ثأر..الآن!

حجم الخط
0

ثأر..الآن!

سهيل كيوانثأر..الآن!الي أولاد بلدنا أبطال طاقم فيلم الجنة الآن الذي وصل العالمية وأخيراً تأكدنا من النبأ، عبد الرحمن ابن بلدتنا مشارك في بطولة فيلم الليلة! لبستنا حالة غير مسبوقة من النشوة، عانقنا بعضنا مهنئين، وركضنا نزف البشري في الأزقة هاتفين عاابد ..عاابد ..عاابد…عبد الرحمن يقضي أيامه في نحت قوامه تحت دالية ثمارها (أصابع العروس) في حاكورة بيتهم الطيني، يملأ تنكات من أحجام مختلفة بالباطون ويعززها بأثقال من الصلب ملبياً نداء آلهة البطولة حتي نافس أهل المدن من عرب ويهود ، تفوّق وصار بطل الجسد الكامل. نسائم متعة الفِرجة المنتظرة دغدغت حتي من اعتقدناهم في حينه مسنين، كانوا آباءنا في الثلاثينات من أعمارهم! ثمن تذكرة الدخول غاية تبرر كل وسيلة، رُفع الحدُّ وسُمح للصغار بِغزو أشجار التين وبيع ثمارها لمركبات العابرين علي ضفتي شارع يصل بين بحر عكا وسفوح كنعان وذلك لضمان لذّة مأمولة تضخّمت لحظة فلحظة حتي تحولت الي حلقة ذكر لفّت القرية. علقت شمس ذلك النهار علي شرفة المغيب، وانتظرنا مبهورين بأنفاس الغبطة فَتْح بوابة مُفضية الي جنةٍ هي بضعة أرياف خشبية مخلّعة، ويتكامل المشهد بالسحر المنساب من سطح أسطوانة سوداء مجرّحة تشدو يلّي مَليت بالحبِّ حياتي… أهدي حياتي ليك أربعة عقود ورائحة الفلافل والخيار والملفوف المخلل تقتحم أنفي كلما سمعتُ ما عرفتُ فيما بعد أنها (سيرة الحب). ولجنا القاعة، والي جانب المقاعد الأساسية حُشدت أعداد من كراسي القش الصغيرة، وأحضر البعضُ كرسيّه من البيت احتياطاً، أما نحن الأولاد فقد تربّعنا علي الحُصر المفروشة في المقدمة منتظرين بلهفة بهاء الضوء المرسل من الآلة التي لم ولن نعشق آلة مثلها. كان الحضور والدخان كثيفاً، ولأول مرة رأينا نسوة سيشاركننا متعة الفرجة وبينهن أم البطل بجسدها الذاوي المتضائل الذي خرجت منه عجيبة اسمها عبد الرحمن.انطلق وهجُ النشوة وفاضت به صدورنا فانفجر صراخاً وهتافاً وصفيراً، ومضت الأسطوانة المثقلة بالشريط السحري بطيئة الأنفاس، الصدور مضطرمة بأكثر مما نُسميه فرحاً، والعيون تتوسل شاشة الفضة التي عَجّت بعشرات الوجوه الأجنبية باستثناء الوجه الذي انتظرناه، فما كان يبرّد جمرات القلق في نفوسنا سوي قول أصحاب الخبرة ظهور البطل ليس حتميا في بداية الفيلم .يتسارع الشريط أكثر وأكثر وتخرّ القلوب وجلةً أين عبد الرحمن! فتتصدي أصوات أخري لتطمئن نفسها قبل طمأنة الآخرين لا تنسوا أنه أول أفلامه، لقد رفع رأس البلد عاليا ! في الاستراحة دارت نقاشات، وحلّل أصحاب الأرصدة الغنية في مشاهدة الأفلام من عاملي الخدمات في المدن ما حدث وقالوا يبدو أنه يلعب دور ضيف شرف ! ورحنا نتناقل بارتياب هذا التعبير الجديد! تثاءبت الدقائق طويلا الي أن استقر كلٌ في مكانه وعادت القلوب متعلقة بسيف الضوء، تدور الأسطوانة الثانية ويزداد عدد الرؤوس