عادة ما تنجم ثقافة الخوف من سياسات التخويف التي تتبعها السلطة في إسكات الرأي الآخر تلك الثقافة المرعبة التي تحد من إبداع الكتّاب وإنتاجهم وتجعلهم مرتبكين يرتعد القلم معه عندما يخط علي الورق خوفا من المجهول القادم او الهاتف الداعي او قارع الباب الذي يطلبهم او ربما من بعضهم البعض، عندما يدعي احدهم الحرص علي أشياء كثيرة ويطالب بتفعيل بعض مواد القانون لمحاسبة هذا الكاتب او ذاك علي فكرة طرحها او رأي اقتنع به خالف رأي ذاك الكاتب الذي يحمل سيفا داخله قلمه يرهب به رفقاء مجلسه وزملاء مهنته تحريضا وسلاطة وقدرة كتابية يستخدمها في بناء قناعات خاصة به يفرضها حقيقة مسلمة لإخلاف عليها تهفو نفسه ان يجعل الآخرين كل الآخرين يصفقون لها… ما أقوله في ثقافة الخوف ينسحب علي الكاتب والفنان والصحيفة ومنابر الأعلام كلها والثقافة بأنواعها وهو نسبي بين كاتب وآخر، ومحرر وآخر، وصحيفة وأخري، ومجال ثقافي وأخر… ولكنه موجود بإحجام مختلفة وأوزان متنوعة في مجتمع المثقفين قد يكون ظاهرا او باطنا او مركونا في ثنايا القلب وبعض حجراته، وفي أحسن الاحوال يدخل ويخرج تبعا لسواد الليل ومؤسساته وطول النهار وحقائقه، فما الخوف في هذه الحالة الفضلي سوي الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ولكنه خوف مهما قل او كثر، وللحقيقة فان بعض هذا الخوف الذي يسكن في نفوس المثقفين واصحاب الثقافة وبعض المنابر الإعلامية والقائمين عليها رغم نسبته بين هذا وذاك قد لا يكون حقيقيا كله وبالضرورة، فقد يكون جزءا منه وهم بُني علي حقيقة ضئيلة من الخوف ولكنه في المحصلة موجود ولا دخان بدون نار وهو حديث المثقفين ومعاناتهم بان الخوف عندما يسود يغلب علي النفس ويعطي كلمة مقطوشة، وجملة منقوصة وفكرة مبتورة والمحصلة فكر غير منتج… وقد يصبح غير بناء إذا تراكم عليه صدأ الخوف الذي يخلق فكرا مرتجعا الي داخل النفس تمتلئ به كبتا ومواقف غير محمودة… وهنا تجدر الإشارة الي ان التحرر من ثقافة الخوف لا يعني بأي حال من الاحوال الخروج علي ثوابت الأمة والوطن بل يجب ان تكون هذه الثوابت هي المعيار والميزان ويجب ان تكون مدركة من قبل كل المثقفين لأنها صمام أمان للمجتمع كله، وما الخوف إلا من التهويش والإجراءات الإدارية والتحقيقية والمواد المُفعّلة التي تخرج بالمناسبات ترعب وتخلق ثقافة الخوف وليس لها علاقة بالثوابت الوطنية والقومية بل مرتبطة بمفهوم التخويف والتحجيم والعنجهية والاجتهادات الخاطئة والسياسات المتخبطة وتصفية الحسابات التي من شأنها ان تعزز ثقافة الخوف التي تفرز نواتج وعواقب غير خافية علي احد.. ان ثقافة الخوف يكتب عنها بأساليب كثيرة مباشرة ومبطنة ويقال عنها اكثر ولن استرسل فليس هناك من لا يعرفها او يدركها او يحس بها حاكما او محكوما صغيرا او كبيرا.. وان الأمل يحدونا في تشريع قوانين ومبادرات عملية ومؤسسية تزيل حاجز الخوف من النفوس وتجلي أثره من العقول لتجعل المثقفين قادرين علي الإبداع بكل أنواعه ومعانيه.. الدكتور محمد احمد جميعان[email protected] 6