بريطانيا العنف والإحتلال بغلظة الرجل العنصري العرقي الأبيض العملاق، أرادت لتلك العصى الغليظة االمتوارثة جيلا عن جيل بالأيادي الخشنة، أن تنتقل يوما الى يد ناعمة لإمرأة حريرية ناعمة بنضارة بشرتها البيضاء، يُروّج لها على انها حديدية عظيمة بالعصى الغليظة، تحملها يد ناعمة، لكنها بضربات خشنة وقاسية من جزر فوكلاند في وجه الأرجنتين، إلى داخل بريطانيا العظمى فوق رؤوس عمال المناجم في ثمانينيات القرن الماضي. يوم الإثنين 8 أبريل 2013، توفيت المرأة الحديدية عن 87 عام بجلطة دماغ، بعد أن كانت مصابة بزهايمير منذ عام 2002، وصادف يوم وفاتها نفس يوم بلوغ ‘ديفيد هوير’ أمين عام إتحاد عمال المناجم 70 عاما، قال فيه ديفيد عن حفـــل عيد ميلاده الأخير ‘أنه مـــــن أسعد أيام أعياد ميلادي منذ سبعين سنة’، وضم عمّال المناجم أصواتهم إلى صوت ديفيد، بأنهم قد ينظمون مسيرة فرح الى جوار مســيرة الجنازة الخشبيبة للمرأة الحديدية! وبما انهم عمّأل ذوو العضلات البدنية البريطانية، ودون الفكرية الشكسبيرية، لم يتبادر الى أذهانهم شيئا من معطيات شكسبير الخيال الفكري ليتساءلوا: (يا ترى المرأة الحديدية تلك، إن كانت الجثة لذاتها، فهل تقدر جنازة خشبية بسيطة أن تحمل أوزانها وأطنانها الحديدية دون عناء وتحطيم في شوارع بريطانيا!؟). ثم لا أدري، عن يوم الإثنين هذا، إن كان فيه نعش بشموع عزاء بريطانية، سار جنبا الى جنب طبول فرح بريطانية في لندن؟ وصادف لي شخصيا في ثمانينيات القرن الماضي وكنت في العشرينيات من عمري، وكما أوحيت لكم من العنوان، أن صافحت المرأة الحديدية البالغة من العمر 55 عاما آنذاك، وتأكد لي ما أردت تأكيده، ان الحديدية لم تكن بيد حديدية، بل ناعمّة بنعومة بشرة المرأة الأنيقة، ومنعّمة بالمزيد من الكريمات والعطور والمساحيق، حين تجولت بموكبها قليلا في شوارع دبي امام الجمهور العادي، في زيارة قصيرة هي الأولى لها كما يبدو للمنطقة، أعلن عنها ان ثاتشر ستذهب الى السعودية أولا بالحجاب الإسلامي، وما زلت أتذكر الوجه الأنيق للحديدية الأنيقة البيضاء، وهي تكشف عن بياض وجهها خلف قماش أبيض، يغـــطي كامل رأسها وشعرها، مما بدا لمخيلتي المراهقة آنذاك، انها الحرباء: (حديدية إن رأت الحديد وحجّية إن رأت الحرم!). لم تعجبني شماتة عمال المناجم البريطانية وتصريح الأمين العام لإتحادهم ‘ديفيد’ في موت ثاتشر، إذ لا شماتة في الموت، بل وأولى بشعب ينسب العظمة لأنفسهم وبلادهم، ان يعرف أبسط ما نقوله نحن البسطاء مما علمنا الإسلام العظيم (الموت حق، ترحّموا على موتاكم، ولاشماتة في الأقدار والأموات).. بل وأعجبني ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني في كلماته: ‘لقد فقدنا قائدة عظمية، رئيسة وزراء عظيمة، وبريطانية عظيمة’ مقابل ما وصفوه عمال المناجم في بريطانيا (وفاة ثاتشر انه يوم عظيم!). وقال هو الآخر (جون ميجور)، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق والزعيم المحافظ، أن مارغريت ثاتشر كانت ‘قوة طبيعية’ وظاهرة سياسية’.. وقال أخيرا وليس آخرا (توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في نعيه: إنها كانت ‘شخصية سياسية سامية.. وأن عددا قليلا للغاية من الزعماء أحدثوا التغيير، ليس فقط في بلادهم وانما في العالم كلّه، وان ثاتشر من هؤلاء!’. ونحن نراه القائل توني بلير وهو حي يرزق، هو ممن أحدث التغيير خارج بلاده اكثر مما أحدثه داخلها، في إرساله الطائرات البريطانية الفتّاكة الى العراق لإحراق بغداد بمن فيها عن بكرة أبيها، وأن بين أطفال العراق من قتلى ألف ليلة وليلة أمريكية بريطانية، قد تكون عشرات من الذكور من بكفاءاتك وتفوقها يا بلير، ومن الإناث من بكفاءات ثاتشر وتفوقها، لكن العجينة الحرباء صنعت منكم الشمع مرة والحديد مرات، بينما أطفال العراق وجدوا القنابل على الرؤوس من الفضاء مرة، فالمجاعة والأمــراض على الأرض إلى اليوم الموعود! لا أرى من يموت في فراشه بالجلطة والزهايمير يستحق الشماتة، قدر ما يستحقها من يمشي على رجليه ضاحكا بين المئات من المعوقين والقعداء بالعاهات، أراه يستحـــــق الموت هو ومن لم يقل له (كلا).. هو ومستشاروه معه في القصر يوما دون (كلا).. ويستحقه وزراؤه الذين لم ينطقوا في وجهه (كلا).. وسفــــراؤه الذين لم يــــرسلوا له في حقائبهم الدبلوماسية له لفظــة (كلا).. ويستحقن نساءه في سرير الحب معه بالف نعم ودون (كلا). أحمد إبراهيم دبي [email protected]