ثقافات «الانحلال»: هل المجتمعات العربية غير مؤهلة للحريات الفردية؟

بلغت قضايا ملاحقة الحريات الفردية، وحرية التعبير في العالم العربي، حداً خطيراً مؤخراً، فبعد أن كانت قضايا سياسية وثقافية كبرى، تطال زعماء سياسيين، ومفكرين وأدباء، لهم تأثيرهم، وطرحهم المتكامل، باتت أجهزة الدول العربية تُعنى بالتفتيش في أدق التفاصيل، وأبسط التعبيرات، فمن احتجاز كوميديان في لبنان؛ إلى حشد أجهزة الدولة العراقية، وميلشياتها النظامية وشبه النظامية، لمطاردة «المتشبهين بالنساء» ما يعني أي مواطن عراقي لا يوافق الصورة النمطية للرجولة؛ وصولاً لقضايا «الآداب العامة» و»قيم الأسرة» التي لا تنتهي في مصر. شرطة الدول ومحاكمها لا تعمل وحدها، بل وراءها مجتمع نشيط، من «مواطنين شرفاء» يتدخلون في حياة جيرانهم وزملائهم؛ ومحامين غيورين على الدين والرموز الوطنية، يرفعون «قضايا الحسبة» دون توقف؛ وشبان تملؤهم الحمية، يحاولون فرض «الفضيلة» بالقوة البدنية، بل حتى قوة السلاح؛ فضلاً عن قطعان من المتحرشين والمعتدين، الذين يحولون الحياة اليومية، وثقافة الشارع، إلى جحيم للفئات الأضعف.
قد تعطي هذه الصورة الاجتماعية انطباعاً بأن أجهزة الدول العربية أقل تعصباً من شعوبها، بل ربما تحاول مجاراتها أو إرضائها، لأنها في النهاية تستقي سلطتها من «ثقافة اجتماعية» متجذرة، شديدة «التخلف» لم يترسخ فيها مفهوم الحريات؛ كما أن المشرعين والقضاة ورجال الشرطة أبناء مجتمعاتهم في النهاية، وسيعكسون بالتأكيد ما ألفوه وتربوا عليه. وهي وجهة نظر قد تبدو بديهية، إلا أن اضطرار المجتمعات الدائم للجوء لأجهزة بيروقراطية ومعقدة، مثل أجهزة الدولة، للحفاظ على «ثقافتها» المتأصلة والمترسخة، أمر يطرح عدة أسئلة، ففي المجتمعات العضوية، ذات الثقافة الراسخة حقاً، مثل القبائل، والتجمعات الزراعية القائمة على العائلات الممتدة، لا يسعى أحد عادةً للاستعانة بجهة «خارجية» للحفاظ على العادات والتقاليد، فهي «خُلق» مترسخ لا شعورياً لدى أبناء الجماعة، يستبطنونه في نظرتهم لذاتهم والعالم، وسلوكياتهم في كل المواقف، كما أن الإجراءات الاجتماعية الداخلية، مثل النبذ والفضح والتحكيم العرفي، كفيلة لوحدها بقمع أي سلوك يعتبر شاذاً. عندما يصبح تدخل الدولة، وهي تنظيم سياسي حديث، ضرورياً لضبط قضايا السلوك والمظهر والتعبير، فنحن نتحدث عن مجتمعات شديدة التعقيد والتركيب، ويصبح لـ»الثقافة» تعريف مختلف، فهي ليست مجرد تراكم من العادات والتقاليد والعقائد المُعاشة يومياً وبديهياً، بل محصلة لعمل أنظمة السياسة والقانون والتعليم والإعلام وصناعة الثقافة الجماهيرية، وكل الوقائع المتعلقة بالصراع على الحيز العام، وشروط الحضور داخله. لا يوجد شيء طبيعي أو بديهي أو راسخ في هذا الصراع، فكل ما فيه من عناصر، يمكن اعتباره «مادة خاما» للسياسة والأيديولوجيا، بتقلباتهما وتغيراتهما العنيفة، والفجائية أحياناً، فأي أنظمة اجتماعية، وصراع على الحيز العام، يمكنهما أن ينتجا كل تلك الوقائع القامعة لأبسط الحريات؟ ولماذا يميل «المجتمع» لمزيد من التعصب؟

آداب الدولة

المتتبع لتراث وتاريخ المدن العربية الأهم، سيجد كثيراً من الأشياء «غير اللائقة» أو «الخادشة للحياء» بالمعايير المعاصرة، ومنها عدد كبير من القصص والأشعار عن المتهتكين والمثليين والمخنثين وزبائن المواخير والمباغي، المرخصة وغير المرخصة، فضلاً عن أنماط غير معيارية من الممارسات الدينية والصوفية والسحرية. كانت تلك المظاهر والممارسات تواجَه، في فترات متقطعة ومتباعدة، بأشكال من «الإحياء الديني» الذي يحاول إعادة ضبط المجتمعات، إلا أن ثقافات البشر كانت دائماً أكثر اتساعاً وتنوعاً من معايير أصحاب «العقائد القويمة» وكل محاولات فرض العقيدة على الثقافة، أو الثقافات السائدة، كانت تنتهي بالفشل والتبدد. الدولة القومية الحديثة وحدها، بما تمتلكه من قدرة على تكديس القوة المادية والأيديولوجية ضمن أجهزة منظمة، تستطيع ضبط كل هذا الخليط من أنماط الحياة والسلوك، وتحديد ماهية «الثقافة الشعبية» و»الدين الوسطي الصحيح» وهي عملية تمت تدريجياً، منذ القرن التاسع عشر، وترافقت مع إنشاء مؤسسات الدولة الأهم: الجيش والسجن والمستشفى والمدرسة والمحكمة ووزارات الأوقاف والشؤون الدينية، كما لم يكن سيكتب لها النجاح لولا تعميم الطباعة، ومن ثم وسائل البث الإذاعي والتلفزيوني، التي نشرت روايات معيارية عن التاريخ والفلكلور والعقيدة، و«الأمة» عموماً.

لم يأخذ المتدينون، وكذلك المتشددون وأنصار الإسلام السياسي، دينهم عن فقهاء وعلماء العصر العباسي الأول مثلاً، ولم يقرأوا كل المخطوطات المتوافرة أو الدفينة، بل تعلموا ما تم تحقيقه ونشره وتدريسه، تحت إشراف هيئات ومؤسسات مرخصة حكومياً، ورقابة أجهزة أمنية شرسة ومتعددة. أما «الآداب العامة» فهي جزء من القانون المدون، الذي كتبه مشرعون، درسوا القانون الحديث، في دول أوروبية أحياناً، في حين أن «قيم الأسرة» ارتبطت دائماً بالسياسات الحيوية للدولة، ومنظورها لزيادة عدد السكان، أو تحديد النسل، أو دفع البشر للاستقرار في مناطق معينة، أو إنشاء طبقات اجتماعية جديدة؛ وحددتها عوامل، مثل مستوى الدخل، الرعاية الصحية والاجتماعية، التعليم والإعلام.

لا يوجد اليوم مفكرون محافظون أو إسلاميون أو طائفيون، أو حتى ناشطون في حركات سياسية جدية، توجد الظاهرة المسماة في سوريا ولبنان «التشبيح» وفي مصر «السرسجة» لمجموعات وأفراد، هم نتاج انحلال المدنية العربية، والفشل الذريع لكل مشاريع التحديث، تفتح لهم الدول الحيز العام، وتغلقه على غيرهم، ليزاودوا على هواهم، باعتبارهم آخر ما تبقى من رائحة «قيم المجتمع» التي ستمنع الويل والانحلال، المقبل من الشواذ والليبراليين وصانعي المحتوى الخليع على تطبيق تيك توك.

سنجد نموذج الأب والأم الفاضلين أولاً في كتب القراءة، والمسلسلات والأفلام، التي أنتجتها الدولة بشكل مباشر، أو بالتنسيق مع جهات الإنتاج الخاصة. وبالتالي فإن ما نظنه ثقافتنا المترسخة عبر العصور، قد لا يكون أكثر من «مشروع قومي» للدول، إلا أن هذا المشروع قد تضمن عدة عناصر متناقضة، فهو من جهة قد علمن السيادة، بجعلها سيادة الشعب دستورياً؛ ومن جهة أخرى ربطها بتشريع وفقه وعقيدة عابرة للتاريخ. ما يؤدي لمفارقة طريفة: السيادة الشعبية، كي تكتمل حقاً، ستعني دائماً فرض «قيم الأمة» الأبدية والمحددة سلفاً، على كل مناحي الحياة، بما أن «الشعب» مُعرف بتلك القيم. بعبارة أخرى: علمنة السيادة الحديثة، في الدول العربية والإسلامية، ستعني دائماً مزيداً من الأسلمة، باعتبار أن الشعب معبر حتماً عن الأمة، وهي «روحه» الحقيقية، والأمة هي العروبة و»الإسلام». أما في حالة لبنان مثلاً، ذي «الوجه العربي» والإسلامي، إلى جانب حضور بقية الأديان والمذاهب، فالسيادة الشعبية وقيم المجتمع هي ما يجتمع عليه ممثلو الطوائف الأكثر محافظة. تماماً كما رأينا في الائتلاف العابر للفرقاء السياسيين، الذي نشأ مؤخراً، ضد كل المظاهر «الشاذة» في المجتمع اللبناني. هذه النتائج لم تكن متضمنة حتماً، وبشكل أحادي، في بنى الدولة والدساتير العربية، بل كان لا بد من كثير من الصراع الاجتماعي، والحوادث العاصفة، كي نصل إلى ما وصلنا إليه.

ما بعد الأمة

«الثقافة» الموصوفة أعلاه كانت مشروع البورجوازية والعسكرتاريا العربية، شبه الإقطاعية أحياناً، وشبه التابعة غالباً، لبناء دولة حديثة، بوصفها مشروعاً لـ»التحرر الوطني» من الهيمنة الأجنبية، بناء على «الإسلام» والعروبة والأديان السماوية وبعض حفريات العصور القديمة، وهو مشروع بات عتيقاً وفاشلاً، وربما انهار منذ زمن طويل، وعبر فصول متعددة، من هزائم في معارك خارجية؛ مروراً بصعود قوى الإسلام السياسي، ذات العلاقة الشائكة والمعقدة مع الدولة، لكن المخلصة بمعظمها لجوهر «السيادة الشعبية» و»قيم الأمة» وفق مشروع التحرر الوطني العربي؛ وصولاً إلى الاضطرابات الاجتماعية الكبرى، التي عرفتها بلدان كثيرة منذ مطلع الألفية الحالية، وأدت للاحتلال الأجنبي والحروب الأهلية وانهيار الدول.
لا توجد اليوم إلا دول فاشلة وشبه فاشلة، غارقة في الديون، ولا تمتلك أي مشروع جدي، أو أيديولوجيا للهيمنة، أو شيئاً تعد به مواطنيها، باستثناء تخويفهم، وتخويف الخارج من الفوضى، وتحافظ، في الوقت نفسه، على خزان واسع من القيم الراديكالية، حول النظرة للذات والآخر، مترسبة من عصور القومية والتحرر الوطني والإسلام السياسي، ويمكن لأي كان أخذ ما يشاء من هذا الخزان، دون الحاجة لسياق أو خطاب جدي ومتسق. تبدو الدولة اليوم، وأبناؤها البررة، محاكاة ساخرة لنسختها الأصلية، وهي نسخة لم تكن شديدة الإتقان من الأساس.

شبيحة وسرسجية

لا يوجد اليوم مفكرون محافظون أو إسلاميون أو طائفيون، أو حتى ناشطون في حركات سياسية جدية، توجد الظاهرة المسماة في سوريا ولبنان «التشبيح» وفي مصر «السرسجة» لمجموعات وأفراد، هم نتاج انحلال المدنية العربية، والفشل الذريع لكل مشاريع التحديث، تفتح لهم الدول الحيز العام، وتغلقه على غيرهم، ليزاودوا على هواهم، باعتبارهم آخر ما تبقى من رائحة «قيم المجتمع» التي ستمنع الويل والانحلال، المقبل من الشواذ والليبراليين وصانعي المحتوى الخليع على تطبيق تيك توك. والطريف أن أجهزة دول، تدعي أن تراثها الحضاري يعود لآلاف السنين، تتحرك على وقع أمزجة هؤلاء السرسجية والشبيحة، لنرى عشرات قضايا قمع الحريات، والقوانين الغرائبية.
ربما كانت مشكلة الحريات في العالم العربي هي مشكلة نظام سياسي، لا يستمر إلا بنوع من القصور الذاتي، وعدم وجود أي بدائل واضحة له، وآن الأوان لتجاوز روايته بأكملها، أي رواية «الوطن» و«الأمة» و«الشعب» والبحث عن أشكال جديدة للعمل السياسي والخطاب الثقافي، لإنتاج سيادة مغايرة، تكسر سيطرة الغوغاء على الحيز العام وحياة البشر.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية