نابلس ـ «القدس العربي»: يحمل المثل الشعبي الفلسطيني «أيام الصبر وتين فش عجين» إشارة ودلالة إلى مركزية ثمرتي التين والصبّار بصفتهما مكونين غذائيين مركزيين بالنسبة لسكان منطقة الشرق الأوسط عموما، وسكان فلسطين خصوصا.
وينادي الباعة الذين يجلسون تحت مجموعة من الأشجار الضخمة في منطقة منتزه جمال عبد الناصر في مدينة نابلس «تلاوي يا تين… تلاوي يا تين» على أمل أن يجذبوا الزبائن الذين يمرون مسرعين بمركباتهم.
وتعتبر منطقة وشارع المنتزه الرئيسي في المدينة، سوقا كبيرا للتين والصبار، حيث يتجمع عشرات المزارعين والباعة على أمل أن يبيعوا تينهم وصبارهم الذي يتم ترتيبه بمهارة في علب شفافة صغيرة الحجم.
ويعتبر التين بالنسبة لبلدة تل (5500 نسمة) غرب مدينة نابلس وسط الضفة الغربية من أهم الموارد الاقتصادية، حتى أنه صار يُسوّق باسمها علامة تجارية عالمية (Tell) بحسب الباحث البيئي عمر عاصي.
ويضيف عاصي: «تمامًا كما كنا نقول شموطي يا برتقال عند الحديث عن برتقال يافا فإننا نتحدث عن التين «العناقي» عند الحديث عن تين تِل، وهو صنف مميز و»نادر» يتركز انتشاره في منطقة نابلس وقرية تِل.
ويستشهد عاصي بحديث المهندس الزراعي نور الدين إشتية، مشيرا إلى إنه يُقدّر نسبة تتفاوت من 70% إلى 80% من أشجار التين في تِل هي من التين العناقي.
ويعتبر «العناقي» نوعا من بين أكثر من 18 نوعا من التين، وهو من الأصناف المتأخرة التي يبدأ قطافها بعد منتصف آب/أغسطس، ويتميز بعنق طويل نسبيًا بين الحبة والساق ولهذا يُسمى عناقي، ومما يميزه كذلك حلاوته وكُبر حجم الثمرة، كما يقول الباحث عاصي.
وحسب دراسة أنجزها عاصي فإن قرية تل كانت تصدّر 15 طنا من التين يوميًا في الموسم، وهو ما شكل موردًا اقتصاديًا مميزًا إلا أن التمدد العمراني والتضييقات الإسرائيلية على تسويق التين منذ عام 2016، أضرَّ بهذا القطاع إلى حد كبير بالأخص بعد منع تصديره إلى الأراضي المحتلة عام 1948، واليوم يُقدّر حجم الإنتاج لما يقرب من ( 2- 3 طن ) يومياً فقط، حتى المحاولات الكثيرة التي كانت تُبذل للنهوض بهذا القطاع مثل مهرجان التين توقفت هي الأخرى يا للأسف.
ووسط بلدة تل وفي تمام الساعة التاسعة صباحا يبدأ القاطفون بجلب التين، الذي يعتبر أكبر هدية من هذه الشجرة المباركة التي زاد ذكرها في القرآن من اهتمام المواطنين بها، يحملون صناديق الكرتون ويضعونها في منطقة أصبحت تحمل اسم «مزاد التين» (بازار/ سوق).
ويتولى البائع الكبير موسى الخواجا إدارة المزاد «الكيمسيون» منذ سنوات، حيث يقول إن هذا البازار المخصص لفكاهة التين والصبر يعتبر سوقا ضخمة يجذب إليه محصول قرى تل وصرة وبورين، وتجار الجملة الذين يوزعون التين على الأسواق الفلسطينية.
وفي المقابل يجذب السوق الصغير المليء بعلب التين متعدد الأصناف والأحجام، تجارا من القدس ورام الله والعيزرية وجنين وكفر قاسم في الداخل الفلسطيني المحتل.
وتم تأسيس السوق المرتبط بثمرتي التين والصبر منذ سنوات (قرابة 20 سنة) بعد أن قام الاحتلال الإسرائيلي بمنع دخول التين إلى الداخل المحتل حيث أصبح التجار يأتون الى السوق لشراء البضاعة الأكثر حلاوة في فصل الصيف، حيث تتمم إلى جانب الصبر والعنب ثالوث فواكه الصف الأكثر شهرة بحسب الخواجا.
ويشير الخواجا إلى أن سعر كرتونة التين التي يصل حجمها 8 كيلوغرامات ما بين 60 – 120 شيقل بحسب جودة التين وحجم الحبة ونوع التين.
اضافة الى التين العناقي هناك التين الخرطماني، فتكون الحبة على شكل خرطوم وعنق أطول فيما تكون حبته صغيرة الحجم.
تحسين دخل العائلات
التلاوية أم إبراهيم تستيقظ بدورها كل صباح قبل أذان الفجر يوميا، تحمل زوادتها وتنطلق برفقة زوجها وابنها إبراهيم إلى المزرعة، تحمل دلوا أسود بيدها وتقطف بمهارة بيدها الثانية. تختار الحبة كبيرة الحجم والمتشققة، وتضعها في دلوها الذي يمتلئ بسرعة مذهلة.
وتؤكد أم إبراهيم أن التين شجرة مباركة، وهي تساهم في تحسين دخلها الشهري بشكل كبير وهو ما يجعلها تضمن حقول التين مناصفة.
وتناشد بدورها وزارة الزراعة معتبرة أن الموسم الحالي يعتبر ضعيفا في ظل هرم الأشجار وموتها البطيء.
وتنتقد بدورها وزارة الزراعة والمسؤولين فيها وكذلك المجلس البلدي لكونهما جهتين أعلنتا أن لا دور لهما في مساعدة المزارعين وتزويدهم بالمبيدات والحلول الممكنة.
وتعمل أم إبراهيم (57 عاما) في قطف التين منذ أكثر من 35 سنة، وهي تعترف أنها لا يمكن لها أن تستغني عن موسم التين المبارك في تحسين وضعها الاقتصادي وتزويج أبنائها.
وتؤكد أن أغلب ما يتراكم عليها من ديون خلال السنة تقوم بسداده من موسم التين المبارك.
وإلى جانب قطف التين برفقة زوجها الأستاذ المتقاعد وابنها، تقوم بدورها بوضع الزيت على حبات التين الصغيرة (العجرة) على أمل أن تستوي في الأسبوع الذي يليه.
وتستخدم في هذه العملية قطعة من الإسفنج تقوم بإشباعها بزيت الزيتون وغالبا، ما يستخدم المزارعون عصا صغيرة من أجل أن تصل إلى الحبات التي تنمو على الأغصان العالية.
وتشدد أنها تستيقظ باكرا كي «تلحق السوق» وسط البلدة كي تحصل على أفضل الأسعار من التجار القادمين من مدن فلسطينية متفرقة.
وبمهارة تعدد أم إبراهيم أنواع التين، فهذا العناقي والخرطماني، والنوع الثالث يحمل اسم الخضاري ذو الحبة الصغيرة، والرابع الحماضي، والخامس الحماري، والسادس السوادي، والسابع الموازي.. وثامنا العسالي الخ.
وعن أبرز التحديات التي مرت بها في هذا الموسم قالت إن «عصفور البلبل الهندي هو أكبر مشكلة بالنسبة لها، إنه يحارب للحصول على نصف الموسم، وتحديدا في بداية الموسم.
وتقول ضاحكة: «كان الحال مفاده حبة لي وحبة للطائر الهندي.. مش مشكلة كله ثواب وأجر. فليأكل البشر والطير أيضا».
بدوره يشدد الباحث البيئي والزراعي خالد أبو علي على أن فلسطين تعتبر جنة الله على الأرض، «فهي تجود بالفواكه والثمار في كل أوقات العام». ويضيف أبو علي: «عرف الفلسطيني التين منذ آلاف السنين، إنها من أقدم أشجار الفاكهة التي عرفها الفلسطيني من أيام الكنعانيين». ويتابع: «لقد اهتم بزراعتها الفلسطيني لأسباب كثيرة من ضمنها أنها تتحمل كل الظروف البيئية الصعبة، وتعيش في كل أنواع التربة، ولا تحتاج للماء أو الأسمدة، وهي مقاومة للأمراض.. كل هذه صفات جعلت منها شجرة تحتل مكانة مرموقة عند الفلسطيني».
ويوثق أبو علي عملية دهن التين بالزيت لتسريع نضوج ثماره، حيث كتب مقالا بعنوان «مدهــان» التيـن التلاوي» ويتحدث من خلاله عن تقليد دهن حبات التين بالزيت.
وبحسب عارف علي المشني «أبو عرب» فإن موسم التين في «تل» بمحافظة نابلس يبدأ مع منتصف شهر تموز/يوليو، ولا يخلو منزل في القرية تقريبا من أشجار التين المباركة والتي تتعدد أصنافها وأنواعها التي تقارب الـ 18 صنفا.
ويقوم أبو عرب بحسب الباحث أبو علي في أواخر شهر تموز من كل عام بصنع ما بات يتعارف عليه بـ»مدهان التين» من أجل دهن حبات التين «الفجة» ، وهو عبارة عن عصا خشبية صغيرة جامدة تقطع من أشجار الزيتون أو الرمان، يُلفّ رأسها بقطعة إسفنجية أو قطنية بحيث تصبح دائرية ثم يتم تثبيتها بخيط، ومن بعدها تُبَلّل القطنة بالزيت النباتي أو زيت الزيتون، ثم يُدهن رأس الثمرة الفجّة «غير مكتملة النمو» حبةً حبة. وبعد أسبوع من موعد دهن الثمار، يحين موعد قطافها لغايات الأكل والبيع، ثم تدهن بذات اليوم حبات أخرى وغالبا بعد قطف الثمار مباشرة.
وتقدر وزارة الزراعة في محافظة نابلس إجمالي الأراضي الزراعية للتين في المحافظة بـ1000 دونم، حيث تستحوذ قرية تل على 500 دونم منها.
صباح «فلستيني»
الكاتب الفلسطيني خالد عيسى المقيم في المهجر كتب مع بداية الموسم مقالا قصيرا في مديح حبات التين جاء فيه: صباح من تين! دامعٌ بالندى، يمدّ كفه الأخضر، وقد كوّر لي حبة تين كالتاء المربوطة في لغة البلاد حين يشرق صباحها في حبّة تين مشقوقة الشفتين تقول لي في موسم التين في فلسطين :صباح الخير يا «مشحّر» . ويستمر عيسى بحالة تغزله بالتين حيث يقول: «وبين وطن طازج من تين وغربة عتيقة من قطين، وبين صباحين لشعب واحد في نصفين، يحاولان الاكتمال في موسم التين حول «تينة الدار» التي تبحث عن دارها بين المخيم والجليل، أحدّق في هذا الصباح الاسكندنافي في صورة لسلة تين بلون الذهب قطفها فلسطيني في سخنين، وأرسلها الى صباحي في فيسبوك، وبين تين سخنين وحنين اللاجئين أتذكر دموع المرحومة أمي، التي ماتت في المخيم، وهي في كل موسم للتين تجهش بالحنين الى تينة قُلعت عنها في نكبة 48، وبين تين فلسطين الدامع بالندى ودموع أمي أحتفل بموسم التين في فلسطين، وأطلّ على تين البلاد عن بعد، وأتفرج على بلادي، ترسل لي سلال التين على الفيس بوك، وأحدّق في ثمرة التين التي لها شكل «صرة» الثياب التي حملها أهلنا على رؤوسهم.. وُجروا من بلادهم.. وبين صرة الثياب، والتاء المربوطة، تروق لي هذه «الفذلكة» الصباحية وأنا أحاول في هذا «الفقه التيني» معرفة السر بين فلسطين والتين، وإذا كانت قدسية التين قد سبقت الزيتون في القرآن الكريم «والتين والزيتون» فأجد نفسي أغوص في جدل الأسئلة مَن خُلق أولا التين أم فلسطين؟.
ويكمل في خاطرته العاطفية: «ولأني لا أريد لصباحي الاسكندنافي ان يغرق في الجدل العقيم، سأكف عن الاسئلة، وأحدّق في صورة تين سخنين وأترك صباحي يشرق على «حل شعره» ليحوّلني هذا الصباح في موسم التين في فلسطين.. من فلسطيني الى «فلستيني».
ويختم قائلا: «وكل موسم تين وفلسطين بخير!»
ويركز الباحث البيئي عمر عاصي في موضوع التين وعلاقته بفلسطين فيقول: «أكثر من حمسني لموضوع دراسة وتعقب التين هو أن بلادنا بلاد «التين والزيتون» وأن التين يدخل في الصراع على الأرض مع الصهاينة، كما أن أجدادنا أبدعوا في زراعة التين وجعلوا له مسميات فريدة، كما أن هناك قرى مثل سلواد وتِل تحولت إلى علامات تجارية بفضل أبداع أهلها في هذه الصناعة فوصلت منتجاتها إلى «العالم» .
ويضيف بنوع من الحسرة: «المؤسف أن الكثير من أراضي التين آخذه بالتناقص، كما أن صناعة التين مهددة بالانقراض، ولهذا فإن الموضوع يستحق أن يُسلط الضوء عليه بشكل أكبر، وبوسائل أكثر إبداعًا».