ثقافة القراءة… والنواتج الحضارية

تتميز المواقع والصحف – ولا سيما الغربية منها- بوضع قوائم لأكثر الكتب تأثيرا على حياة البشر، أو أهم مئة كتاب في التاريخ، أو غير ذلك. وكلما تتبعت تلك القوائم وجدت أنها تختلف باختلاف محرر المقالة، أو المعيار المتبع، وهو في معظم الأحيان مدى تأثير هذه الكتب على حياة الإنسان.
كما أننا نلاحظ السؤال الشائع الذي نواجهه حيث يسأل شخص شخصا آخر.. ما كتابك المفضل؟ وكأن هذا السؤال، أو تلك القوائم لا تبدو فعلا ناشزا أو أمرا غربيا، إنما هو مسلك ثقافي طبيعي جدا، غير أن الذي استرعى انتباهي مفردة «التأثير» القائمة على وجود القراءة أو الكتاب، ما يعني أن ثمة إيمانا بأن الكتاب يمتلك قدرا من التأثير على حيوات البشر، وبهذا تمسي القراءة نسقا ثقافيا يتخلل الفعل المعرفي الكامن في معظم الدول المتقدمة، التي تجعل من نهج القراءة سبيلا، أو أداة لتهذيب الذات، وتطويرها، بالتضافر مع الرغبة بتحقيق عائد استثماري من المعرفة، وبهذا فقد أمسى الكتاب – أو بعبارة أخرى فعل القراءة – أمرا بالغ الحيوية، كونه يصوغ الوجود القيمي، كما الاستثماري، أو الريعي، وهكذا تتحول القراءة باعتبارها فعلا معرفيا إلى طاقة هائلة يمكن أن تنقل الإنسان، كما المجتمع والدولة إلى مستويات متقدمة من التفوق والتناغم والقوة، لكونها تستند إلى لغة واحدة، هي المعرفة. المتأمل في حال الواقع العربي سيلحظ أن الوعي الحضاري في أزمة، والعبارة تقودنا إلى التعميم على مختلف المستويات التي تبدأ من الهزيمة على المستوى السياسي، كما الاقتصادي والسلوكي، وربما هذا يعود إلى إشكالية تتعلق بالوعي الحضاري الناتج عن المعرفة؛ أي القراءة بوصفها سلوكا حضاريا، ينتج مستوى من الرؤية للمستقبل. ولعل هذا يعدّ سلوكا جمعيا تتشاركه الأمم أو الدول التي تنشئ وعيا قرائيا. فإذا ما نظرنا إلى هذا المسلك فسنجد أن هذه الممارسة تنعكس على البنى الحضارية للدولة، فتشهد تطورا اقتصاديا وعسكريا وإنسانيا، وهذا يعلل أن ثمة منتجا معرفيا، والأهم من ذلك وجود وعي إداري – إنساني يطال مستوى القيادات العليا، التي تمارس هذا السلوك الجمعي، وأعني «القراءة»، ما يخفف من وطأة الفجوة التي تنشأ في إدراك الأبعاد الإنسانية للسياسة والاقتصاد، كما أنظمة الإدارة، من حيث جهة تأثيرها على المواطن، علاوة على تفهم الحقوق الإنسانية، وتقدير الوجود بوصفه فعلا مقدسا يتشاركه الكل العامل، انطلاقا من السائق والبائع، والأستاذ الجامعي، انتهاء بهرم السلطة، فالكل يقرأ في كافة قطاعات المجتمع، ما يخفف من حدة التنافر المجتمعي، ويذوب الفوارق الحضارية، بل يصهرها.

نتحول بدون وعي إلى كائنات بسيطة كل همها أن تبقى بأي طريقة كانت، ومن هنا ينشأ العنف الذي بات سلوكا مجتمعيا على مستوى الدول العربية.

هذا الفعل القرائي هو نتاج ما يمكن أن ننعته بوعي الطبقة الوسطى، وهنا نستعين بمفردات فرانكفورت، وبيير بوردو، في سبيل مناقشة التعالق البنيوي بين القراءة والوعي الحضاري، ولا سيما لدى الطبقة الوسطى، التي ينبغي أن تشكل القطاع الأكبر لأي دولة طبيعية، تحرص على ألا تتلاشى هذه الطبقة، غير أن كافة الأنظمة غير الديمقراطية تسعى لمقاومة الفعل القرائي بوصفه سلوكا يخشى أن ينتشر بين أبناء الطبقة الوسطى؛ ولهذا تسعى هذه الحكومات لأن تنهي وجود وعي هذا الطبقة، خوفا من انتهاج قيم ثقافية يمكن أن يهدد وجود الطبقات المهيمنة، ومن هنا، فمن الأفضل أن تغرق في عالم يخلو من القراءة حتى تختفي وتضمحل شيئا فشيئا، ما يتيح للسلطة أن تبقى مسيطرة أكبر قدر ممكن، بالتنسيق مع النخبة الاقتصادية خشية تشكل وعي حقوقي مدني.
ولعل هذا التحليل يتضح عبر ملاحظة أن معظم المجتمعات العربية المعاصرة تتهاوى، في حين يبقى شكل الدولة قائما وبالتحديد أجهزتها الحافظة للوجود، فالمجتمع غير مثقف، وبناء عليه فلا توجد لغة حضارية مشتركة بين أفراد المجتمع، فالكل لا يمتلك قيما إنسانية يتشاركها، سوى الرغبة بالتنازع على السلطة أو المال، أو المحافظة على مكتسبات طائفية أو قبلية، علاوة على نفاد الصبر الذي يؤطر المجتمعات غير القارئة، ولهذا ينتج العنف، فضلا عن السلوكيات التي لا تعكس مجتمعا متحضرا يمتلك ثقافة الصبر والتجاوز عن الأخطاء، إننا نتحول بدون وعي إلى كائنات بسيطة كل همها أن تبقى بأي طريقة كانت، ومن هنا ينشأ العنف الذي بات سلوكا مجتمعيا على مستوى الدول العربية.
لا شك في أن هذا الوعي القرائي سينتج إدراكا للجمال، وتقدير القيمة الإنسانية للفرد، فقراءة الأعمال الأدبية، سواء أكانت شعرا أو نثرا، وغير ذلك من الكتب ما ينعكس على سلوك البشر في تعاطيهم مع بعضهم بعضا، بحيث نمسي أكثر قدرة وتفهما للآخرين، ما يقلل من النزعات العدائية. إن قراءة أي رواية كفيلة بأن تعدل سلوكا ما، في حين أن قراءة الكثير من الكتب التي تتناول قضايا عميقة، سواء أكانت اجتماعية أو تاريخية أو أدبية، أو فكرية سوف تضيف للمرء مجالا معرفيا حضاريا، وهذا يحفز بالضرورة تعديل السلوك. إنها عملية تعلم دائمة لا تحتاج إلى وصاية المؤسسة، ولهذا فإن الشعوب القارئة تبقى أشبه بمجتمعات مدرسية، حيث لا ينتهي التجدد الحضاري، فهناك دوما إضافة أو قراءة، ومن هنا يمكن تفهم دور المدرسة والجامعة في تطوير وعي الناشئة، وتربيتهم على أن يكونوا أكثر حضارية في المسلك من حيث النقاش، أو الاعتراض، عبر اتباع الأساليب المتحضرة في تفهم وجهة النظر الأخرى واحترامها، او للمطالبة بالحقوق.

تبقى مجتمعاتنا مميزة بنزعاتها العنيفة والاستقواء، وكافة أشكال الفساد، فلا شيء يبرر أفولنا الحضاري سوى عدم ممارستنا للقراءة.

ربما أشد ما تظهر سلبيات النقص القرائي على نواتج الساسة والاقتصاديين في عوالمنا العربية، فهم يقودون دولهم من فشل إلى فشل، فالتخصصية المطلقة ـ إن كانت حقيقية – لن تؤدي إلى تفهم كافة العوامل المؤثرة على المجتمع، وطرق قيادة العمليات الحيوية في أي بلد، ولا نريد أن نتطرف فنقول إن معظم القيادات طرأت على هذا المناصب نتيجة نظام محاصصة يختلف تبعا لأي بلد. فمعظم من يقود عمليات التحول والقيادة غير قارئين، ولهذا يفتقدون إلى ذاك الحس بالمعنى القيمي لمفردات الحقوق، وحرية التعبير، بل على العكس من ذلك ثمة احتقار للمحكومين، أو للشعب، بوصفهم جهلة لم يتلق معظمهم دراستهم في جامعات غربية، وبناء عليهم فإن هذه النخب هي الأحق بالقيادة، على الرغم من العوار الحضاري الذي يميزها.
لا شك في أن قراءة شكسبير، وأبي الطيب المتنبي، وبعض أعمال جبرا إبراهيم جبرا، ونجيب محفوظ، وطه حسين، والجابري، وقصائد نزار قباني، وغيرهم سوف يضيف لكل فرد من أفراد مجتمعاتنا فيضا قيميا عاليا، والقيمي هنا لا يعني في أي حال منظورا أخلاقيا، إنما منظور ينهض على احترام الآخر، والاختلاف، الإيمان بحرية الإنسان في التعبير عن رأيه، وأن يمتلك فضاء من الحرية، لا يقود إلى الاعتداء على حرية الآخرين. هكذا تتشكل أنساق الثقافة البائسة في مجتمعات عربية يتفنن فيها المسؤولون، الذين لم يتمتعوا يوما بتلمس قيم جمالية لكتاب أو قصيدة، كما في شعر عمر بني أبي ربيعة، و ت.س . إليوت، وطاغور، وناظم حكمت، وغيرهم كي يطفو قدر من الشفافية يحد من تطرف سلوكيات الإنسان الذي لا يعرف سوى نزعة الاستعلاء والتعالي، أو الرغبة بالسيطرة على الآخرين، فلا جرم إذن أن تبقى مجتمعاتنا مميزة بنزعاتها العنيفة والاستقواء، وكافة أشكال الفساد، فلا شيء يبرر أفولنا الحضاري سوى عدم ممارستنا للقراءة، على الرغم من أنها الوحيدة القادرة على أن تنتج وعيا ديمقراطيا بسيطا، والأهم من ذلك أن تنتج إنسانا سويا.

٭ كاتب فلسطيني أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية