مقبرة في برلين ـ ألمانيا
تثير مسألة الانكماش السكاني كثيراً من القلق في الدول الأكثر غنى وتطوراً، خاصة التي دخلت ما يسميه البعض «العصر بعد الصناعي» فمن الولايات المتحدة وألمانيا، وصولاً إلى اليابان وكوريا الجنوبية، تبدو البيانات الديمغرافية داعية للتشاؤم. كما أن ارتفاع الوفيات نسبةً للولادات، بسبب الانخفاض العام للخصوبة، يهدد بنتائج اجتماعية واقتصادية وثقافية كارثية، ليس أقلها اضطرار جيل جديد للعمل طويلاً، للوفاء بمتطلبات رعاية فئة سكانية واسعة من المسنين غير المنتجين، في ظرف يتسم بانكماش اقتصادي عام. إلا أن الأمر لا يقتصر على تلك الدول، فحتى في بلدان أقل تطوراً، مثل روسيا والصين وإسبانيا، يبدو الانكماش السكاني قدراً لا فكاك منه، وباستثناء مناطق، مثل العالم العربي وافريقيا وآسيا الوسطى، يبدو أن عالمنا فقد رغبته في التكاثر والاستمرار.
الظاهرة مدروسة جيداً من الناحيتين الديمغرافية والاقتصادية، إلا أن أصواتاً عديدة في الغرب تتحدث عما هو أكثر من تحولات بنيوية في أنماط الإنتاج والاجتماع الإنساني، أدت إلى هذا الانحدار الشديد في الخصوبة.
الموضوع يتعلق بانعطاف أنثروبولوجي/ثقافي عام، مرتبط بسياسات حيوية وأيديولوجيات، مناصرة في جوهرها لـ«العقم» يمكن اعتبارها أساسية في نمط التحديث المعاصر. والعقم هنا لا يرد بمعناه الفيزيولوجي، بل بمعنى التركيز الأناني على المستويات غير المتعالية للوجود الإنساني: الحاضر الذي لا يأبه كثيراً بالماضي والتقليد، ولا ينظر إلى المستقبل بوصفه «أمانة» يؤديها المعاصرون، عبر نقل أفضل ما في الماضي إلى أجيال جديدة، يجب أن تُعمّر الأرض، بناء على ما وصلها من خبرة أسلافها وقيمهم؛ الارتباط بالجسد ولذّاته وصحيته وراحته، والطموح الفردي، وقطع كل روابط اجتماعية وثقافية قد تفرض إكراهات على الذات المفردنة؛ مراعاة نمط من الأخلاقوية، السطحية والمجرّدة، التي تستطيع تبرئة الأفراد من شبهة ارتكاب الخطايا، ما داموا غير ملزمين بالتفكير بمصلحة جماعة متراصة، وضمن منظورها القيمي، وتجعلهم يكتفون باحترام حساسيات أفراد آخرين، بغض النظر عن مدى صدقها وقربها من الحقيقة. يتساوى، من منظور الإنسان العقيم، الماضي بالمستقبل؛ الخير والشر؛ الصدق والكذب، ما دام يعيش ضمن «حقيقته» الخاصة، غير المتعلقة بقيم عليا، تنتقل من الآباء إلى الأبناء. ولهذا فمهما شجّعت الدول مواطنيها على التكاثر، فهي لن تستطيع دفعهم إلى تجاوز أنانيتهم، والتضحية في سبيل القيم الضرورية لبناء العائلة، والحفاظ على استمرار المجتمع.
الموضوع لا يتعلّق إذن بالتوجهات السكانية الآنية والمعلنة للحكومات، بل بعصر «فقد بوصلته» إذا صح التعبير، فقد أدى «قتل الآباء» بالمعنى الرمزي، إلى تعذّر إمكانية إنجاب الأبناء، ولم يعد هنالك سوى أفراد عقيمين، ليسوا أبناءً أو آباءً/أمهات لأحد، يستهلكون عالمهم إلى أن ينفذ. يبدو هذا طرحا محافظاً للغاية لكنه يثير أسئلة مهمة: هل الانكماش السكاني عَرَض لمشكلة أخلاقية وثقافية عامة في نمط «الحداثة» المعاصر؟ وهل الدول غير «العقيمة» أي التي تشهد نمواً سكانياً غير مسيطر عليه، قد نجت من هذه المشكلة، وعليها أن تتبع نمطاً مختلفاً من «التحديث»؟
سؤال العمال/العبيد
يمكن استخلاص عناصر مشتركة كثيرة، بين الطرح المحافظ المذكور أعلاه، وتحليل يساري أكثر «مادية» في نقده للمنظومات المعاصرة: تميل الرأسمالية المتأخرة إلى نموذج العامل «المرن» المنبت عن أي رابطة اجتماعية، يمكن أن تعيق تسويقه وبيعه لقوة عمله. الوظائف والمهن غير المستقرة، التي لا توفّر شيئاً من حقوق العمل القديمة، تتطلب بشراً قادرين على تغيير مكان سكنهم، والعمل لساعات غير محددة تحت الضغط، وإبراز «فرادتهم» وقدرتهم على الخروج عن المألوف، وكل هذا لا يتفق مع الترسّخ المادي والمعنوي، الذي يتطلبه العيش ضمن عوائل ومجتمعات متماسكة. إلا أن هذا التحليل لا يستطيع الإجابة عن سبب ميل هؤلاء العمال أنفسهم للخضوع لذلك الشرط، بل واعتباره، في كثير من الأحيان، تحريراً لهم من الخضوع للقيود الاجتماعية والثقافية والدينية العتيقة. يتبنى كثيرون في عالمنا قيم «المرونة» رغم انحدار أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ويتشككون في أي محاولة لاستعادة الروابط الاجتماعية الراسخة، سواء كانت عن طريق «العودة إلى القيم» على طريقة اليمين المحافظ؛ أو من خلال بناء تنظيمات سياسية ونقابية قادرة على التغيير، كما يحلم عدد من اليساريين. ما يذكّر بإحدى الإشكاليات الفلسفية المعروفة منذ عصر التنوير، التي سبق لسبينوزا طرحها بصيغة شديدة الوضوح: لماذا يبدو كثير من الناس فرحين بعبوديتهم، ومستعدين للدفاع عنها باستماته؟ وهو سؤال لم ينقطع المفكرون في ما بعد عن طرحه بصيغ مختلفة، مع إضافة لاحقة مهمة عليه: هل يجوز إرغام من نعتبرهم عبيداً، على التخلص من «عبوديتهم» إذا كانوا لا يعونها، بل يعتبرونها تحرّرهم وخلاصهم؟
البحث عن «أنا مثالية» من منظور تحرري، أمر تجاهلته الدعوات اليسارية والليبرالية منذ عقود، وربما كان التفكير بها، والسعي لإعادة صياغتها، أفضل ما يمكن فعله أخلاقياً لتجاوز «العقم» النيوليبرالي، و«التكاثر» المقلق لليمين العنصري.
تجعل هذه الإشكالية التحليل اليساري يكتسب بدوره بعداً أخلاقياً جوهرياً، رغم كل ما يبديه من «مادية» وبالتالي يبدو أن مسألة «ثقافة العقم» هي قضية أخلاقية إلى حد بعيد، أياً كان المنظور الذي نعالجها منه. قد يدفع هذا لاعتبار الأخلاق حصناً أخيراً للمجتمعات التي لم «يفسدها» بعد ذلك النمط من التحديث، فإذا كان الانفجار السكاني مشكلة ذات أبعاد كارثية، فإن تبني «العقم» بكل عواقبه الأخلاقية والاجتماعية، ليس حلاً، والأفضل التركيز على إعادة بناء المجتمعات وتنظيمها عبر ترميم البنى الأبوية، مثل الدولة/الأمة، العائلة، المؤسسة الدينية، الخ. وهو طرح اليمين المعاصر، من المحافظين الأمريكيين، مروراً بأنصار بوتين في روسيا، وصولاً إلى حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند، ومن السهل رصد أصدائه بقوة في العالم العربي.
