تيمور الشرقية: قصة نفطية نموذجية

حجم الخط
0

تيمور الشرقية: قصة نفطية نموذجية

د. ثائر دوريتيمور الشرقية: قصة نفطية نموذجيةما جري ويجري في تيمور الشرقية قصة مدرسية تماماً وتستحق ان تدرس لانها تتشابه في الخطوط العامة للمقدمات وفي المآل والنتائج مع قصص يجري طبخها الآن في المطبخ الامريكي لفصل اقاليم وانشاء دول جديدة في المنطقة العربية وفي مناطق اخري من العالم. تعالوا نستعرض تفاصيل هذه القصة. تيمور الشرقية هي مساحة جغرافية صغيرة في اقصي شرق الارخبيل الاندونيسي، وهي تفصل الارخبيل عن استراليا. ادت المرحلة الاستعمارية الي اختلافات دينية ولغوية بينها وبين هذا الارخبيل. فالارخبيل باغلبية اسلامية اما تيمور الشرقية فمسيحية ووثنية، كما ان الارخبيل كان مستعمرة هولندية اما تيمور فبرتغالية، ونجم عن هذا اختلاف لغوي فسكانها يتكلمون البرتغالية. لكن لا الاختلافات الدينية ولا العرقية يمكن ان تشكل اساساً لانفصال تيمور الشرقية عن ارخبيل متعدد القوميات والاثنيات والاعراق واللغات والاديان، فالعرقية الجاوية اكبر العرقيات لا تشكل سوي 45% من السكان، كما يوجد في الارخبيل تعدد لغوي هائل فهناك 668 لغة، ويبلغ عدد اللغات التي يتحدث بها اكثر من مليون انسان 15 لغة، ويشكل المسلمون 87% من السكان. ويوجد مسيحيون بروتستانت وكاثوليك، وبوذيون، وهندوس. ومن الدلالات الهامة علي عدم التمييز العرقي او الديني ان الاقلية الصينية التي لا تتجاوز نسبتها 4% من السكان تسيطر علي نصف الاقتصاد. فليس عن عبث ان يكون شعار الارخبيل الوحدة ضمن التنوع (البانكاسيلا). استولت اندونيسيا علي الجزيرة عام 1975 عند انتهاء عهد الاستعمار البرتغالي وبالطبع فان الولايات المتحدة الامريكية، التي كانت حليفة لنظام سوهارتو الدموي المجرم، ساندت سيطرة اندونيسيا علي الجزيرة، فهي كانت تخشي سقوطها في يد السوفييت وتحولها الي كوبا اخري. وخلال عدة عقود ساندت الولايات المتحدة هذا النظام الدموي الذي ارتكب افظع المجازر، ويقال انه قتل ثلاثة ارباع المليون انسان من الشيوعيين الحقيقيين او المشتبهين عند استلامه السلطة بتشجيع ودعم واسناد من قبل السفارة الامريكية التي كانت تسلم النظام لوائح باسماء الكوادر الشيوعية او الوطنية التي يجب تصفيتها ولم يكن النظام ليتأخر عن التنفيذ. وبالطبع نال اهالي تيمور الفقراء من الظلم مثلما نال اخوانهم في بقية ارجاء الارخبيل بل ربما اقل لان الجزيرة كانت بعيدة عن مركز الصراع. وكان ان انتهت الحرب الباردة وتغيرت السياسات فتمت ازاحة سوهارتو عن السلطة وحل نظام فيه قدر معقول من الديمقراطية عندها انفجرت مشكلة تيمور الشرقية في وجه هذا النظام. ودارت طاحونة الاعلام الغربي، التي لا تدور الا علي باطل، فبدات القصص عن مآسي هذا الشعب وعن المجازر التي يتعرض لها، وملأت حكايات القتل والاغتصاب والسلب والنهب شاشات التلفزة الغربية، ولتقريب الصورة شاهدوا التغطية الاعلامية الغربية عما يحدث في دارفور فهي نفسها التي اتبعت في تيمور الشرقية، نفس المفردات والتعابير، وذات القصص التي سمعناها من الاعلام الغربي يوم تيمور وسنسمعها في مناسبات اخري. وكان عمل هذا الاعلام ينحصر في تغيير اسماء الاماكن واضافة بعض العناصر المحلية من اجل المصداقية والترويج والتشويق. لم يعد لدي الاعلام الغربي من مادة سوي كفاح شعب تيمور الشرقية من اجل الحرية والاستقلال، وصار قادة التمرد ابطالا للحرية يطلون من الشاشات العالمية فمنح احدهم جائزة نوبل للسلام، وهذه الجائزة لا تمنح سوي من اجل باطل او للباطل بعينه. وبقدرة قادر صارت امريكا وحليفاتها الغربيات، وخاصة استراليا، حريصات علي حرية تيمور الشرقية مؤمنات بحقوق الشعوب بتقرير المصير وبالطبع لم يسال احد عن سر تحول موقف الولايات المتحدة فالهداية من الله، والله قد دل سادة البيت الابيض علي الصواب!!! ضغطت الولايات المتحدة علي حكومة جاكرتا المترنحة بعد ازمة اقتصادية خانقة واضطرابات سياسية تلت ازاحة الدكتاتور، فربطت المساعدات الاقتصادية بالقبول بانفصال تيمور الشرقية. وتم هذا الامر عام 2002 فراينا احتفالات في تيمور الشرقية ذكرتنا بمشاهد استقلال جرت قبل نصف قرن، فسمعنا خطابات عن الحرية والاستقلال وعُزف النشيد الوطني ورفع العلم وصار للدولة الوليدة حرس رئاسي وشركة طيران. وسيق سكان تيمور الي انتخابات حسبوا انها ستدخلهم في جنات عدن تجري من تحتها الانهار. لكن هيهات هيهات. فكما سارت الامور قبل نصف قرن مع الدول التي استقلت عن الاستعمار الغربي وحسبت شعوبها انها حققت المراد بامتلاكها لعلم ونشيد وطنيين ولشركة طيران تحمل اسم دولتهم قبل ان تصاب بالخيبة العميقة وتكتشف لاحقاً انها حصلت علي وهم استقلال لان المستعمر قبل ان يخرج كان قد كبل هذه الدول وجعلها تدور في فلكه الي ابد الآبدين وهي تظن نفسها مستقلة وحرة. لكن الحالة تختلف قليلاً في تيمور من ناحية واحدة وهي ان هذا الاستقلال المزعوم هو الذي ادخل القوات الغربية تحت يافطة الامم المتحدة. عند هذا الحد انتهت قصة تيمور الشرقية في وسائل الاعلام الغربية فغابت وكأنها لم تكن قبل ان تبرز من جديد في الايام الماضية. ما لم تذكره هذه الوسائل في حينها ان فصل الجزيرة عن الارخبيل الاندونيسي لا علاقة له لا بالحلال ولا بالحرام ولا هو لدعم مطالب واماني الشعوب في الحرية والانعتاق انما الامر لا يعدو عن كونه قصة نفطية لان الجزيرة لديها احتياطي ضخم من النفط والغاز. والانغلوساكسون (تمثلهم استراليا في هذه الحالة) يعشقون النفط والغاز. وان الاتفاق (اذا سمينا السلب والنهب الذي تتعرض له هذه الدول اتفاقيات) مع الدول الصغيرة والاجزاء المفتتة اسهل منه مع الدول الكبيرة المتماسكة. فابرام اتفاق نفطي (اي ان تستولي) مع جزيرة صغيرة فقيرة تحت سيطرة قواتك العسكرية، التي ترفع علم الامم المتحدة، هو امر اسهل من الاستيلاء علي نفط نفس الجزيرة عندما تكون ضمن الارخبيل الاندونيسي ذي الحكومة المركزية القوية. وهذه القصة لا تخص تيمور الشرقية وحدها بل هي سياسة قديمة ومضمونة النتائج فهي مجربة مراراً وتكراراً، وتتم اعادة تطبيقها هذه الايام في العراق الذي يراد تفتيته الي مجموعات متناحرة متصارعة لتسهل السيطرة علي نفطه عبر اتفاقيات تعقد مع كل مجموعة علي حدة، ونفس الامر يتكرر في السودان في حكاية دارفور ويمكننا ان نعدد ما لا يحصي من هذه القصص في عالم اليوم، الذي يزداد توحداً في الشمال الغني مقابل مزيد من التفتيت في الجنوب الضعيف. فوحدة الاغنياء ورخاؤهم لا يتمان الا بتفتيت الفقراء وسلب ثرواتهم. يبقي الجانب الآخر من القصة: ـ اين تكمن مصلحة الشعوب المعنية بهذا التفتيت الذي يتم تحت شعارات الحرية والاستقلال والديمقراطية وحقوق الانسان ووعود الرخاء القادم؟ تجيب علي هذا السؤال احداث تيمور الشرقية، فقد اكتشفنا ان بؤس سكان هذه الجزيرة قد ازداد مقابل رخاء اقلية اجنبية تعمل في شركات النفط وفي مكاتب الامم المتحدة والقوات الدولية (بالمناسبة حدث ان اعلنت الامم المتحدة قبل مدة عن طلب موظفين لمكاتبها في الجزيرة واشترطت ان يكونوا يتقنون الانكليزية في بلد يتكلم 99% من اهله البرتغالية)، وبالطبع مع بعض النخب العميلة. ولم يستفد السكان من النفط والغاز بل رأينا قصة غريبة، فجري الحديث عن حرب اهلية بين سكان الشرق والغرب في جزيرة لا تتجاوز مساحتها 15007 كم مربع ولا يزيد عدد سكانها عن ثلاثمئة الف نسمة، وهم بحجم حي من احياء اي مدينة كبيرة معاصرة. فقد شكا سكان الشرق او الغرب من التهميش وسيطرة سكان الطرف الثاني علي السلطة فاندلعت حرب اهلية بين الطرفين. وأتي الحل هذه المرة استرالياً عبر ارسال الف وثلاثمائة جندي وتسليمهم السيطرة علي العاصمة. يمكنكم ان تبدلوا اسم تيمور الشرقية باسم اي مكان يتم تجهيزه كي ينفصل عن فضائه الكبير سواء كان في العراق ام في السودان ام في يوغسلافيا ام في الاتحاد السوفييتي السابق. وستحصلون علي نفس النتائج التي حصل عليها اهل تيمور: مزيد من الفساد ومن انحدار شروط الحياة، ومزيد من البؤس والفقر والجوع والحروب الاهلية. ومن ثم احتلال انكلوسكسوني بحجة وقف المذابح والسيطرة علي الحرب الاهلية التي ستندلع بعد حين بين السكان انفسهم، او بحجة نشر الامن. اما وعود الرخاء والحرية فسيكتشف الناس انهم كانوا يركضون وراء السراب وسيدخلون في حلقة جديدة من التفتيت بين شرق وغرب او سكان جبال وسهول، او بين طوال القامة وقصارها……..الخ. اما الهدف الحقيقي من وراء كل ذلك فهو سيطرة الانكلوساكسون علي النفط واليورانيوم والنحاس وليذهب البشر الي الجحيم. والعاقل من اتعظ بتجربة غيره. كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية