ثقافة البحر!
خيري منصورثقافة البحر!بخلاف أي توقع لجغرفة الثقافة، فإن المقصود بثقافة البحر ليس تصنيفا للثقافات بين برية وبحرية وبرمائية، لهذا فالبعد الرمزي لثقافة البحر هو المقصود في هذا السياق علي الاقل، لأن البحر يمتاز بخطاب صامت مضلّل، بقدر ما تعجّ اعماقه بصخب الصراع، وهذا ما دفع فيركور الفرنسي الي جعل صمت البحر معادلا لصمت الفرنسيين في جمهورية المقاومة التي سمّاها سارتر جمهورية الصمت!ثقافة البحر معمار ومزاج وأزياء وألوان، فهي تسامح مع العري، وإشهار للجسد في وجه الشمس، وقد تكون مقالات البير كامو في كتاب أعراس، خصوصا تلك المكرّسة لتأملات صيفية وبحرية في تيبازا وجميلة الجزائريتين من أسطع وأبهي ما كُتب في مديح البحر، رغم أن بطل روايته الغريب، حمل إسما مركبا من الشمس والبحر، وهو ميرسول وارتكب جريمة قتل غامضة الدوافع، وإن كانت حرارة الشمس اللاهبة ورطوبة البحر قد لعبتا دور البطولة في تلك الدراما العدمية! والفريدة.وقد ينصرف الذهن عند عنوان كهذا … وهو ثقافة البحر الي روايات وافلام كان البحر بطلها، من طراز العجوز والبحر وموبي ديك وتايتانيك، والحقيقة هي ان البحر لم يكن البطل او الكومبارس في تلك الصراعات، بقدر ما كان ساحة الحرب، ومن عاشوا بالقرب من البحر وبلل الرذاذ اهدابهم في ليالي الصيف، تداعب كلمة البحر علي الفور وترا خفيا في قلوبهم، وتستيقظ في ذاكرتهم نوستالجيا زرقاء وشفيفة، حيث المدي محرر من الحدود وتعاقب الامواج يتحول الي تمارين علي لعبة عدم الوصول، ما دامت تتكسر تباعا علي الشاطيء.والصفات التي اطلقت علي البحر تراوح بين حرية وضياع عوليسي ، مضمّخ بالاسطورة وبين حنين صحراوي يجعل من الماء وعدا بكل ما هو يافع وأخضر.وأغرب ما في هذه المسألة ان شاعرا مثل آرثور رامبو كتب قصيدة بعنوان الزورق السكران، وهناك من نقّاده من يقولون انه لم يكن قد غامر في بحر او حتي غدير، فالبحر ليس معطي جغرافيا او حصة رخوة من تضاريس كوكبنا، انه ايحاء باللامحدود، والغامض، والاسطورة ذات الوجهين …. لأنه يحيي ويميت .. القليل منه يحيي والكثير منه يُغرق، ويجرف الاحياء.لهذا لا يراه البعيدون عنه في اقاصي الجبال كما يراه الماكثون علي تخومه.البعيدون عنه يحلمون به شراعا وشعرا وانعتاقا من اليابسة، والقريبون منه يخافونه، وقد يعلفونه بأجمل العرائس كي يكف عن قضم اعتاب بيوتهم.قبل أشهر قليلة، نُشر خبر في الصحف عن سيدة اسبانية ماتت في الثمانين في قرية تبعد عن البحر أقل من ميل واحد.. لكنها لم تشاهد البحر ولم تغسل قدميها في مائه… وكأنها عاشت وماتت في الربع الخالي… وبالمقابل هناك من عاشوا وماتوا في الربع الخالي، كتبوا عن البحر ما لم يكتبه جيرانه، وهذا يجزم بأن الحلم ببلوغ الماء يتجاوز الاسطورة الي التاريخ.فثمة شعوب هاجرت بحثا عنه، وشعوب بادت بسبب طوفانه، لهذا فالثقافة المنسوبة اليه لا تشترط الاستحمام فيه بقدر ما تشترط ابتكاره من ذاكرة عطشي، مفعمة بالحنين، الي ما يحررها من رمل اليابسة وحصاها الناشف!أما التسامح الي حدّ ما مع العري، واشهار الجسد لدي من يعيشون جيرانا للماء فهو أكثر من مجرّد حاجة عضوية، او خشية علي الثياب من بلل، فالفراعنة كانوا يستحمّون بأثواب من الكتان تتيح للجسد ان يتّضح أكثر في عريه، وأن يعلن تضاريسه بفصاحة لا يشوبها تردّد.. ان التداعيات التي تنساب في ذاكرة من يجلس الان، وفي هذه الظهيرة القائظة علي مقعد خشبي أبيض تحت مظلّة زرقاء علي شطآن البحر الابيض المتوسط من اسكندرية وبيروت الي اثينا لا يمكن لها ان تتكرر في مكان آخر.وسيبدو المشهد مثيرا للسخرية اذا قلنا مثلا بأن الكتابة عن ثقافة البحر تتطلّب من المرء أن يجلس بالمايوه ويكتب، او يلحس بقايا الملح عن وسادة ابتلّت بشعره بعد السباحة، فثمة بحّارون لا يعرفون البحر الا كمجال حيوي لحرفهم، لأنهم لا يرون من البحر غير قارب وشراع وشبكة صيد، وهذا ما تنبّه اليه بحصافة نادرة ت. إس. إليوت عندما وصف رحلة الصيد بأنها ليست من أجل السمك، بل هي جلوس علي الرمل، وتحت سماء عارية، وتدخين وتأمل..وقد يعود صيّادو إليوت بشباكٍ خاوية، لكن هناك شباكا اخري مثقلة بما اصطادوا من افكار وصور، وكل ما سيتحول الي مؤونة خضراء للذاكرة في زمن البطالة!ہہہثقافة البحر أمثولة للتسامح والحسم معا، خصوصا في تلك الثغور التي كانت لقرون مهددة بالقراصنة والغزو، وهذا ما أحسست به مرّتين علي الأقل، مرّة عندما سمعت عن عجوز فلسطينية ولدت في عكا عبارة ذات مغزي تاريخ عميق، وهو لو أن عكا خافت من هدير البحر لما سكنت علي الشاطيء، ومرّة عندما وقفت تحت صومعة حسّان في الرباط المغربية.ثقافة تتزاوج فيها رعونة المجازفة بالهلع من غضب الماء، وما قد يحمله من قراصنة قادمين من العتمة الزرقاء، لهذا تبدو الصوامع كما لو انها تدير ظهرها للبحر، وفي الوقت ذاته تقف في مواجهته وهي تحدق الي عينيه!وما كنت لأسلم نفسي لهذه التداعيات حول البحر وثقافته لولا انني ولدت قاب موجتين عاتيتين او أدني منه، لكنني حرمت من غسل قدميّ في مائه المالح، في زمن أخرس، كنّا نأكل فيه السردين المعلّب القادم في شحنات ولا نري السمك الحي ونلامسه..كنّا نري الاشرعة بالعيون المجرّدة لكنها أشبه بتلك القصيدة السوريالية التي كتبها شاعر فرنسي عن الشراع … بحث تتكرر كلمة شراع وهي توغِل في الصِغَر حتي التلاشي عند أفق داكن من الصمت!وما يقال احيانا عن الطابع الكوزموبوليتي للمدن البحرية، بسبب تلاقح الثقافات في الموانئ المشرعة، يوغل في التعميم، فثمة مدن بحرية أدارت ظهرها للبحر، وتشرنقت كي لا تكون ضحيّته في المد والجزر، ووصفته بالخائن الخاذل.كما أن هناك مدنا اعتبرت البحر عدوّها وناشدته بالكفّ عن التهام الناس، وحين سمعت لأول مرة بقصة كتبها كويتي وتحوّلت الي فيلم بعنوان (بس يا بحر) أدركت علي الفور أن ثرثرة البحر تعني شيئا واحدا، هو التهام الاحياء من الصيادين الذين قلّما يعودون، فالمحار يدافع ايضا عن لؤلؤه… تماما كما يدافع التراب عن الجذور المغروزة فيه!ہہہعرق الآباط، وما ترشح به الأصابع من رطوبة مالحة، والرشاقة النّورسية في الصيد سواء كان للحم بشري او للحم كائنات الماء…هذه المتوالية الزرقاء التي تستثير حنينا غامضا الي ما بعد الجبل والصحراء، غالبا ما تتقطّر ثقافة سلوكية، يعبّر عنها بالعري، او ما تسمح به الثياب الخفيفة منه، انها ثقافة تقشر الانسان المثقل بالحراشف، وتحررّه من ثقافة السبات الشتوي، كما تفسح له مجالا في طرح اسئلة لا يحرّض علي طرحها شيء كالماء.. الذي يحيي ويميت، ويروي ويُغرق!ان ما كتبه اليكس ليجيه، وهو الاسم الحقيقي لسان جون بيرس عن، البحر وكائناته تطلّب معجما مائيا لقارئيه من غير جيران البحر، لكن هذه المعرفة بأدق تفاصيل البحر ليست ثقافة بحرية بقدر ما هي ثقافة عن البحر، ولعلّ هذا هو ما دفع ناقداً حديثاً لإجراء مقاربة طريفة بين بيرس ولوتريامون … فمن يصف سمكة القرش ليس كمن يتزوجها .لقد رضعت الاسطورة كثيرا من حليب البحرالأزرق، وكان غموضه وظلماته واشباحه وقراصنته علي الدوام مثار تخييل لا حدود له لمن ولدوا بالقرب من بحر ما، وليس عوليس وحده من ضاع في مهب الامواج، لكنه الأشهر بين من حوّل البحر حبيباتهم الي ناسجات طيور، ينتظرن ويبتهلن الي رب الماء بأن يعيد اليهن من خطفتهم إناث البحر .ان ما يكتب احيانا عن البحر او حوله يوشك ان يدجّنه ويسكبه في براميل، نازعا عنه تيّاره وعنفوانه ووحشيته الآسرة …فالبحر أفقدته الغواصات والسفن الحديثة هيبته القديمة مثلما أفقدت الفضاء المركبات الفضائية التي حاولت افتضاض اسراره، لكن وراء هذا الفضاء الداجن والمرئي فضاء آخر، كما أن وراء البحر بحرا آخر، وما قيل عن ملامسة الشجرة التي تحجب الغابة، وملامسة الغابة التي تحجب الشجرة يصحّ علي البحر، فملامسة الموجة تحجبه، والغوص فيه يحجب الموجة، وهنا تكمن اسرار ثقافته التي تتجسّد في أنماط سلوك وأعراف بحرية، قد لا يفهمها البرّيون والبرمائيون ولو قيّض للبحار أن تقرأ ما كُتب عنها لضحكت ملء الموج لا الفم، وسخرت من هذه المداعبات الأشبه بمداعبة عصفور لسفح جبل، لقد كتب الجبليون وفي مقدّمتهم رسول حمزاتوف عن ثقافة الجبال، وكان لهم الحق في ذلك، فمن لم يعش في قرية علي سفح جبل آسيوي يعزلها الشتاء القاسي شهورا عن جارتها لن يفهم ما يعنيه الجبليون عندما يتحدّثون عن ثقافتهم .وبالمقياس ذاته، فإن ما كتبه الشعراء العرب عن صحرائهم ما يزال ماثلا بكامل عافيته لأن الصحراء باقية، وقد يدل البعير طائرة هبطت للتو علي مكان ما بين كثبانها!أخيرا، هي مناسبة لاستذكار ما قاله أدونيس في إحدي نوباته البحرية :نادرا ما ينطق البحر ولكننطق البَحْرُ …. يَبسنا!لهذا فالبحر باقٍ لكن ثقافته صحراوية!!!0