يمكن توجيه كثير من النقد لهذا المنظور، ومنه اعتبار أنه لا يشكّل نقيضاً فعلياً للسياسات والمنظومات التي ينتقدها، بل يندرج في إطارها في نهاية المطاف، إذ تستفيد الدول «العقيمة» من القيم التي تحافظ عليها بلدان الانفجار السكاني، وتعتمد عليها للاستمرار وجني الأرباح، سواء عبر استغلال العمالة الرخيصة، المُخضعة بالهرميات الأبوية؛ أو من خلال استقطاب الخبرات والعمالة الماهرة من تلك الدول، ما يجعل الشعبوية اليمينية واليسار الليبرالي أيديولوجيتين متلازمتين لنظام واحد. رغم هذا يبقى النقد عاجزاً عن الإجابة على السؤال الأخلاقي، الذي يطرحه اليمينيون حول العالم.
خصوبة الأخلاق
لكنْ، ألا يمكن تجاهل السؤال من أساسه، واعتبار أن الانكماش السكاني في الدول الأكثر تطوراً ظاهرة تاريخية ضرورية، قد تساهم في فرملة منظومة اقتصادية غير عقلانية، تعتمد على النمو الدائم وغير المحدود، مدمرةً موارد الكوكب؟ وأن المشاكل الديموغرافية المقبلة ستؤدي في النهاية إلى إجبار صانعي السياسات على البحث عن حلول أكثر توازناً؟
إذا كان السؤال مطروحاً من منظور ليبرالي، معادٍ لليمين بتنويعاته، فربما تكون الإجابة غير مرضية على الإطلاق، يجادل كثيرون أن المستقبل سيكون لمصلحة المجتمعات الأكثر خصوبة، أي الأكثر تمسّكاً بأخلاقها، والأشد بعداً عن القيم الليبرالية. تنكمش اقتصاديات الدول الغربية، وتنسحب من دورها الدولي في حماية الحريات ونشر الديمقراطية، وتبرز مراكز إقليمية جديدة تملأ الفراغ الذي تخلّفه. وربما لن تعود نقاشات اليوم، عن رعاية حساسيات الذات الفردية، وحمايتها من الاعتداءات والتنمّر، وغيرها من القضايا التي يعتبرها اليمينيون عقيمة، هي السائدة، بل ستنتشر قيم أخرى، مثل الطاعة وإنكار الذات والتعصّب القومي والديني. سبق لسلافوي جيجيك التحذير من أننا نعيش في ظرف عالمي، الشيوعيون الصينيون فيه هم أفضل مديرين للرأسمالية، وبالتالي بإمكانهم نشر قيمهم على حساب «الغرب». وربما يصبح الوضع أسوأ، فالصين نفسها لن تنجح غالباً في تجاوز «عقمها».. من هم المديرون الجدد؟
الأنا المثالية
بالعودة إلى الطرح اليساري، حول العبودية التي تتعرض لها الذات «المرنة» في عالمنا، فقد يكون الأجدى عدم التهيّب من مواجهة السؤال الأخلاقي: ما العمل في عالم محاصر بين منظور عقيم، ينتج ذواتاً أنانية مُستغلَّة، لا تفعل أكثر من تقديم الأداء المتناسب مع عالم مفتقر لأي بعد متعالٍ، دون أن تنال بالمقابل إلا «تريندات» عن الحرية والحق؛ ومنظور آخر يسحق البشر تحت هرميات سلطوية لا ترحم؟ سبق للمفكرة الأمريكية جودي دين استعارة مفهوم «الأنا المثالية» Ego-ideal من التقليد الفرويدي للإجابة على السؤال: لا بد للبشر، لكي يغيروا أوضاعهم، ويتجاوزا أشكال الاستغلال والاستلاب التي يتعرّضون لها، أن يفكروا بالذات المثالية، التي يحبون أن يكونوا عليها، أي أن يبذلوا جهداً ليغيروا أنفسهم وأنماط سلوكهم، ويسيطروا على انفعالاتهم، كي يصبحوا أقرب لنموذج أخلاقي جمعي ومشترك، يرونه أكثر صحةً وعدلاً.
البحث عن «أنا مثالية» من منظور تحرري، أمر تجاهلته الدعوات اليسارية والليبرالية منذ عقود، وربما كان التفكير بها، والسعي لإعادة صياغتها، أفضل ما يمكن فعله أخلاقياً لتجاوز «العقم» النيوليبرالي، و«التكاثر» المقلق لليمين العنصري.
كاتب سوري