ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي في الأردن!
جواد البشيتي ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي في الأردن! يريد الأردنيون حياة حزبية، بكل ما لـ “الحياة” و”الحزبية” من معانٍ، ولكنهم لم يحقِّقوا بعد هذا الذي يريدون، فلماذا؟ رئيس الوزراء الأردني الدكتور معروف البخيت أجاب، جزئيا علي الأرجح، عن هذا السؤال، الذي، علي ما نعتقد، لا يستبد بتفكير غالبية المواطنين، الذين لم يعرفوا بعد من “التنمية الاقتصادية” ما يمكِّنهم من تلبية حاجاتهم الأولية والأساسية، التي بعد، وبفضل، تلبيتها يصبح في مقدورهم الانصراف عن “الأمر الاقتصادي ـ المعيشي” إلي “الأمر السياسي”، الذي، في أهميته النسبية، لا يعدل الآن سوي قطرة في بحر الأمر الأول، فالبشر، والأردنيون منهم، ينبغي لهم أن يلبوا حاجاتهم المادية الأساسية قبل، ومن أجل، أن يذهبوا، بعقولهم وقلوبهم، إلي عوالم الفن والأدب والفلسفة.. والسياسة. وغني عن البيان أن “التنمية الاقتصادية” المستوفية لشرطها الاجتماعي ـ الشعبي، أي التي تلمس غالبية المواطنين، لمس اليد، منافعها وفوائدها هي التي تؤسس لـ “حياة سياسية ـ حزبية” تشتد فيها حاجة المجتمع إلي نبذ الغلو والتطرف والتعصب والأساليب المنافية للديمقراطية في العمل السياسي.في إجابته قال الدكتور البخيت إنَّ انتشار وترسُّخ “ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي” هو الذي يحول بين المجتمع الأردني وبين قيام وتطور حياة حزبية حقيقية، والتوسع في “التنمية السياسية والديمقراطية”، فالمواطن يريد، ويرغب في، الانتماء الحزبي، ولكنه يخاف ويخشي “العواقب الأمنية” أو “الشبيهة بها”. وأحسب أن الإجابة تلك صحيحة إذا ما فُهِِمت علي أنها إجابة جزئية وغير مكتملة، فالمواطن الأردني ليس لديه ما يكفي من الميل إلي الانتماء الحزبي لأسباب بعضها، وليس كلها، يكمن في “ثقافة الخوف” تلك؛ كما أنَّ التوسع في التعليل والتفسير يملي علينا معاملة “السبب”، الذي أتي علي ذكره رئيس الوزراء وهو “ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي”، علي أنه “نتيجة”، فإجابته إنما تدعونا إلي السؤال الأهم وهو السؤال عن سبب انتشار وترسُّخ تلك الثقافة المنافية تماما لـ “الثقافة الديمقراطية”، بكل أوجهها وصورها.المواطن الأردني لا ينضم إلي الأحزاب؛ لأنه “يخاف”.. “يخاف مِن..” و”يخاف علي..”. الجواب، أي جواب الدكتور البخيت، كان كذلك، ولكن لِمَ يحتفظ المجتمع الأردني، علي الرغم من كل ما توصَّل إليه حتي الآن من تطور ديمقراطي، بهذا القدر من “ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي”، والذي كلما زاد قلَّت “الثقافة الديمقراطية”؟ أحسب أن هذا السؤال، الذي تلده إجابة رئيس الوزراء، هو الذي يستأهل الإجابة أكثر من سواه.إنَّ “ثقافة الخوف” لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا بصفة كونها انعكاسا لواقع موضوعي، ونتاجا لتجربة فردية وجماعية لم تصــــبح بعد جزءا من الماضي ضئيل التأثير في حاضر الأردن، فالمواطــــن نال كثيرا مما يُعدُّ حقا ديمقراطيا له، ولكــــن تجربته الشخصية، وتجارب غيره، لم تأتِ بما يكفي من النتائج التي من شأنها أن تجعله يحيا بمقدار متضائل من “ثقافة الخوف من الانتماء الحزبي”. لقد فــــعل المواطن كل ما تمليه عليه فعله “ثقافة الخوف” تلك كفعل النأي بنفسه عن “الحياة السياسية ـ الحزبية”، ولكن ما الذي فعلته (أقول “فعلته” ولا أقول “قالته”) الدولة، أو الحكومة، في سبيل القضاء علي “البنية التحتية” لـ “ثقافة الخوف”؟!وحتي لا ننسب كل هذا “الشر”، أي كل هذا الموات في الحياة الحزبية الأردنية، إلي “ثقافة الخوف” تلك، لا بد من الانتقال من “الأمني” إلي “السياسي” في التفسير والتعليل، فالمواطـــــن، وبعد تحرره من الخوف من عواقب الانتماء الحزبي، ينبغي له أن يملك من التجربة السياسية ما يشعره، ويعزز لديه الشعور، بجدوي الأحزاب والحياة الحــــــزبية، فما هي أهمية حياة حزبية تنجح في تلبية حاجته إلي “التفسير” إذا ما نجحت، ولكنها تفشــــــل في تلبية حاجته إلي “التغيير”؟!التشجيع الحكومي علي الانتماء الحزبي لن يكون مثمرا إذا لم يقترن بتأسيس لـ “حياة دستورية ـ قانونية” تفصل السياسة عن كل “انتماء دون حزبي”، فالانتخابات البرلمانية يجب أن تكون حزبية في المقام الأول حتي تفضي إلي “برلمان حزبي” في المقام الأول. وهذا يقتضي تغييرا جذريا في خواص “الناخب” و”المرشَّح”، فكلاهما يجب أن يفقد تلك الخواص التي تمنعه من أن يكون في حجم القضايا والمصالح والحاجات العامة للشعب والمجتمع. و”البرلمان الحزبي” يجب أن يملك من “سلطة التغيير” ما يجعل مبدأ “التداول الحزبي السلمي للسلطة”، علي المستوي البرلماني ـ الحكومي، أقرب إلي اللون الأخضر منه إلي اللون الرمادي.إنَّكَ لا تستطيع أن تُصحِّر التربة، ثم تتحدي الأحزاب علي أن تنغرس وتضرب جذورها عميقا فيها، وتعطينا أشهي الثمار، فالدولة لا تُغيِّر ما في الأحزاب حتي تُغيِّر هي ما في نفسها! ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8