ثأر الثوار من قياداتنا الظالمة

حجم الخط
0

إن الثورات أحداث كبرى تصنعها الشعوب لتثأر لنفسها وتسترد كرامتها وتستعيد توازنها وتجدد حياتها، استعدادا لدخول التاريخ من جديد، ما من شعب أسهم في حضارة البشرية تاركا بصمات تشيد به مدى الدهر، إلا وكانت الثورة تتعهده كلما تعفن واقعه سياسة واقتصادا وقيما.. لذلك كانت الثورة ومازالت وستبقى العلاج الشافي لكل مرض خطير بدت أعراضه على شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، كما كانت وستبقى موضوعا للدراسة السياسية والاجتماعية والنفسية والحضارية والتاريخية، غير قابل للنفاد، ولعل هذا ما حدا بنا إلى تناولها بالبحث من أبعادها المدلولية التي لا يوليها عادة أهمية غير اللغويين، فمشتقات الفعل الثلاثي المجرد (ثار) تشترك في مدلول: الاتصاف بحالة جديدة قوامها الانفعال الشديد: ثار فلان ثورانا: هاج ـ الثائر: الغضبان ـ الثورة: الهيج ـ ثار الدخان: ظهر.. كان قبلها (الحالة الجديدة) في حالة تضاددها كالسكون والنوم والاستسلام والخضوع، ولعل الحالة الجديدة المشار اليها هي ما يطلق عليها في الثورات رفض الواقع والشروع في تغييره (المجابهة: اندلاع الثورة) وهذه المرحلة هي مرحلة الأبطال والشجعان والشهداء والوطنيين الذين تفتخر بهم أممهم. أما مشتقات الفعل الثلاثي المزيد (ثار): أثار، ثوّر… فكلها تقريبا تدل على دور العقل في تجسيم ما حلم به المجتمع الثائر والجهد الفكري المبذول في سبيل ذلك، أي أن الأداة الكفيلة بنقل المجتمع من حال الاستبداد والبؤس إلى حال الحرية والكرامة، هي العقول المبدعة الفعالة، فالعقل الثوري يثوّر كل فكرة أو طرح أو موقف أو رأي أي يبحثه عميق البحث ليعرف كنهه وبنيته ونظامه، بغية اكتشاف ما وراء الظاهر والسطح، ولعل التراث الثوري لأي أمة خير شاهد على الأبعاد الإبداعية والأفكار الكبرى المبتكرة التي غالبت الزمن، فتثوير المجتمع أو إثارته يعني تخليصه من كل شوائب الأنانية والحسد والأثرة وعبادة المادة والبخل والجبن.. وشحنه قيم الغيرية والتضامن والتعاون والتآزر والتضحية في سبيل الآخر والإخلاص في العمل والشجاعة والإقدام، ولعل هذا ما أشار إليه أحدهم حين أجاب عن السؤال التالي: أي الناس وجدتهم أشجع؟ قال: كل الناس في إقبال ثورتهم شجعان، فكل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأصدق أرأى وأذكى وأكثر إبداعا، لذلك تتحول الأمة الثائرة في مدة قصيرة من أمة فقر وبطالة وندرة موارد وخضوع وإهانة وكسل وعقم فكري وتصحر فني… إلى أمة غنية غزيرة الموارد موردة اليد العاملة مرفوعة الرأس كريمة ناشطة وليدة فكر جديد مبدعة فنا راقيا وذلك بفضل الجهد الذي يبذله كل فرد في ميدان عمله بكل إخلاص وحب وتفان، إن الثورة ترغب الإنسان في مضاعفة الجهد في العمل ومزيد التعمق في النظر، ألا ترى أن العرب يقولون ثوّر فلان القرآن: أجهد نفسه في البحث عن معانيه وتعمق في فهمه كما قالوا: أثار فلان الأرض: حرثها وزرعها وكما قالوا أيضا: ثوّر فلان العربية: تجهبذ في لغتها وأدبها حتى أحكم خصائصها وأسرارها.

د. الضاوي خوالدية – تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية