ثقافة الاختلاف التي نجهلها
ثقافة الاختلاف التي نجهلها أن اختلف معك معناه أنني أري وأتصور العالم بشكل مغاير، لأنني بكل بساطة أفكر. والتفكير كما حدده الفيلسوف ديكارت هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان بل هو الذي يقرر في اختلافنا جميعا. إن ملكة العقل هي القاسم المشترك بالتساوي بين كل الناس، لكن الاختلاف يوجد فقط في طريقة توظيف هذه الملكة.الاختلاف يجسد ثقافة تعرف ذاتها من خلال علاقة الأنا والغير الذي يشترك معي ثقافيا وكذا المخالف. فمطارحة موضوع الأنا تتحدد دوما عبر الآخر كما يتصور ذلك د. محمد عابد الجابري. فتفكير الأنا في مستقبله لابد من أن يدخل الآخر كمحدد من محدداته. إذا رجعنا إلي تاريخ العرب والمسلمين علي سبيل الذكر لا الحصر، نستشف وجود ثقافة للاختلاف طبعت الفكر والممارسة. فالحكمة في ـ الاختلاف رحمة ـ لم تجد تربتها الخصبة في هذا السياق منذ عقود من الزمن. ولهذا السبب نجد القراءات المتنورة كانت سببا وراء محنة العديد من الفلاسفة والفقهاء الذين عانوا من لعنة الإكراه والضغط بل أدي الأمر إلي إحراق كتبهم كالفيلسوف ابن رشد.مع الأسف، الملاحظة السوسيولوجية تبين أن مرض الاختزالية والتقوقع علي الذات قد أصاب عالمنا، وبشكل أكبر العالم المتخلف الذي يعاني من ويلات هذا الوباء المعدي لأسباب عديدة منها حضور شروط وعوامل تعيق أساسا تطور بنيات المجتمعات العقلية والمادية وكذا الثقافية.أن نختلف معناه، بكل بساطة، استحضار ثقافة مغايرة يمكن تسميتها بلغة الإنصات التي من خلالها نتجادل ونتبادل الآراء والأفكار ونعطي لكل حق حقه من وبفضلها يتطور الفكر. فالإنصات إلي الذات الناقدة هو تعرية للأنا وتهديمها قبل لحظة بنائها. لكن حضور الأحادية والتسطيح الفكري يؤدي إلي تكريس الواقع كيفما كانت طبيعته ويعطل كل تغيير مجتمعي.روح ثقافة الاختلاف هي الديمقراطية وليس الإقصاء وفرض قراءة معينة دون غيرها بالسيف أو بالسلاح. فتاريخ الإنسان منذ الحقبة البدائية إلي الآن يعج بسلسلة من الإكراهات التي تقتل روح التواصل بين الأنا والغير، وفي هذا السياق ينبغي أن نعرف جميعا عدد الملل والنحل والتي خصص لها الشهرستاني كتابا ضخما. نضيف إلي قولنا أيضا، الكم الهائل من التأويلات التي قدمها الإنسان للنصوص التي تركت بصماتها علي مدي التاريخ.إن الأحادية في التفكير والتصور تري كل شيء في صفائه ونقائه، فهي تعتبر الهوية واحدة. إنها تنظر إلي الذات بنظرة لا يأتيها الباطل لا من ورائها ولا من أمامها. الأحادية تعتقد في الجنس الخالص وفي التأويل الوحيد ولو كان صاحبه دجالا يتاجر في مصائر الناس وأحلامهم. عموما المشروع الإختلافي والتنويري يولد عندما نؤمن بمنطق التعدد، والسبيل يظل هو تقديم النموذج والمثال البعيد عن اللغة المتهالكة من أجل بناء الذات.محمد نبيل ـ صحافي مقيم بكندا [email protected]