الملتفتة خلفاً لتقيس بحسرة ما تبقي من الشريط الهارب بتسارع، وما لبثت التذمّرات أن بدأت صريحة وعلنية يبدو أنهم خدعونا هذا ليس ما وُعدنا به وظهر صاحب القاعة بلسانه المدهون أبدا بالعسل قائلا صفِّقوا لأم العبد التي حضرت معنا ففعلنا بقلق، وأضاف يجب أن نشكر الله لأن حبيبنا عبد الرحمن وابن بلدنا نجح في شق طريقه الي النجومية ورفع اسم قريتنا عالياً في تل أبيب وأوروبا وأمريكا وحتي هونغ كونغ ! وصمتت القاعة علي مضض باستثناء بعض مثيري المشاكل المعروفين، وفجأة أعلن الرجل الذي كنا نحسبه نجما سينمائيا ليس إلا بسبب شعره المرسل وعينيه الخضراوين والذي يرافق الفيلم القادم من المجهول لتشغيله انتبهوا سيظهر بطلنا بعد لحظات عاصفة التصفيق والصفير سبقت ظهوره! وها هو بجسده المنحوت من صخور الجليل يملأ الشاشة، وعلي رأسه كوفية لم نعهده بها، تحوّل صراخ البعض الي هستيريا ونهوض وتدافع، وراح البعض الآخر يتوسّل الهدوء والجلوس للاستمتاع بالمشهد! بطلنا العملاق واقف علي مدخل قن دجاج ، كان مكشراً وقلقا بلا سبب واضح، وما هي سوي لحظة حتي ظهر شاب نحيل لا يصل الي كتف عبد الرحمن تبادل معه بضع كلمات بالعبرية ثم قفز ورفسه في صدره ليسقط بطلنا وتتفتت قلوبنا وهو يُرفس مرة تلو أخري علي رأسه وصدره ، وفاجأنا بل أذهلنا بانقلابه علي بطنه متألما طالبا الرحمة جزعا زاحفاً علي أربع ليدخل القن مرعوبا ومهزوما! أي عار هذا الذي ألحقه عبد الرحمن بنفسه وبنا! لكننا رغم الفاجعة لم نيأس ورحنا نعد أنفسنا ونطمئن بعضنا بعضاً بدنو لحظة الانتقام، وأن عبد سيصنع (كفتة وكبابا) من هذا (الفلعوص) الذي غدره! وانتظرنا بقلوب متورّمة! الشريط يكاد يلفظ أنفاسه وضجيج الماكنة الذي أحببناه صار نواحاً ولطماً، ولكننا لم ننزع الأمل نهائيا حتي ظهرت كلمات THE END وكلمة النهاية بالعبرية، و FIN التي لم نعرف أصلها، لم نصدّق ما حدث، لا بد من تتمة لهذا الفيلم! يبدو أن هناك أسطوانة أخري قد فقدت! لا بد من جولة أخري يظهر فيها عبد الرحمن عزيزاً قوياً يرفع رأسنا، كيف سمح لهذا (الحقير) أن يهينه ويمرغ به زبل القن! وقفنا مصعوقين نحاول التماس عذر لفعلته، ومن شوك الحلق ردد البعض كان عليه رفض دور ضيف الشرّف، أي شرف وأي بطيخ هذا! ولم يتردد البعض من تعزية أم العبد التي سال أنفها وعيناها والتي لم تجد هي الأخري مبرراً لفعلة ابنها الذي لا ينقصه طول ولا عرض حتي يتبهدل هذه البهدلة..أربعة عقود مضت، وفي قاعة عصرية مُنع التدخين فيها،اكتظت بذكور وإناث وروائح عطر وبسمات واضحة وخفية، يمضي فيلم الجنة الآن بلا شريط ولا ضجّة أمام عيون مُحبّة مستمتعة وناقدة، لينتهي بطعم فيه شيءٌ من رائحة ولذةِ النّصر المشوب بحزن جماعي عميق.. وأظن أن هناك من كان يشاركني شعوراً خفياً بدغدغة ثأر متأخّر لبهدلتنا وبهدلة عبد الرحمن.. كاتب من فلسطين 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية