بعيدا عن التجهم والوقار البطرياركي النمطيين في ثقافتنا العربية أو أناقة القروي المتأهب للمدينة، ناهيك عن ثقافة الردح الإلكتروني المتأصلة بفضاءاتنا، وعذرا من ضحايا بارود الكراهية، أسعى من خلال هذه السطور لممارسة ترف التأمل في ثقافة مغايرة، ثقافة الحركة المدنية في مجتمعاتنا التي يفترض أن تكون مدنية في إيقاعاتها.
إشتباكي الأول مع الفكرة المدنية كان قبل سنوات في مترو نيويورك، كتبت في جريدة البيان عن هذا الشأن وهنا أود أن اقتبس ماذا عنت لي تجربة الحركة ضمن بوتقة مدنية.
متحف بشري متنقل
الجميل في هذه القاطرات وتحديداً في مدينة ينصهر فيها هذا الخليط البشري كنيويورك هو الموزاييك الانساني الذي تحمله كل قاطرة، التنوع العرقي البادي على ملامح الوجوه قد يكون هو اللافت للوهلة الأولى، لكن سرعان ما تأسرك الهواجس البادية على وجوه واجمة وأخرى لاهثة وغيرها تشع ببريق الفراغ وسواها غارقة في متوالية فواتير الحياة المدنية ،وهناك وجوه عازمة على تحقيق غاية ما وأخرى واثقة من أن الكون لن يدور سوى في خلدها وغيرها تعي أنها لم تخلق سوى لتراكم الخسارات.
وكأن كل وجه من وجوه قاطرة المترو هو ممثل لمجموعة بشرية ما في برلمان إنساني تلقائي ينعقد ويجتمع كل يوم آلاف المرات وبالاتفاق بين ملايين الأعضاء الذين يجتمعون وينفضون في حيزهم المتحرك ناثرين وراءهم غبار الحياة المدنية المتسارعة نحو أفق ما.
كفرد عاش ونشأ على حافة الصحراء (طرابلس، عمّان، دبي) لطالما كنت تواقاً لفكرة المدينة المفقودة في داخلي. البرلمان الإنساني الصامت في نيويورك كان ملهماً لكن تقاطع فكرة القرية مع المدينة في مدن وبلدات سويسرا تستحق التأمل من دون شك.
حدثني صديقي فريد ضمرة الذي يستقر بشكل مؤقت في زيورخ منذ 14 عاماً عن مكالمة أجراها معه أحد الأصدقاء من عمق بلدان الجنوب.
الو ô اوصف لي ماذا تفعل الآن –
أنا أمسك الهاتف بيد ومقود الدراجة الهوائية باليد الأخرى –
استهجن الصديق أن شخصا بقامة صديقه يجول الشوارع بالدراجة الهوائية كالمكوجي في شوارع القاهرة واعتبرها علامة لضيق الحال.
الدراجة الهوائية في سويسرا تعني كل ما يلي: الحد من انبعاثات الغازات الضارة بالبيئة، الحد من الاختناقات المرورية، الحد من الضوضاء المترتبة عن المركبات، الحد من كلفة حوادث السير البشرية والمادية، الحد من فاتورة الصحة العامة نظراً لرشاقة قلب وروح الدراج اليومي، ناهيك عن جمالية المدينة والبلدة المزدحمة بالدراجات الهوائية وشغف الدراجين بركوب واقتناء دراجات رشيقة وخفيفة مصنعة من معادن لينة وصلبة في الوقت عينه وكذلك اقتناء الدراجات القديمة وتعديل بكراتها لتحسين أدائها. باختصار ثقافة الدراجات مقرونة بثقافة مجتمعية لا تعنى بصناعة الساعات الدقيقة والشوكولاته الفاخرة بل باحتضان وإطلاق الأفكار الجديدة التي تحرك الكون مع التحفظ على مؤتمر دافوس وودائع لصوص وديكتاتوريات العالم الثالث في الحسابات السرية التي يفضل كثير من السويسريين تسميتها خاصة.
متعة الحركة على عجلين إكتشفتها لأول مرة في جادات زيورخ، لا خوف ولا ريب، الكل يحترم مسارك والمركبات في الشوارع الفرعية تحترم حضورك وتمنحك بالقانون الأولوية، الريح المغسولة بجداول وأشجار الجبال تصفع وجنتيك برقة وعند احتدام تساقط الأمطار توجد مساحة مخصصة للدراجات الهوائية في الترام والحافلات.
خلال الأشهر الماضية تطورت ثقافة العجلين لدي واتخذت مناحي مغايرة للغاية، طاردت حلم ركوب دراجة نارية، حلم ضمن قائمة طويلة من التطلعات غير المحققة أو المبتورة مثل عزف الجيتار وصناعة الأفلام والغطس. زياراتي المتكررة لايطاليا خلال السنوات الماضية عززت لدي ضرورة تجاوز رهبة ركوب الدراجة مع انتصاف العمر وبالطبع تجاوز ثقافة راكب الدراجات الأمريكي النمطي المدجج بالإكسسوارات والمفاهيم السطحية، باختصار شخصية اليانكي ‘أبو الجماجم’.
لطالما ألهمتني كسائر مثقفي العالم المائلين إلى اليسار رحلة تشي جيفارا مع رفيقه عبر امريكا اللاتينية على دراجة من طراز نورتن من مخلفات الصناعة العسكرية البريطانية خلال الحرب العالمة الثانية. تلك التجربة التي انتجت اشتباكا مع واقع القارة المنهوبة وتبلورا لفكر جيفارا الثوري وكتابه ‘مذكرات دراجة نارية’.
بعيداً عن الفكر الثوري، تجربة الدراجة النارية هي محاولة خجولة لاستحضار فكرة المدينة والمدنية المفقودة في مجتمعاتنا، معظم مجتمعاتنا اصبحت مغمورة بثقافة استهلاكية غير مبررة، الفاعلية والعملية في الإيقاع اليومي يكاد يكون أمراً محرماً، التنقل يوميا من البيت الى العمل على دراجة كأنه فعل ينهش في كبرياء الكثيريين، ناهيك عن أولئك المبشرين بموتك المحقق والناصحين بكتابة نعيك لأنك أصبحت دراجاً.
أحد الأصدقاء الدراجين يستهجن مجتمعا يشجع التردد على مقاهي النارجيلة التي تعج بسحاب قاتل والتمسمر أمام شاشات القنوات الإخبارية التي تجلب أخبار عالمنا التي تجلب الأمراض المزمنة، فيما التنقل على دراجة نارية يعتبر وصفة طيش وغباء.
اذا ساعات استهلاك محتوى القنوات الفضائية والانترنت الاخباري والترفيهي وجلسات النارجيلة/الشيشة وسيارات الدفع الرباعي وامتهان عاملات المنازل وتناول وجبات دسمة مدعمة بالمشروبات الغازية وغيرها من السلوكيات التي تحد من اشتباكنا الإنساني التلقائي والإيجابي واستبداله بالتقوقع، كلها سلوكيات مقبولة ومحبذة.
قبل أيام وبحكم عملي كنت مدعواً لحدث اطلاق فيسبا بريمافيرا (الربيع) من قبل الصانع الإيطالي لأيقونة ثقافية عمرها 60 عاماً من الشباب والذي خصص للصحافة الاوروبية المعنية باعلام الدراجات النارية وبعض الوفود المغاربية ووفد أردني وآخر لبناني، مكان إطلاق الأيقونة الرشيقة كان في مدينة رشيقة في معمارها وروحها تدعى برشلونة.
رغم التطويرات التقنية على الدراجة الأسطورة من حيث معايير الأمان ونظام المكابح ونظم امتصاص صدمات الطريق وفاعلية المحرك من حيث استهلاك الوقود والحد من الانبعاثات، كان هناك قليل من الدسم لصحافيي الدراجات النارية الذين اعتادوا تجربة دراجات معقدة تقنيا وقادرة على انتاج قوة دفع حصان عن كل كيلوغرام من وزن الدراجة. اذا كان التجمع للاحتفاء بثقافة تمتاز بها مدن اوروبا الجنوبية والمدن الآسيوية الصاعدة، حيث العملية في التنقل وايجاد بدائل لقصور شبكات النقل العام هما المحركان للتواجد الكثيف للدراجات النارية التي تعمل بمحركات صغيرة نسبيا اعترف على تسميتها سكوتر.
لن أدخل في التفاصيل التقنية التي اصبحت شيقة بالنسبة لي واصبحت ضليعا بمفاهيم زاوية الميلان وقوة الدفع المركزي ونقطة الثقل المركزية والديناميكية الهوائية للدراجة.
على مدار ثلاثة أيام تمحورت نقاشاتنا نحن الوفد الأردني المكون من صحافي ووكيل علامة فيسبا والصانع الإيطالي مجموعة بياجو عن عوامل تخلف ثقافة الحركة والتنقل في مجتمعاتنا، فكرة المشي والرصيف، فكرة المترو والحافلات المنتظمة، تنقل الأفراد على عجلين رشيقين وجميلين واقتصاديين مقابل التنقل في قفص فاره على اربعة دواليب غالباً ما يجلس في داخله راكب واحد، لما مركبات الأجرة في برشلونة من طراز تويوتا بريوس ذات المحركات الهجينة الصديقة للبيئة.
حوار النقل تخللته جولة منظمة من قبل الجهة الداعية على متن فيسبا الربيع جابت شوارع وجادات برشلونة التي تلاحقك فيها ملامح انتوني جاودي المعمارية وأزقة الجادة القوطية التي احببت أن استحضر وانا اعبرها دراجاً أو مشاء تجربة جان جينيه البوهيمية التي دونها في مذكرات لص. النخيل الباسق يستحضر ظلال من عمق الصحراء على ساحل المتوسط. رحابة المدينة الممتدة على البحر كمغناج محظية يتراقص جسدها الذي استوطنته الشهوة على أريكة معمارية حيث تأسس بابلو بيكاسو بصريا.
كل هذه الأحاسيس وأكثر تقاطعت مع دراجة غلفها الصانع الإيطالي في أيقونة إسمها فيزبا من دونها ما كانت لتكتمل ملامح الحراك العمالي الإيطالي ومحاولات أهل اليسار الإنفتاء عن بطريركية ثلاثية الكنيسة ورأس المال وعقلية المافيا، من دونها ما اكتملت ملامح ثورة الطلاب في باريس على البطريركية الديغولية. هل أغرقت بالمبالغة، لربما لكن من دون هيكل رشيق واقتصادي لما اكتملت صعلكة الكثيرين ولما توارت الكثير من المواعيد الغرامية التي تعتريها اللذة ولما وصل كثير من طلاب العلم والعشق والثورة لمبتغاهم.
بُعيد جولة فيزبا ايطاليا في برشلونة كتالانيا كان العرض الشغوف من قبل الفريق الفني والهندسي لفيزبا، الذي شمل عرض فيديو لمراحل تصميم وتصنيع فيزبا التي تسعى هذا العام لاختراق حاجز بيع 200 ألف وحدة بعد ان سجلت 165 الف وحدة في العام الماضي. عرض الفيديو يوثق لخط الانتاج الالكتروني والاذرع الالكترونية (روبوز) التي تنتج دراجة قادرة على العمل والبقاء لعشرات السنين، استحضرتني مقولة لطالما سمعتها من اصدقاء في تعليقهم على حميمة الشعب الايطالي ‘الطليان زينا’ نعم بكل تأكيد نحن مثلهم لا بل أفضل بكثير.
بعيدا عن جلد الذات، حتى جلسات العشاء الرائقة التي توسطها النبيذ الاحمر لم تخل من أحاديث الأسى عن واقع مجتماتنا، لما القروي في صعيد مصر وأرياف دمشق، عندما كان هناك أرياف لدمشق، يمتطي الدراجة لرشاقتها وعمليتها واقتصاديتها، وابن المدينة يتمسك بقيم عنجهية وذكورية لا تنتمي إلى واقع المجتمعات المدنية المعاصرة. المشي في شوارع برشلونة الناعسة وأوراق الخريف مازالت هائمة وشذى العمارة يظلل اكتمال البدر ونفحات النبيذ تكتسح الروح قادتنا إلى استنتاجات حزينة عن واقعنا كان محورها ثقافة العجلين الغائبة.