ثالثة الأثافي

من العبارات التي لم نعد نسمعها من زماننا كلمة أُثْفِيَةٌ وهي تعني إحدى الأحجار الثلاثة التي كان القدر يوضع عليها. كانت النار تعمّر ما بين الأحجار الثلاثة وتشتعل وتحمي القدرَ كي يطبخ الحساء أو ما جاد به الزمان وقتها من طعام، وكان لا بدّ للقدر من أسْنَادٍ يقع عليها طيلة وهو يطهى. لابدّ أن نتخيّل المرء كامل المشهد البدويّ، الذي تحضر فيه الأثفية بنارها وبقدرها: خيمة مثلّثة الأعمدة وأمامها أحْجار ثلاثة توقد النار فيها حين يراد للطعام أن يطهى أو للنار أن تكون مصطلى في الليل.. الصخرات والأثافيّ ينبغي أن تختار اختيارا جيّدا لكي لا يتزعزع لتحركها القدر ويذهب ما فيه، أو لكي لا يتأثر القدر بتحريك ما فيه، فحتى الحساء المائي يحتاج تحريكا فما بالك لو كان طعاما كثيفا ممّا يعرف تسمياته ومكوناته المختصون في المطبخ العربي القديم.
ولهذه الأثافي نفسها علاقة تمرّ صامتة في ما يسمّى وقوفا على الأطلال. فلا شكّ أنّ الرماد الذي يظلّ ينظر الواقف إليه مستذكرا أو مستعبرا كان بين الأثافيّ لكن كان للرماد وللنار وحتى لبعر الأرآم ذكر ولم لصخرة الأثافي لم ذلك الاحتفاء في شعر الواقف على الأطلال و حضرت في غيره.
سنبحث نحن عن خفايا هذه التسمية وكيف وَلّدت كلمات مجاورة؛ ذلك أنّ الأثفيّة وهي واحدة الأثافي من الممكن أن تكون اشتقّت من (أَثَفَ) التي تعني استقرّ، وهذا المعنى منه استمدّت تسمية أثفية على وزن أُفْعِلة وهذا وزن نادر، لكنّه موجود في العربية نذكر منها أُمْسيَةٌ و أُحْجِية و كلها تجمع على وزن أفاعل وليس في هذا الوزن من معنى مجرّد موحّد بل هو وزن سماعيّ لا يمكن أن نُكسبه دلالة جامعة.
ويخبرنا الأصل الفعلي للأثفية بأنّ العبارة سمّت الحجارة لدورها التثبيتي، أي ذلك الذي يجعل القدر منصبا من غير ميْل؛ فالأثفية تسمية تراعي التعيين الوظيفي للشيء، وهذا الضرب من التسميات كثير في اللغة؛ لكنّ تسمية حجر أو صخر هي تسمية تعيّن الشيء المرجعي تعيينا عامّا. الأثفية من الممكن للغة أن تسمّي الأشياء تسمية خطاطية عامة أو لنقل تسمية جنس شامل هي التي يسمّيها النحاة العرب اسم الجنس ويطلق على الاسم الذي يعين حقيقة واحدة وذوات كثيرة: فالحجر تسمية تطلق على حجر الجبل وحجر الوادي وعلى الحجر الذي نرمي به شخصا أو يتيمّم به الشخص الجُنُب؛ لكنّ الحجر يمكن أن يتخذ اسما آخر إن كان ذلك الاسم لا يعين كيانه العام بل دورا أو زاوية نظر معيّنة ومن هنا فإنّ الأثفية هي تسمية للحجر غير أنّها تسمية فيها تبئير على دوره المثبّت للقدر على النار.
لم يعد الفعل (أثف) مستعملا في الفصحى الحديثة، بل هيمن الفعل استقرّ على الاستعمال. ويبدو أن الفعل (أثف) كان يستعمل في جملة من المعاني الأخرى هيمنت عليها مرادفاتها كانت أكثر شهرة منها؛ فأثف فلان فلانا يعني تبعه، وأثفه تعني طلبه. وهذان الاستعمالان يؤكدان أنّ الفعل (أثف) يستخدم في تعيين الاتّجاهين: اتجاه استقدام الشخص وهو اتجاه يكون فيه المستقدم أمام الطالب، واتجاه يكون فيه التابع وراءه. وإن نحن أضفنا هذين المعنيين للمعنى الأوّل صار لنا ثالوث من المعاني الحركية أحدها يدلّ على الثبات والثاني على التحرّك في الاتجاهين اتجاه المناداة واتجاه التَّبَع؛ والأثفية هي حجرة لا تتبع ولا تَستقدِم بل تستقرّ كأنّما حركة الصخرة وهي تثفى مختلفة عن استقبال الانسان واستتباعه: يقبل المرء ويرحل لكنّ الصخرة ثابتة.
اسم الأثفية ليس مشتقا بل هو أيضا، ووفق ما يخبرنا به المعجم، مصدر اشتقاق للأفعال التي ارتبطت بالقدر: ففي العربيّة يقال (أوثَفَ) القِدْرَ و(وَثَفها) و(وَثَّفها) بمعنى وضعها على الأثافي. بناء على ذلك فإنّ الأثفية بما هي اسم لم تكن كافية لوسم الوضعية بل احتاجت العربية القديمة إلى فعل من هذا الاسم لوصف الحدث المقترن بالطبخ بما هي مرحلة مهمّة منه. هكذا أثري المعجم بأفعال في صيغ المجرد والمزيد والبناء للمعلوم والبناء الانعكاسي الذي يعيّن الحدث بنسبته لا إلى فاعله بل إلى مفعوله، ذاك الذي نجده في قولهم (تَأثَّفَتِ القِدْرُ) أي وُضعت على الأثافي، وهو فعل يناقض في دلالته إسناد التأثيف إلى معلوم في قولهم (وَثَّفَتْ هند القدرَ) أي هي من وضعها على الأثافي.
ينبغي أن نذكر ههنا أنّ تسمية وضع القدر على الصخرة (وليس على النار) فيه ضرب من الثراء اللغوي لأنّ اللغة سمّت مرحلة في الطبخ ليست مهمة (أو هكذا تبدو لنا) هي غير مهمّة لأنّها لا تمثل شيئا يذكر بالنسبة إلى نوع الطعام أو إلى حدث الطبخ ومراحله الأهمّ. هذه الدّعَة اللغوية في العبارات اللغوية البدوية تعني عناية بتفاصيل الأحداث والأشياء من خلال إسناد أسماء وأفعال لها. تعكس الدعة اللغوية والثراء المعجمي جانبا إدراكيا في معالجة الإنسان لكونه الصغير الذي يحيط به، فهو منشغل بكل مراحل الطبخ بدءا من وضع القدر على الحجر وصولا إلى الحجر نفسه. ولدينا نحن اليوم هذه العناية في لهجتنا التونسية إذ تقول نساؤنا في تونس ولا سيما في رمضان (نْصَبْت الفطورْ) أي وضعت القدر على النار لطبخ طعام الإفطار؛ فالفعل (نصبت) لا تدلّ على انتصاب القدر على النار بل تحيل على ارتباط الانتصاب بالنصبة وهي الصخرة التي تنصب لفعل مَا وهو عمل الطبخ هنا وكان العربي القديم يقول انتصب الطاهي أي نصب القدر والمنصب هو اليوم آلة من معدن تنصب تحت الوعاء للطبخ.
إنّ الاحتفاء بنصب الطعام على النار يدلّ على أنّه مرحلة تجلب الاهتمام، فليس الأكل موضوعَ احتفاء ما بعديّ عند عرضه على الموائد وعندما تعقد حوله المآدب؛ بل الطعام موضوع احتفاء حين يُشرع في طبخه من البداية. ليس ذلك مهمّا اليوم عليك أن تعود إلى البدايات أو إلى الثقافات المحرومة التي لا يتوفّر الأكل فيها بأقلّ الجهد؛ الأكل وتوفيره وتجهيزه كان حدثا مهمّا بالنسبة إلى كلّ من يجد عناء في الوصول إليه، ولذلك فإنّ نصب الطعام على الأثفية هو في ذاته حلّ لكربة كان من الممكن أن تتمّ هي ألاّ نأكل ونظلّ على المَسْغَبة والجوع. إنّ الأثفية هي العلامة على أنّ الطعام يُطبخ طبخا دوريّا وأن يؤثّف الطعام يعني أنّ الجوع سيُشبع وأنّ الأزمة لمّا يحن موعدُها أو أنّها متوارية عنّا ولو إلى حين.
بقي شيء في الأثفية لغويّ وثقافيّ وإدراكيّ في آن، لا صلة له بالطعام بل بشيء مجرّد لا بدّ من ذكره: ذلك أنّ العرب تقول (رماه بثالثة الأثافيّ) أي رماه بالشرّ كلّه وحلّت به، عافاكم الله، المصيبة العظيمة. واستعملت هذه العبارة في الأمثال والأشعار القديمة والحديثة ففي الأمثال يقال (هو أصبر على السوافي من ثالثة الأثافي) وهو يضرب لمن تعوّد هلاك ماله. ويقول أبو المظفّر الأبيوردي (ت.1113م) (رميت بثالثة الأثافي هاشم// فبكت بأربعة عليه سجام) ولمعروف الرصافي قصيدة بعنوان ثالثة الأثافي قالها في الحريق الثالث وقد كان كبيرا في مدينة اسطنبول وفيها يعود إلى النار عودة الواقف الأول على الأطلال فيقول (قف بالديار فقد أناخ بها البلى/ وانظر فقد قرعت بهنّ السُّوحُ) لكنه وقوف من يشاهد النار وليس وقوف من يشاهد الرماد. فثالثة الأثافي هي أعظم المصائب هي ثالثة من جهة تدريج القوة كأنّما ليس في المصائب بعد هذا الثالوث ما يكون أعظم منها.
لقد كانت اللغة تحكي عن لهب النار إذ يطبخ عليه القدر وحيث تكون ثالثة الأثافي صخرة تستطيع أن تصنع توازن القدر إلى أن أضحت ثالثة الأثافي المصيبة التي تهز الإنسان من قراره. كذلك حال مسيرة اللغة تريد للأشياء أن تسير من القرار إلى اللاّقرار والعجب أن ذلك يتمّ بعبارة واحدة منها قَرَارُ القِدْر ومنها اضطراب القَدَرِ.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية