصير المحتوم للبشر أجمعين.
وجاءت صور رثاء الشباب متقاربة في الصور الكلية، متفاوتة فيما تحوي من صور جزئية، وأساليب، أو طرائق التعبير عنها، كل حسب ثقافته، ونظرته لصورته في المرآة العاكسة لخوالي العصور.
وأكدت الباحثة الموريتانية مباركة البراء في بحث طريف خصصته لـ “هاجس المشيب” قولها “لم يحظ موضوع بعناية الشعراء أكثر مما حظي موضوع التقدم في العمر، ولم يبك الشاعر العربي شيئا مثلما بكى أيام الشباب وانحسار القوة والعنفوان، ولم يجزع لشيء مثلما جزع لحلول المشيب، وما يصاحبه من الضعف والعجز”.
وزادت “لعل هذا ما جعله يتحامل على الزمن أو الدهر، ويرى أنه السبب وراء كل ما يجرى له من تبدل وتراجع، لذلك ظلت علاقة الشاعر بالزمن علاقة متوترة، فهو قلما يرضى عنه أو يهادنه؛ وكثيرا ما جعله الإحساس بتأثير الزمن عليه، يتوقف ليرى ما حدث له، مستمدا العبرة والحكمة من تقلباته وتحولاته”.
وقد علل المتنبي أسباب حزن الإنسان كلما تقدم به العمر تعليلا منطقيا، حيث رأى أن متعة الحياة لا تكون إلا مع توفر الصحة والشباب، فإذا انحسرا لم يعد للعيش لذة ولا لاستمراره معنى:
آلة ُالْـعَـيْـشِ صِحَّةٌ وشَبَــابٌ فَـإذَا وَلّيَــا عَـــــنِ الْمَرْءِ وَلّى
وترى الباحثة البراء “أن تراجع الشباب من الموضوعات الوجدانية التي عبر عنها الشعراء بحسرة وألم، ومن أكثر من توقف عندها ابن الرومي الذي رأى في تولي الشباب فقدا يستلزم أن يُعزَّى الإنسان فيه:
أّأُفْجَـعُ بِالشَّـبَـابِ وَلَا أُعَــزَّى لَقَدْ غَفَـلَ الْمُعَـزِّي عَـنْ مُصَابِي
ولا شكَّ أن تولي هذه الفترة هو إيذان بالتحول على المستويين الفيزيولوجي والنفسي، وبداية لتراجع القوى البدنية والذهنية، مما يجعل الشاعر شديد الحساسية تجاه تلك التحولات التي تحدث له، والتي تتطلب تغييرا في السلوك ومراقبة للنفس.
فما كان يصلح له لم يعد يصلح، وما ظل يليق به في سن الشباب لم يعد يليق به في مرحلة الاكتهال، فلكل فترة عمرية متطلباتها ومقتضياتها.
كل هذه الأسباب تجعل مرحلة المشيب فارقة في حياة الإنسان وخاصة إذا كان شاعرا مرهف الإحساس، بليغ التأثر بالأحداث.
ولعل هذا الإحساس المأساوي الحزين راجع إلى خوف الإنسان الفطري من النهاية، فما إن يتبدل سواد الشعر بياضا، حتى يدق ناقوس الخطر، ويعلم أنه أصبح أسيرا للحظة الفناء.
إن ولع الإنسان بالحياة، تقول الباحثة البراء، يجعله ينفر من كل ما من شأنه أن يحد منها، أو يضع نهاية لها، رغم أن الموت ملازم للحياة، وأن الإنسان خلق ليفنى، ولكن طول الأمل الذي جُبل عليه المرْء يشده دوما إلى البقاء، ويجعله يعاند هذه الحقيقة.
هكذا استقبل الشعراء المشيب استقبال ضيف غير مرحب به، يحل ليفقدهم أعز ما يملكون من شباب وصحة وحب، يقول يزيد بن الحكم:
ألَا لَا مرحبًا بفِـراقِ ليلَى ولا بالشيبِ إذْ طَرَدَ الشَّـبَـابَا
وارتباط الحديث عن الشيب بذكر المرأة، مطرد لدى الشعراء، فقلما يذكر المشيب إلا واقترن بذكر المرأة، فهي شريك الحياة لا يمكن أن يستغني عنه الشاعر.
وهاجس صدود المرأة يجعل الشاعر يتحامل عليها، فيذكرها ببطولاته وإنجازاته، ويصفها بالغدر وعدم الوفاء؛ وهو ما أثبته علقمة الفحل الشاعر الجاهلي، وصاغه في شكل مسلمة رائجة؛ مصورا تأثير المشيب على الحياة العاطفية، وكيف يصبح الرجل مرفوضا من طرف الحسان بعد أن كان مرغوبا:
وإنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّـسَـاءِ فَإِنَّنِـــي خبيرٌ بأسرارِ النساءِ طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه فَـليْسَ لَهُ مِنْ وِدِّهِنَّ نصيبُ
وتذهب الباحثة مباركة البراء بعيدا لتقول “يمثل التحسر على مرحلة الشباب جزءا من الحديث عن المشيب، وكثيرا ما يجري الشاعر مقارنة بين الفترتين متأسيا على الأولى ورافضا الثانية؛ فالشاعر الفرزدق يستسلم للمشيب متحسرا، ويرى فيه بضاعة خاسرة، تختلف عن بضاعته الرابحة التي كانت معه أيام الفتوة؛ إنها نظرة مادية تعتمد مبدأ الربح والخسارة:
إنَّ الشبابَ لَرَابِحٌ مَنْ بَاعَهُ والشيبُ ليسَ لبائعيهِ تِجَــارُ
وحسم الجاحظ القول في هذا الجدل بقوله:
أترجُو أنْ تكونَ وأنتَ شيخٌ كما لو كنتَ أيامَ الشبابِ
لقد كذبتكَ نفسُكَ ليسَ ثوبٌ خَلِيقٌ كالجديدِ منَ الثيابِ
وإذا كان المشيب قدرا نازلا لا محيد عنه، فإن التغلب عليه بالخضاب لم يرق للكثيرين، فالشاعر ابن المعتز يعلن رفضه خضاب الشعر، ولا يرى فيه إلا خداعا متكررا للنفس، وفعلا لا جدوى من مزاولته:
يَا خَاضِبَ الشَّيْــبِ الَّذِي فِي كُـلِّ ثَالِـثَـةٍ يَـعُـــودْ
فَـدَعِ المشيبَ لِـمَـا أرَادَ فَـلَـنْ يَـعُـودَ كَـمَا تُـرِيـدْ
وعموما فإن إحساس الشاعر بوطأة الزمن، وخوفه من النهاية، جعل الحديث عن الشيب يحتل مكانا بارزا في شعره، وارتبط ظهوره بفقد الكثير من متع الحياة، مما جعله يندب أيام الشباب، ويتمنى لو يستطيع استردادها، كما جعله هذا الإحساس بالتحول، يفكر في الدار الأخرى وينيب بالتوبة إلى الله.
لقد حملت ثيمة المشيب في الشعر العربي قلق الإنسان من الفناء، وتمسكه بالحياة، وعبرت عن فلسفة عميقة تجاه الزمان، والحب والموت.