عماد فؤاد مسعود ما زال المؤرخون ينتظرون حرباً عالمية ثالثة لتدوين أبطالها وضحاياها وإحصاء غنائمها وخسائرها على أوراق ‘مرنخة’ بالدم، ولم تدرك الذاكرة المعاصرة للآن أن الحرب الثالثة حدثت لكن بطريقة ليست كلاسيكية كما هو متعارف عليه، وعلى العالم أن يترقب حصول حرب رابعة، التي لا بد لها من الحدوث وهي الانتفاضة الثالثة. كما أنّ الحرب على العراق وأفغانستان هي حروب ليست إقليمية وخسائر الولايات المتحدة وصوت انهيار أعظم شركاتها ومصارفها طرش الدول المرتبطة بها كافة وثقب جيبها قبل غشاء طبلتها، وما قام به البريطاني سايكس والفرنسي بيكو وما فعلته بريطانيا بسلخ السودان عن مصر وتجزئة المغرب العربي لم يكن على أساس طائفي وعرقي بشكل مباشر ودقيق، بقدر ما هي محاولة لإذابة البلدان وإعادتها إلى مرحلة ما قبل المجتمع وما قبل الدولة، وذلك للهيمنة على نفطها وثرواتها، وإذا اقترن الأمر بمقاييس المجتمعات الحديثة والسلطة الخامسة بعد الصحافة فان الفيسبوكيين والتويتريين يرون في هذه الحروب، ربما، السبعين بعد الألف، لان الحبة في منبرهم تتجاوز الكبة كما تقول أمّهاتنا لتصبح فيلاً محشواً بالبرغل والصنوبر… إنّ استنساخ حركات التغيير والإصلاح للحالات السابقة من الثورات وتعميم صور نمطية للتعبير قد لا يصلح في دول تحاول إعادة إنتاج نفسها كما فعلت جاراتها، كأن تقوم بانقلاب عسكري أو قيام حزب ما بقيادة ثورة شعبية، لأن الحالة العامة وطبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والديمغرافية تختلف تماماً بين بلد وآخر، كما أنَّ بعض الشعوب تنظر اليوم بترقب وحذر إلى الضريبة المستحقة على تحقيق الديمقراطية بناءً على الحالة الليبية أو اليمنية أو السورية فإنها تفضل البقاء في ظل عتمة أنظمة فاسدة على أن تقدّم هذا الكم من الضحايا لتحقيق مصير لا يمكن أن يجزم أحد بصلاحه ونجاحه المُطلق ورؤية مستقبله الضبابي، وهذا ما تبنّاه البعض أثناء الثورة المصرية عند سرقة المتحف الوطني، واعتبروا ذلك فائض تعبير فعلياوليس تغييرا نحو الإصلاح الحقيقي.
ولو تأملنا مسلسل التصريحات للإدارة الأمريكية وتابعنا خطاباتها الملقحة لغويا ومهندسة مضموناً بواسطة اللوبي الصهيوني، لعلمنا جيدا أن سم الأفعي بجوفها لا تنتهي صلاحيته، وما حصل هو أنها بدّلت رأسها ولون جلدها من بوش الأبيض لاوباما الأسود، وذيلها من رايس السوداء إلى هيلاري البيضاء. وكل ما يحصل الآن هو حرب التضليل والمراوغة، فالغربيون سئموا الفريسة التقليدية فقرروا البحث عن كائن أكثر امتاعا في اصطياده ولم يجدوا أفضل من الكائن العربي باختلاف الوانه واشكاله وسماكة جلده… وما قاله المستشرقون حول العربي وخيانته ونكثه للعهود وسيكولوجيته الصحراوية أصبح باطلاً وغير قابل للترميز مجددا، لأننا أثبتنا للعالم أن الخلافات بيننا وهمية والعمق والترابط العربي أقوى وأكثر تلاحماً، وقمنا بتطبيق ذلك بتجاوز الجغرافيا ومقايضة البترول بالأذرع البشرية، وأصبحت دول تعيش مرحلة ما قبل الدولة بعد الحداثة التي عايشتها، وإذا بحثنا عن اركيولوجيا الثقافة والاحتلال سنجد أن الغزاة سئموا من احتلال مشاريع دول نعرفها جيدا وقرروا الرحيل والبحث عن دول لا تحتاج لقرون عدة حتى تغير وتطور قالبها الثقافي المتكلّس، ولتعزيز هذا الطرح المتشابك علينا الوقوف عند الحالة العامة لطرائق التعبير بحيث لم يشهد المواطن الصحافي على أرض الواقع، أو المحلل المتمعن خلف شاشة التلفاز، سوى رذاذ في حالة التعبير الثقافي، ولم تلحظ عدسات الإعلام شعارات ومطالب موجهة لكيان الدولة المستقلة بمعزل عن حالة الحكومة المتغيرة، وهذه موروثات اجتماعية وسياسية ودينية وإثنيه وعشائرية ولغوية وغنائية أيضاً، انبثق جزء منها عن انقلابات عسكرية ومرحلة ما قبل الاستقلالات وما بعدها وغياب المساواة في المواطنة وفوضوية العلاقة بين توازن القوى السياسية والفكرية والاجتماعية والمنظمات القومية والثقافية، وانبثق جزء آخر منها عن اتخاذ المجتمع المدني للموقف المعارض والمحتج دائما في الدول الديمقراطية بدلا من المشاركة والاقتراح في اتخاذ القرار.
إن تعامل دول مجاورة مع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بطريقة الشاهد الذي كان غائبا واقتصار العلاقة على البعد الإغاثي والإشفاقي فإنها ستحصد الشفقة والمعونات هي أيضا، لكن من طرف ثالث لم يكن حاضراً هو الآخر ومهما احتفلت دول باستقلالها الوهمي وقامت بإطلاق مليون رصاصة في الهواء، فإنها لن تجد هامشا في تاريخها يُعبّر عن موقف قومي مشرّف يتوارثه الأحفاد، لان المعاجم السياسية الحديثة أعادت الشعوب إنتاج مفاهيمها ومصطلحاتها وأصبحت السيادة والهيبة والحضور والأمن وتحقيق حد الرضى من توفير متطلبات الحياة الأساسية وبناء الحدود غير المطاطية كلها أصبحت معيارا لقياس الدولة الحقيقية، واعتقد أن منظمة التحرير اليوم بعد خطاب نتنياهو الملحن بتصفيق الكونغرس تشعر بالتقيؤ السياسي، لأنها أدركت جيدا أنها كانت تتعرض للخداع والمراوغة بعد مسلسل المفاوضات الذي لم يفرز سوى زحف استيطاني وتهجير فلسطينيين وسحب هويات واكتظاظ أسرى دخلوا الموت أحياءً في سجون الاحتلال وتوغل في بنية وركيزة الدولة اقتصاديا وجغرافيا ولوجستيا واجتماعيا وثقافيا قبل كل ذلك، والدولة الفلسطينية التي لم تولد بعد أدركت متأخرة أن الانقسام داخل الدولة استنادا إلى طرح ابن خلدون هو أكبر مراحل الدولة الهرمة.. أقول أخيرا على المنطقة أن تتخذ موقفاً أكثر جدية وصرامة مع الكيان الإسرائيلي، وعلى المنفيين أن ينتبهوا لعلاقتهم مع المنافي بحيث لا تتحول من ضيافة إلى مواطنة.. ولا أعلم حقيقة كيف للعرب أن يقتلوا موتاهم مرّة أخرى بعد أن رحلوا لتشريفهم.’ كاتب وشاعر من الأردن[email protected]