أتى عام 2014 بدليلين اثنين، على الأقل، على أن الجمهور يتجاوب مع المنتج الثقافي والصحافي الجاد الذي يخاطب العقل والوجدان، وأنه لا صحة للزعم بأن «الجمهور عاوز كده» — هذا الزعم الذي استحال عقيدة إدارية استبدادية، خاصة في قطاع الصناعات الثقافية والإعلامية العربية، تريد الإيهام بأن الكتب والمقالات والمواد ذات المحتوى الجاد والمستوى المتطلب بضاعة لا جمهور لها، أو أن التلفزيون مخلوق ترفيهي ضعيف لا قبل له بمشاق الرصانة والعمق.
الدليل الأول أتى من عالم الكتب. فقد حقق كتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» لمؤلفه الباحث الاقتصادي الفرنسي توما بيكتي من الثروة والشهرة ما لم يكن ليخطر على قلب مؤلف كتاب «رأس المال». ولهذا لم تكن والدة ماركس متجنية تمام التجني عندما اشتكت ذات يوم قائلة: «يا ليت كارل اهتم بجمع رأس المال بدل الكتابة عنه!» فقد كان هذا اللاجىء الألماني يعيش في منفاه اللندني على المساعدات المالية التي كان يمده بها صديقه فريدريك انغلز.
ترجم كتاب بيكتي إلى 32 لغة وبيعت منه حوالي مليون نسخة، 160 ألفا منها بالفرنسية ونصف مليون بالانكليزية و100 ألف بالصينية. وقد احتفي به في بكين مثلما يحتفى بالنجوم. كما أنه استقبل في البيت الأبيض الأمريكي والبرلمان الهولندي وكان نجم معرض الكتاب في فرانكفورت. وهو يستعد الآن لجولة في أمريكا اللاتينية، بعد أن ثبت أن رئيسة تشيلي ميشيل باشليت معجبة بأطروحاته.
فما هو سر نجاح كتاب شبه أكاديمي لا يقل طوله عن 951 صفحة لدى جمهور من مختلف القارات؟ أولا، أنه يعالج مشكلات تهم جميع البشر. ثانيا، أنه يحلل أزمة الرأسمالية المعاصرة بدءا من القرن 18 حتى اليوم من خلال دراسة المعطيات المتعلقة بالضرائب (أي توزيع الأملاك والمداخيل) في عشرين بلدا متقدما، وأنه يستكمل الصورة بالغوص في متون التوثيق الاجتماعي غير المباشر، أي في الآثار الأدبية من بلزاك إلى جين أوستن. ثالثا، أنه يفعل كل ذلك بحرص أسلوبي ثابت على الوضوح والبيان.
وقد بلغت الغيرة من نجاح بيكتي درجة جعلت بعض الأوساط الأنغلوساكسونية تتجنى عليه بانتقادات واهية. ولو أن الفاينانشال تايمز كانت من النزاهة بحيث أسندت له جائزة أفضل كتاب اقتصادي لعام 2014، كما اعترفت أنها كانت مخطئة حين زعمت أن مقولته المركزية تفتقر إلى السند الإحصائي. وجوهر المقولة أن هوة اللامساواة في المجتمعات المعاصرة في أوروبا وآسيا، وخاصة في أمريكا، قد اتسعت بشكل هائل أعاد الرأسمالية سيرتها الأولى. أي أن ما نعيشه الآن ليس الرأسمالية المصححة بالعدالة الاجتماعية: الرأسمالية التي بلغت أوج إنجازاتها التقدمية أثناء ما يسمى بـ»الثلاثين المجيدة» (من عام 1945 إلى 1975)، بل إنها رأسمالية القرن 19 في شكلها الخام: حيث أن أرباح رأس المال تتجاوز اليوم أرباح العمل بأضعاف مضاعفة، وحيث أصبح الميراث يتفوق على الجدارة، وحيث توقف التعليم عن تأمين الحراك الاجتماعي، وحيث صارت الثروة العالمية مركزة في يد حفنة قليلة من الأفراد تركزا استحواذيا صادما لأبسط معاني الإنسانية. وتتلخص المقولة في صيغة أن أي ربحية رأس المال أعلى من نسبة النمو علوا يفاقم هوة التفاوت واللامساواة.
الدليل الثاني على تجاوب الجمهور مع المنتج الصحافي والثقافي العميق الجاد أتى من عالم التلفزيون. ليس في بلاد الغرب المتقدم. بل في بلادنا العربية التي شاع الزعم بأن جمهورها لا يحب إلا التفاهة التلفزيونية وأن قصارى الجهد عنده أن يشاهد نشرة الأنباء. فقد بثت شبكة الجزيرة الإعلامية على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية سلسلة وثائقية على قناتيها العربية والانكليزية بعنوان «الحرب العالمية الأولى في عيون العرب» تجاوز عدد مشاهدي الحلقة الأولى منها بالعربية على اليوتيوب مليونا ونصف مليون مشاهد. وبذلك حققت السلسلة رقما قياسيا غير مسبوق في تاريخ الجزيرة منذ إنشائها قبل 18 سنة. أما النسخة الانكليزية من الحلقة ذاتها فقد تجاوز عدد مشاهديها 350 ألفا.
هذا أحدث الأدلة القاطعة على أن في وسع الثقافة عموما، والصحافة خصوصا، أن «تربح المليون» بينما هي ترتقي بالجمهور بدل أن تهوي به. بل إن الارتقاء الذاتي والجماهيري – أي الاضطلاع بواجب التحرير السياسي والتنوير المعرفي – هو أوكد واجبات الصحافة والثقافة، لا سيما في بلادنا العربية التي أصبحت سائرة حثيثا في طريق التخلف تماما مثلما أن الهند أو البرازيل بلاد سائرة في طريق النمو والتقدم.
٭ كاتب من تونس