نواكشوط ـ «القدس العربي»: تخوض الرقابة البحرية الموريتانية حرب كر وفر لا تتوقف ضد عشرات السفن غير الشرعية القادمة من مختلف أنحاء العالم والمتكالبة على سواحل موريتانيا التي هي واحدة من أغنى دول العالم بالموارد البحرية.
وبسبب طرق التحايل التي تنتهجها سفن الصيد المحيلة، تواجه الثروة السمكية الموريتانية تهديدًا كبيرًا يتثمل في استنزافها المستمر من قبل السفن الأجنبية التي تستغل ضعف الرقابة البحرية والفساد الإداري لتنفيذ عمليات صيد غير قانونية.
وتعمل هذه السفن بطرق ملتوية، مثل تغيير أسمائها أو أعلامها، كما تستخدم تقنيات حديثة لصيد كميات ضخمة من الأسماك تتجاوز الحصص المسموح بها في الاتفاقيات المبرمة.
وبالإضافة إلى ذلك، تلجأ هذه السفن إلى استخدام أدوات صيد ضارة تدمر البيئة البحرية وتؤدي إلى استنزاف الأحياء المائية بشكل مفرط، ما يهدد استدامة هذه الموارد على المدى الطويل. وتنعكس هذه المشكلة سلبًا على الاقتصاد الموريتاني، حيث أنها تحرم البلاد من عائدات كبيرة كان يمكن أن تُستثمر في تنمية القطاعات الحيوية، كما تؤثر بشكل مباشر على المجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد التقليدي كمصدر رئيسي للعيش.
ومع تصاعد هذه التحديات، بات من الضروري اتخاذ خطوات جادة لحماية هذه الثروة الطبيعية من النهب المستمر وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.
ويلزم قانون الصيد جميع السفن الناشطة في المياه الإقليمية الموريتانية، بتحديد مواقعها عبر الأقمار الصناعية باستخدام هوائي «أرجوس» كما يجب على السفن التي تحمل أعلامًا أجنبية، التزود الذاتي بنظام تحديد الهوية التلقائي.
ورغم هذه التدابير، تمكنت بعض السفن غير الشرعية، المعروفة بـ«سفن القراصنة» من التهرب من الرقابة بشكل متقن. وتتمثل حيلة القراصنة في تثبيت هوائيات تحديد المواقع أرجوس و«AIS» على سفينة واحدة ضمن مجموعتهم؛ وتبقى هذه السفينة الوحيدة مبحرةً داخل المناطق المسموح بها، بينما تتوغل بقية السفن، بصورة غير شرعية، في منطقة حوض أرغين المحظورة.
وهناك، ينشر القراصنة شبابيك صيد يزيد طولها عن 1000 متر بفتحات ضيقة لا تسمح بمرور الأحياء البحرية الدقيقة، وفي أعماق تقل عن 10 أمتار.
ويجعل هذا الخداع خفر السواحل يتلقون إشارات بأن السفن تعمل في المناطق القانونية، في حين أن السفن الأخرى تقوم بأنشطة غير مشروعة في المناطق المحمية بدون أن يتم اكتشافها.
وطالب العديد من ملاك السفن الموريتانيين بضرورة أن يكون لخفر السواحل حضور دائم وملموس في البحر، خصوصًا في محيط حوض آرغين الممتد من منطقة رأس الأبيض حتى رأس تمريس؛ كما شددوا على أهمية محاكمة القراصنة ومصادرة سفنهم من قبل الدولة.
لكن خفر السواحل الموريتانيين يعانون من نقص في الموارد البشرية والمعدات اللازمة لتنفيذ هذه المهمة الاستراتيجية بشكل دائم وفعال في مناطق متعددة؛ كما أن جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية تستهلك جزءًا كبيرًا من إمكانيات ووقت خفر السواحل، ما يجعلهم غير قادرين على تخصيص الجهود الكافية لحماية الثروة البحرية.
وأصبحت الحاجة ماسة إلى تدخل حكومي لتعزيز قدرات خفر السواحل، سواء بتوفير المعدات المتطورة أو زيادة أعداد الطواقم، لمواجهة هذه الظاهرة التي تهدد الموارد البحرية والاقتصاد الوطني الموريتاني.
هذا، وحذرت إحصائيات رسمية من خطر نفاد مخزون أسماك الأخطبوط التي كانت أهم صادرات موريتانيا إلى الخارج، وذلك وسط توالي التحذيرات من ممارسات سفن صيد قيل إنها «تركية غير شرعية».
وكشفت نشرة صادرة مؤخرا عن المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد (حكومي) حول حالة موارد البلد البحرية، أن مخزون سمك الأخطبوط بموريتانيا يعرف «استغلالا مفرطا».
وعلى غرار حالة الاستنزاف التي يشهدها الأخطبوط يواجه جراد البحر الوردي هو الآخر استغلالا مفرطا، حسب النشرة المذكورة، التي قدرت كميته بـ 2808 أطنان فقط، وهو نفس الشيء بالنسبة لسمك الكوربين، الذي تم استغلاله بشكل مفرط للغاية، والذي قدرته نشرة المعهد بـ3500 طن.
وسبق لحزب «تكتل القوى الديمقراطية» في موريتانيا الذي أسسه أحمد ولد داداه أول محافظ للبنك المركزي الموريتاني، أن حذر في بيانه له من خطورة ما وصفه «بالنهب الذي تتعرض له الثروة السمكية للبلد بفعل نشاط أسطول الصيد التركي وتهربه من آليات الرقابة المطبقة على البواخر في هذا المجال» داعيا إلى «سحب وتوقيف نشاط السفن المستنزفة والناهبة للثروة».