تَرسيم» النظام الانقلابي» في مصر

حجم الخط
0

■ تداعيات الانقلاب العسكري على حياة مصر والمصريين لا تتوقف ولا يمكنها ان تتوقف، لانها من فعل سياسي مطلق لا يعترف بلحظة معينة يتوقف عندها، بل يواصل افرازاته وتداعياته رغما عنه ولا توقفه الا قوة مضادة له. مسار الانقلاب هو الفعل المضاد لحياة المصريين العادية، ومصيره الدمار والانهيار، لانه جاء من صلب الكارثة التي تفرج عليها العالم ولم يعرف لها مخرجا او حلا.. وبقي النظام الانقلابي يواجه نفسه ويواجه العالم على اساس من البحث العنيد عن خشبة الانقاذ الاخيرة التي لا تريد ان تأتي.
الكارثة الكبرى التي تعاني منها مصر واحتمالات ذلك على سائر المنطقة، هي من فعل الهيئة العسكرية التي انقلبت على الثورة واجهزت على الارهاصة الاولى للديمقراطية في حياة المصريين، فقد اقدمت الطغمة العسكرية على فعل الانقلاب يوم 3 يوليو/تموز 2013، وكان ذلك يوما مشهودا في مصر، لانه اجترح الخط المنحرف عن المسار السليم، ليدرج مصر في متاهة لا ترتب الا الدمار والخراب والقتل والاعتقال والاغتيال.. مع مزيد من انواع الجرائم ومفرداتها في القاموس السياسي للسلطة الانقلابية وخطابها المخاتل. فكل الاجراءات والتدابير و»القوانين»، وعلى رأس كل ذلك اقرار الدستور الجديد، لم يفل من عزيمة وارادة الجماهير في الخروج الى الشارع.. لا بل كل تلك الترسانة من القوانين، فضلا عن الترسانة العسكرية والامنية لم تزد الا من توتر وفساد الوضع المصري العام، بالقدر الذي يجبر الجميع على الاقتناع بأن الانهيار قادم بفعل السياسة الانقلابية التي سوف ترسّم شرعيتها في «استفتاء» تتم فيه تزكية «صنيع» السلطة الانقلابية عبد الفتاح السيسي.
الخط الانقلابي سائر في ترسيم الجريمة في كل مستوياتها واوصافها في ترسانة من» القوانين» الوقائية للنظام ـ على غرار قانون حظر المظاهرات، الذي وسّع من الاعتقالات وشل حركة الجماهير، فأوصد دونها باب الميادين، بعدما خطف منها ليوم واحد 30 يونيو/حزيران 2013 ـ تسمح له باستخدام العنف الوسيلة المثلى في الاستثمار في صنع الارهاب والاعتناء به كرأسمال ضامن للحكم. كذلك «تزكية الدستور الجديد الذي دفع القضاء الى الركون الى الابادية الجماعية «القانونية» عبر اصدار احكام اعدام جماعية تطال المئات، وفي انتظار الالاف حين يصل دورهم. الامر الذي يؤكد ان الهيئة الانقلابية محكوم عليها، في الزمن المعاصر الفائق التطوّر، ان ترسِّم الاستثناء وتبدع فيه، في خط مخالف تماما للعدالة والحق ونظام الدولة.
ومرّة اخرى نُذَكِّر، بان اقدام الجيش المصري على اختراق المجال السياسي المصري، في لحظة مفصلية من تاريخه، هو اقدام على فعل مطلق لا يتوقع منه الا الفساد المطلق، يكون ابرز صوره اعتلاء عبد الفتاح السيسي عرش السلطة في مصر. الرئيس القادم معروف سلفا، ومصرح به علنا، ولا يمكن صرف النظر الى بديل محتمل غيره. عبد الفتاح السيسي «منتوج» الهيئة العسكرية والاعلامية هو الرئيس الفعلي «لشركة مصر للاستثمار في محاربة الارهاب» في المنطقة، فقد عرض الجيش نفسه للدفاع وحماية بلدان الخليج وقد يفعل نفس الشيء لمن يدفع له اكثر، كما ان القضاء عمد الى نظام الكفالة كاحكام عقابية قبل صدورها، وكمورد يبتز به ويتعيّش منه رجال القضاء الانقلابي، أما الإعلام فقد دخل «البزنس» من باب الدعاية والاشهار، بحيث يكون الصحافي هو النجم الحقيقي وموضع الاشهار قبل ان يذهب الى فاصل اشهاري.
التَّيَقن سلفا بالرئيس القادم هو الذي يعبّر عن شرعنة الجريمة السياسية وقبولها واعتمادها كمعطى عادي لمصر والمصريين. واذا كان الاعلام الفاسد الذي يحاصر اليوم وعي المصريين بالتزييف والبهتان، ويسوِّق للمصريين رئيسهم القادم، فانه يصعب عليه ان يقنع الهيئات الدولية دعوتها لحضور «استفتاء» يعيّن فيه ممثل العسكر رئيسا للمصريين. محاولة تكريس الاجراءات والتصرفات الشاذة كقواعد سلوك سياسي واخلاقي هي التي سوف تفضي لا محالة الى انهيار ودمار مصر. اما الذين يدركون عن وعي ما يجري في مصر بفعل الانقلاب، ويحسنون النظر والتحليل، فلا يخالهم ظل من ريب، ان ما يحدث في مصر هو تنمية الفقر، الهزال والخراب.
لا تزال مصر في حالة انقلاب، وليس في حالة ثورة، كما يبرر الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، لان مسار الثورة جرت مصادرته وحلت محله الثورة المضادة التي سوف تعطل حياة مصر والمصريين الى عقود من الزمن الفاسد، اذا كتب للنظام العسكري الامني الدوام. الاستفتاء القادم على عُرَّاب الهيئة الانقلابية، نهاية هذا الشهر، هو ترسيم فعلي لحالة الانقلاب في مصر، الذي بمقتضاه سوف يواجه راعي النظام الانقلابي، المصريين في معاناتهم ومتاعبهم وآلامهم التي لا تنتهي، لان السلطة الجديدة شاذة عن الوضع العادي، وتتوكأ على دستور/ ميثاق غريب عن دساتير العالم، لان النواة الصلبة لهذا الدستور وماهيته هي حماية الجيش في الان والمال.
ما جرى ويجري وسوف يجري في مصر تحت حكم الانقلاب هو من الافعال التي لا تُسأل عليها السلطة اطلاقا، لان تركيبة النظام الانقلابي لا تأخذ بتراتبية النظام الذي يحكم الدولة في وضعها العادي، اي القائم على مبدأ فصل السلطات، ومسؤوليتها امام الشعب، بل كل هذا المنطق جرى نسفه في دستور/ ميثاق الانقلاب، ليضع الهيئة العسكرية في اعلى هرم «النظام»، ومن ثم غياب اي محاكمة له. وبناء على هذا المنطق، فان مصر تجازف بآخر هيئة لها ممثلة في سلطة الجيش لكي تأتي على رحيق الدولة ونواتها الصلبة وتميعها وتمرغها في ملاحقة فصائل الشعب المصري، كل حسب دوره، وعلى قدر ما تستطيع السلطة الانقلابية ان تفعله، بناء على امكانية وحجم ترسانة القمع والقتل والاعتقال والمصادرة والحجز. وقد نخلص فعلا الى النهاية المفارقة التي تقول ان الذي جاء بالدولة المصرية الحديثة هو الذي ينهيها حتما، وهذا ما قد يطيب ويريح الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل وهو يتأهب للوداع الاخير: ابدًا ان يرى الدولة في غير حكم العسكر.
ترسيم حالة الانقلاب الدائم هي المهمة التي سوف يسخّر لها نفسه النظام السياسي القادم، ويرتب لها كل النتائج سواء عن دراية ووعي، لانه يستثمر في مكافحة الارهاب، او بفعل ظاهرة التداعي التي تفرضها سيرورة الانقلاب، بحيث كل فعل سياسي يجب ان يخلف فعلا ضارا موازيا له او يفوقه في القوة والاهمية، من ذلك فعل الاستفتاء وهو المحطة الاخيرة لشرعنة «الانقلاب» وبداية ربط الفساد كل الفساد بالسلطة الجديدة. في الاستفتاء القادم، لن يكون حول مرشح «الضرورة»، كما يحاول محمد حسنين هيكل دائما ان يبرر، بل سوف يكون دعوة الى حفل تكون فيه العروس حاملا، بينما من يتخلف عن المشاركة سوف يشعر بأن عليه ان يسقط «العار» طوال وجود السيسي في الحكم.

٭باحث وكاتب جزائري

د. نورالدين ثنيو

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية