ثقافة «الحزب الديمقراطي»: لماذا كل هذا الولاء لنيويورك وسان فرانسيسكو؟

تزايد، منذ منتصف العقد الماضي، تأثير الموجات الثقافية والسياسية المقبلة من الولايات المتحدة الأمريكية، لتصبح أساساً مهماً لصياغة وعي فئات متعددة حول العالم، وتوجيه جدالاتها. وعلى الرغم من أن هذه الموجات مرتبطة بالسياسة الأمريكية الداخلية، بما في ذلك الصراع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والانقسام الاجتماعي والطبقي الأمريكي متزايد الحدة، إلا أنها سرعان ما تصبح محلية للغاية في أي مكان تصل إليه، دون أن تفقد نبرتها الأمريكية.
هكذا تُنصب منصة عالمية لعرض مشاكل ممثلات هوليوود مع التحرّش، ومعاناة السود من عنصرية الشرطة الأمريكية، والطريقة الشعبوية التي تدار بها السياسة والإعلام الأمريكي، التي سخر منها فيلم Don’t Look Up مؤخراً، وغيرها من القضايا التي يثيرها عادةً الحزب الديمقراطي الأمريكي بأجنحته المتعددة، وتعبّر عن أيديولوجيته، ونمط الائتلافات السياسية التي يسعى لبنائها. وعلى الرغم من أن كل هذا يتعلّق بقضايا شديدة الأهمية، وعالمية حقاً، مثل حقوق النساء والعنصرية وصعود الشعبوية والأزمة البيئية، إلا أن المستغرب نوعاً ما النفوذ شبه الأحادي، الذي بات يملكه الأسلوب الأمريكي في معالجة هذه القضايا والتفكير بها، في ما يمكن اعتباره انتشاراً عالمياً غير مسبوق لأيديولوجيا الحزب الديمقراطي بالتحديد.
التأثير الثقافي الأمريكي ليس جديداً بالتأكيد، فمنذ استقلال الولايات المتحدة، لعبت الأفكار المقبلة مما وراء المحيط الأطلسي دوراً أساسياً في صياغة المنظورات الثقافية والسياسية للحداثة. ابتداءً من الثورة الفرنسية نفسها، المتأثرة بالدستور والثورة الأمريكية، وصولاً للحرب الباردة، والدور الأمريكي في صياغة أيديولوجيا «العالم الحر». إلا أن العالم لطالما شهد وجود مراكز تأثير ثقافي شديدة القوة، وربما أكثر قدرة على جذب النخب، مثل الأهمية التي اكتسبتها الثقافة الفرنسية طيلة القرنين الماضيين، بل حتى قدرة الصين على تصدير ثورتها الثقافية في الستينيات، التي ساهمت بنشوء كثير من الحركات الطلابية والشبابية حول العالم، بما فيه فرنسا وأمريكا. اليوم انطفأت معظم مراكز التأثير هذه. وبعد انتهاء الموجة الاحتجاجية العالمية، التي انطلقت من العالم العربي وجنوب أوروبا عام 2011، أصبحت «التقدمية» اتباعاً، غير واعٍ بذاته غالباً، لما تنشره أجهزة أيديولوجية، غالباً ما تكون مراكزها الأساسية في نيويورك وسان فرانسيسكو.
قد يذكّر هذا بتهمة «الولاء لموسكو» التي طالما ألصقت بالشيوعيين في القرن الماضي، واعتبرت دليلاً على انقياد فكري وسياسي غير مبرر لتعليمات حزب شمولي أجنبي، يوجّه مجموعة من الأحزاب المحلية معدومة الإرادة. إلا أن الولاء للحزب الشيوعي السوفييتي يختلف بنيوياً بالتأكيد عن التأثير الذي تنشره أجهزة الحزب الديمقراطي الأمريكي الأيديولوجية عالمياً. فما هي إذن أسباب الانقياد الكبير لأيديولوجيا ذلك الحزب؟ وبماذا تختلف عن أيديولوجيات أحزاب شمولية، نجحت في ما مضى بتحقيق نوع من الهيمنة العالمية؟

بيض يكرهون «البيض»

قد يمكن تقديم إجابة سهلة، مفادها أن الانتصار الباهر للولايات المتحدة في الحرب الباردة، وإنجازاتها الاقتصادية والتقنية، يفسران ببساطة كل هذه الهيمنة الثقافية لحزبها الحاكم حالياً، الأكثر تنوّراً وتقدمية، إلا أن تزايد النفوذ الثقافي للحزب الديمقراطي يأتي في زمن ينشغل فيه العالم بـ»الانسحاب الأمريكي» من مناطق نفوذ الولايات المتحدة التقليدية، سواء الشرق الأوسط، أو حتى أوروبا، لدرجة يتحدث فيها مسؤولون فرنسيون وألمان بجدية عن ضرورة تأسيس جيش أوروبي، لتعويض الفراغ الذي أدى إليه تراجع الدور الأمريكي. من جهة أخرى لا يبدو الاقتصاد الأمريكي في أفضل أحواله بعدما أرهقته الأزمات، فيما بات بإمكان دول مثل الصين منافسة أمريكا حتى في مجالاتها التقنية الأكثر قدرة على جذب البشر ولفت انتباههم. والانتشار الكبير لتطبيق «تيك توك» الصيني مثال جيد عن هذا.
يصحّ أيضاً البحث في ما يمكن تسميته «البنية التحتية» لأيديولوجيا الحزب الديمقراطي الأمريكي. فعبر الانتشار الهائل للمنظمات غير الحكومية الممولة أمريكياً، سواء من الدولة مباشرةً، أو من مؤسسات وشركات مقرّبة من الديمقراطيين، مثل مؤسسة «المجتمع المفتوح» لجورج سوروس. ومن خلال استغلال حيثية الأكاديميات، وقوة صناعة الترفيه الأمريكية، يتمكّن الديمقراطيون من جعل أفكارهم «حساً سليماً» لدى نخب متوزّعة حول العالم. مع ذلك تبدو الإجابة قاصرة إلى حد ما، فحتى المنظمات غير الحكومية الممولة من الاتحاد الأوروبي مثلاً، والجامعات والفنون والسينما الأوروبية الغربية، التي كانت ذات يوم شديد التأثير، باتت تقدّم قيماً لا تختلف كثيراً عن قيم الديمقراطيين الأمريكيين.

لاتعتمد أيديولوجيا الديمقراطيين إذن على مؤسسات صلبة كلاسيكية معلنة الولاء، مثل الأحزاب والنقابات، بل على أجهزة أكثر سيولة، متناسبة مع الطبيعة السائلة للعمل غير المادي لنخبة عالمية، تبيع قواها العاطفية والفكرية، وتريد تحصين ذاتياتها من «عدوان» الجاهليين والعنصريين، الذين يحيطون بها في كل مكان، ورغم العوامل الموضوعية لنجاح أيديولوجيا الديمقراطيين إلا أنها لا تلغي واقعاً ملموساً، وهو أننا لسنا أمريكيين.

ربما كان الأجدى الحديث عن الخصائص الداخلية لأيديولوجيا الديمقراطيين، التي تمكّنها من تفعيل واستثمار تلك السلسلة المتماسكة من الأجهزة والمؤسسات. نتحدث هنا عن أيديولوجيا سائلة بشكل غير مسبوق، لا تعلن ولاءها لحزب أو جهة أو بلد معين، والأهم أنها لا تعترف بكونها أيديولوجيا أصلاً، بل تدّعي أنها مجموعة من الحقائق والحقوق والأخلاقيات، التي أثبتها العلم والقيم الكونية لحقوق الإنسان، ولذلك من السهل مثلاً أن ينتشر عداء ما يسمى «الرجل الأبيض» من أمريكا عالمياً، دون أن ينتبه كثيرون أن ذلك العداء مقبل من أحد أهم مراكز «الرجل الأبيض» وعنصريته في العالم. وأن عداء «البيض من أصحاب الامتياز» موضة بيضاء، يدعمها البيض أصحاب الامتياز أنفسهم، عبر نظامهم السياسي وشركاتهم ومنظماتهم «غير الحكومية».
ومع تقدّم العولمة طيلة العقود الماضية، ونشأة فئات وسطى وعليا متعلّمة حول العالم، تجيد اللغة الإنكليزية إلى حد كبير، تأسّس ما يمكن تسميته بـ»نخبة عالمية» تبحث عن أيديولوجيا تعكس وضعها الاجتماعي. فهي متنوّعة ثقافياً ظاهرياً، وفي الوقت نفسه متشابهة لدرجة التطابق، ومستعلية على محيطها، نظراً لنمط عملها واستهلاكها وارتباطها بمؤسسات اقتصادية وثقافية عابرة للقوميات. وقد وجدت تلك النخبة ضالتها في أيديولوجيا، لا تقول إنها أمريكية، أو إنها أيديولوجيا أصلاً، لكنها تلبي شعورها بالتفوّق: نحن لسنا أيديولوجيين أو حتى مسيسين، لكننا فقط نعبّر عن تطوّر الحق والحقيقة، وبالتالي فمن يختلف معنا جاهل أو لا أخلاقي بكل بساطة.

تنوّع الولاء لموسكو

بهذا المعنى تبدو أيديولوجيا الديمقراطيين شبيهة بالتحديد الماركسي الكلاسيكي للأيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً، أي طريقة للنظر للكون، تنكر قيامها على السياسة والمصالح المادية للذات المتكلمة. وتجعل منظور الذاتية، وهي ملعب الأيديولوجيا الأساسي، حقائق متعالية كامنة وراء ركام الوقائع العينية. ولهذا فمن الظلم للغاية تشبيه الولاء لنيويورك وسان فرانسيسكو بولاء الشيوعيين القدماء لموسكو. فالأخيرون، رغم كل حديثهم عن «الاشتراكية العلمية» كانوا يعون أنهم يتبعون أيديولوجية واضحة، والأهم أن هذا كان يمنحهم القدرة على الجدل والمحاججة والاختلاف، فمفهوم الحقيقة بالنسبة لهم لم يكن ببساطة ووضوح «فحص الوقائع» Fact-checking، وكشف «الأخبار الزائفة» الذي تقدمه وسائل الإعلام الليبرالية المعولمة اليوم، وليس معطىً جاهزاً ومباشراً، بل تركيباً معقداً. ولهذا كان الولاء لموسكو وحزبها الشمولي، في مفارقة طريفة، أكثر تنوعاً بكثير من الولاء غير الواعي للحزب الديمقراطي الأمريكي اليوم. عشرات الأحزاب الشيوعية انشقت تدريجياً عن موسكو. ورفضت مقرراتها السياسية، وتنوّعت الأيديولوجيات الشيوعية وتناسلت بشكل كبير جداً، لدرجة أن بلداً اشتراكياً هامشياً مثل ألبانيا، استطاع تشكيل ما يشبه أممية من الجماعات المتأثرة بفكر زعيمه أنور خوجا، والمتمرّدة على موسكو وبكين. من يجرؤ اليوم من النخب المكرّسة على التمرّد على المنظمات غير الحكومية المتأثرة بفكر «الديمقراطيين»؟

لسنا أمريكيين!

لا تعتمد أيديولوجيا الديمقراطيين إذن على مؤسسات صلبة كلاسيكية معلنة الولاء، مثل الأحزاب والنقابات، بل على أجهزة أكثر سيولة، متناسبة مع الطبيعة السائلة للعمل غير المادي لنخبة عالمية، تبيع قواها العاطفية والفكرية، وتريد تحصين ذاتياتها من «عدوان» الجاهليين والعنصريين، الذين يحيطون بها في كل مكان، ورغم العوامل الموضوعية لنجاح أيديولوجيا الديمقراطيين إلا أنها لا تلغي واقعاً ملموساً، وهو أننا لسنا أمريكيين. وأن قضايا الصراع الاجتماعي الحالية، بما فيها حقوق النساء والمثليين وحرية التعبير والبيئة، يجب أن لا تحدد بالضرورة بأطر أمريكية، أو بمصالح الفئات الأمريكية «المهمشة» لو افترضنا جدلاً أن أيديولوجيا الديمقراطيين تعبّر عنها فعلاً.
تدعونا الأيديولوجيا الأمريكية الحالية لنوع من الائتلاف، بين أصحاب قوة مالية وسياسية هائلة، يشكّلون النظام العالمي فعلياً، مثل المضاربين الماليين، ومديري شركات التكنولوجيا الفائقة و»النظيفة» وأباطرة الإعلام والترفيه، و»الفئات المٌستبعدة» ضد يمين شعبوي، هامشي للغاية، إذا قسنا حيازته للمؤسسات الاقتصادية والثقافية والسياسية الأكثر تأثيراً عالمياً، وبذلك تصبح «التقدمية» تحالفاً مع المنظومة المسؤولة عن كل الأزمات الحالية، في وجه عدد ممن يعكّرون صفوها، دون أن يشكلوا خطراً يمكن مقارنته بحركات مثل الفاشية أو النازية. وربما كان الرد الأمثل على هذا التحالف، بين فئات غير متساوية القوة، التأكيد على أن المشكلة مع المنظومة نفسها، وأننا لسنا مجرد أنصار للحزب الديمقراطي الأمريكي.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية