توجد وجهة نظر فلسفية، تلخيصها ببساطة: كثير من مشكلات الفلسفة هي مشكلات في اللغة، ونتيجة سوء فهم طبيعة اللغة نفسها. أي أننا قد نتكلّم عن قضايا لا يمكن تمثيلها منطقياً عبر اللغة، ونطرح أسئلة وإشكاليات لا معنى لها. أو ربما ندخل بلعبة لغوية، ضمن سياقات اجتماعية معقدة، كلٌّ منّا فيها يتحدّث عن شيء مختلف عما يشير إليه الآخر، دون أن ندرك أننا لا نتحدث عن الشيء نفسه، أو ربما ندرك ونتصّنع عدم الإدراك. هذه النظرة، التي عبّر عنها الفيلسوف النمساوي لودفينغ فتغينشتاين، قد تنفع على مستويات عالية من الجدل الفكري، أو حتى في حيز عام يتمتع بالحد الأدنى من التحرر والانفتاح، حيث يمكن، لحل كثير من الإشكالات، ضبط المصطلح والمفهوم والعبارة، وأيضاً الألعاب اللغوية، بطريقة تنتج لغة مشتركة، أو حتى تمرّداً إبداعياً على اللغة السائدة، إلا أنها قد لا تنطبق على انقسامات سياسية وفكرية شديدة الحدّية، قد تنتهي بالإلغاء المعنوي أو الجسدي، هنا ليست المشكلة أننا لا نتحدث عن الشيء نفسه، أو نسيء فهم اللغة ومنطقها، وإنما أننا لا نتكلّم اللغة نفسها، ولا توجد إمكانية حتى لترجمة ما نقوله كي يفهمنا الآخر. نحن في لغتين غير قابلتين للترجمة، وبالتالي في عالمين منفصلين، حتى لو كنّا نستخدم المفردات والقواعد نفسها.
من حيث المبدأ، لا توجد لغات غير قابلة للترجمة، إلا أن الترجمة نفسها عملية معقدة، تقوم على علاقة مركّبة بين طرفين، ولا يمكن أن تكون كاملة الشفافية، بل تحوي غالباً إعادة بناء لما نترجمه، ما يكسبه وجوداً جديداً، ليس فقط في اللغة التي يُنقل إليها، بل أيضاً في لغته الأصلية. كثيرون أعادوا اكتشاف معانٍ جديدة لنصوص معروفة، بعد قراءتها مترجمة إلى لغات أخرى، ولم يعد بإمكانهم فهمها بالانفصال عن ترجمتها؛ أو دخلوا في عمليات تأويل مركّبة، بين النص الأصلي وترجماته، فكل «عودة إلى الأصل»، تنتج قراءة جديدة. يصدق هذا على النصوص المؤسِّسة مثل الكتب الدينية، والملاحم الكبرى، وحتى أعمال أدبية حديثة، مثل أعمال كافكا، التي ساهمت ترجماتها الفرنسية في انتشارها عالمياً، وإعادة اكتشاف كاتبها بين قرّاء الألمانية.
وكل هذا يعني أن الترجمة تتطلب النية والإرادة، اللتين قد تدفعهما غايات متعددة، مثل فهم الآخر، أو تفهّمه، أو ربما السيطرة عليه، أو حتى إعادة بناء عالمه نفسه، بما يتفق مع مركزية من يقوم بالترجمة، كما يُتهم المستشرقون في ترجماتهم وتحقيقاتهم للتراث الإسلامي مثلاً. أما انعدام قابلية الترجمة فيعني عدم الرغبة في وجود الآخر، أو اليأس من كونه موجوداً، أو الدخول معه في معركة صفرية، بلا أدنى فرصة للتفاوض والمساومة. هنا يحدث انفصال العوالم، ليس فقط بالمعنى المجازي، بل بمعانٍ مادية كثيرة، فقد يسعى غير الراغبين في الترجمة إلى عيش أنماط حياتهم، وبناء مؤسساتهم، أو تعليمهم، أو حتى دولهم، بعيداً عن الآخر، غير القابل للترجمة. المسألة إذن ليست باختلاف اللغات، أو المفاهيم والأفكار والقيم، وطرق التعبير عنها، وإنما بانعدام الرغبة، أو اليأس من التفاهم، التي تدفعها صراعات اجتماعية متراكمة، تصل إلى حد القطيعة. هنا قد يكون السؤال: هل بذل مزيد من الجهد لأجل التفاهم، قيمة إيجابية دائماً؟ أم أنه قد يكون أمراً عبثياً، لا جدوى من الإصرار عليه، بل ربما يؤدي الإصرار إلى مزيدٍ من المآسي؟
هذا النوع من الأسئلة ليس جديداً، بل كان دافعاً لكثير من الحركات السياسية والثقافية عبر التاريخ. كثير من حركات الإحياء القومي واللغوي، و»الثورات الثقافية» ذات الطابع الطبقي والتحرري، بدأت من لحظة إدراك، كانت منطلقاً لتأسيس ما يمكن وصفه بـ»العالم الجديد»: لا إمكانية للاندماج، ولا جدوى من التفاهم، الترجمة تعذّرت، وآن أوان القطيعة.
يمكن طرح مثالين مهمين عن الصراع حول اللغة والعوالم: الأول تعاطي ما يسمى «الصواب السياسي» في الدول الغربية مع اللغة الدارجة؛ والثاني تعاطي الحركات الانفصالية والإحيائية مع لغة المسيطرين. في الحالة الأولى نحن أمام صراع على الهيمنة، ميدانه الأساسي المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية؛ وفي الحالة الثانية نشهد فشلاً كاملاً في الهيمنة، ليحل محلها شكل من أشكال القوة القاطعة، التي تسعى للتأسيس من الخارج. وفي كل من المثالين يؤدي الصراع إلى إعادة إنتاج ذوات المشاركين فيه، عبر تغيير أو تحوير عالمهم الرمزي والمفاهيمي، ما يبدّل دلالة الضمائر: «أنا»، «نحن»، «هم». متى يكون الصراع على الهيمنة والترجمة والدلالة مجدياً، وعند أي حد يصبح عبثياً؟ وهل الحكمة تكمن في التجنّب الدائم للقطيعة، أياً كان الثمن؟
لغة البالغين
نمساوي آخر هو روبيرت بفالر، انشغل في السنوات الماضية بنقد لغة «الصواب السياسي»، معتبراً إياها «لغة طفلنة»، أي أنها تعامل البشر البالغين في الحيز العام وكأنهم أطفال. تعيد تلك اللغة إنتاج ذوات البشر، عبر تعريفها بجراحها وصدماتها ومآسيها، وبذلك تجعلها غارقة في الحساسيات، التي يصبح التعامل معها شأناً مؤسساتياً وخطابياً وسياسياً. وعندما واجهه خصومه الفكريون بالتأكيد على أنه لا يوجد أي نص أو قانون اسمه «الصواب السياسي»، ردّ بفالر بأنه يتحدث عن «جهاز أيديولوجي»، متضمّن في قلب المؤسسات، ينتج الصوابية عبر عدد لا متناهٍ من الخطابات والأداءات، وأشكال خفيّة ومعلنة من الرقابة والتحكّم، تصوغ في النهاية نمطاً جديداً من الفردنة، يتسق مع ما سماه «الأيديولوجيا النيوليبرالية»، التي تجعل من الذات الفردية أقرب لأصل رأسمالي قابل للتداول والاستثمار، بكل ما فيها، بما في ذلك الهوية، والجرح التاريخي، والمهارات الثقافية.
تخاطب الأيديولوجيا المعاصرة الذوات بوصفها أطفالاً حساسين، ولحساسياتهم قيمة، حسب بفالر، ويجب العودة إلى «لغة البالغين»، إذا أردنا التمرّد على تلك الأيديولوجيا، واستعادة الحيز العام المفتوح، بما يتضمنه من «ثقافة النزاع». والمصطلح الأخير Streitkulturيعني القيم التواصلية التي تنظّم الخلاف، والجدل، واختلاف المواقع والمصالح الاجتماعية. نحن بالغون نتنازع ضمن قنوات، نسعى لأن تبقى سلميّة، ولسنا أطفالاً نسوّق حساسياتنا وجراحنا، تحت رعاية وعطف مؤسسات تتحكّم بنا، وتراقب لغتنا، وتتغلغل في أعماق ذواتنا.
إلا أن وجهة نظر بفالر هذه، لا تولي أهميةً كبيرة للصراع الاجتماعي، الذي أدى إلى ما يسميه «لغة الطفلنة»، فقد كان العالم قبلها أكثر قسوة بكثير على «غير النمطيين»، أي من ليسوا ذكوراً بورجوازيين من البيض؛ كما أن «ثقافة النزاع» لم تكن فعّالة دائماً، ولم تعط صوتاً لمن لم يشملهم «الحيّز العام الفيستفالي»، وهو تعبير يشير إلى الحيز العام البورجوازي الأبيض، ضمن حدود الدول الوطنية (ولذلك رُبط باتفاقية فيستفالن 1648، التي اعتُبرت منطلقاً لتأسيس تلك الدول)، فتم إقصاء النساء والمهاجرين وغير البيض والمثليين. وربما كان «الصواب السياسي» حلاًّ لتوسيع ذلك العالم البورجوازي، ليشمل فئات أكثر، بدلاً من القطيعة الكاملة معه. هكذا خيض الصراع داخل المؤسسات، للهيمنة على لغة الخطاب العام، وإعطاء فسحة لأصوات وتعبيرات مختلفة، وحمايتها من كل أشكال «التنمّر»، الذي يعبّر عن عنف وإقصاء طبقي وعرقي وجندري.
هل غيّر المهمّشون السابقون المؤسسة، وجعلوها أكثر ديمقراطية؛ أم هي من غيّرتهم، ووسّعت نفسها، لتحوّل ذواتهم إلى أصول قابلة للتداول؛ ورموزهم الثقافية إلى سلع؟ بغض النظر عن الإجابة، فالنتيجة أن العوالم قد أُدمجت، والصراع يدور داخل اللغة الواحدة. «البالغون»، من اليمين واليسار؛ و»المُطفلنون» من اليسار الناشطي، قادرون على فهم بعضهم جيداً، ويشيرون غالباً إلى الأشياء ذاتها، رغم اختلاف المواقع وتعريفات الذات.
هذه «قضايا عالم أول»، ما يزال حتى الآن قادراً على التوسّع والإدماج وإدارة الصراعات، رغم تزايد المظاهر المقلقة، وعلى رأسها الصعود الكبير للشعبوية. ولكن ماذا عن عوالم أخرى، تعطّلت فيها كثير من مؤسسات التحضّر؟
لغات الانفصاليين
كان القمع والإقصاء والاستغلال دوماً من أهم دواعي القطيعة بين العوالم واللغات، فعندما تتعرّض فئة، أو طبقة، أو شعب، إلى اضطهاد شامل، وتفقد الأمل تماماً بالتغيير أو التفاوض، تلجأ للانفصال عن عالم الهيمنة. يترافق ذلك غالباً مع نوع من النزعات الإحيائية و»الثورات الثقافية»، ومن أمثلتها قيام كثير من الحركات القومية بإعادة صياغة اللغات المحلية، وتشذيبها وتطويرها، لتصبح أساساً لأمة مستقلة جديدة. اللغة العربية المعاصرة نفسها انبنت على ما يشبه هذا، عندما قام النهضويون والقوميون الأوائل بإعادة صياغتها وتشذيبها، بالارتباط بعوامل مثل الطباعة والترجمة عن اللغات الأوروبية؛ ومواجهة سياسات التتريك، التي أفقدت كثيراً من المثقفين العرب الأمل بالبقاء داخل الإطار العثماني، فكان لا بد من أمة عربية، لها عالمها الخاص والمستقل، تقطع مع العالم القديم.
إلا أن «الأمة العربية» تعاني اليوم من عوارض غير مألوفة، قد تحفّز كثيراً من القطائع والنزعات الانفصالية، وهي أن لغتها باتت مليئة باللامعنى، إذ يصعب أن نجد في الحيز العام مفاهيم منضبطة، وعبارات منطقية، يمكن تحليلها ونقدها وتفحّص مصداقيتها. الإنشائيات والمغالطات والهراء غزت اللغة، لدرجة أنها جعلت كثيراً من مفرداتها وعباراتها أقرب للتعاويذ، ويجب على أي متحدّث جدّي أن يقوم بجهد يمكن وصفه بـ»القاموسي»، أي أن يُعرّف المفردات، ويضبط المفاهيم، أو حتى يعيد إنتاجها، ويوضح حدود العبارة، بل أحياناً أن يشرح للآخرين القواعد البسيطة للغة، وكأننا نبدأ دوماً من الصفر، أو أن العربية لغة ناشئة، تحاول قعدة ومأسسة نفسها حديثاً، وإنتاج نصوصها الأولى.
لا يمكن تفسير هذا بعطب في اللغة العربية، فكل اللغات لديها القدرة على التطوّر والتعبير، وإنما بالاضمحلال الشامل لمؤسسات التحضّر، وبطبيعة الحيز العام الذي نتداول فيه مفرداتنا وجملنا. لقد أُثقلت اللغة بعقود من القمع، والحروب الأهلية، والقضايا المقدسة، و»الثوابت» على أنواعها؛ ما أورثها عادات سيئة، ومنها التقيّة، والنفاق، والتورية غير النزيهة، والخطابية. وهكذا امتلأت بأدوات تفكير رديئة، تعجز عن بناء الروابط المنطقية، والتحليل، والنقد، والمحاججة، والبرهنة. قد تكون مشكلة اللغة هي مشكلة مشروع «الأمة» والتحديث العربي نفسه. إلا أن لـ»لغة التعاويذ» وظائفها، فهي تُستخدم غالباً للهيمنة عبر الابتزاز، إذ يزدهر فيها التظلّم، والتهديد المبطّن، والاتهام، واستثارة العواطف والانفعالات، وتحريف المعاني، واستدعاء المقدّس. هنا تبرز عدم قابلية الترجمة، إذ أن فك تلك التعاويذ، وتحويلها إلى لغة مفهومة، لن يكون سارّاً للآخر، الذي غالباً سيجد نفسه أمام تهديد وجوي، ويجعله أمام خيارين: إما الخضوع للابتزاز، أو اليأس من التواصل. والخياران سيوصلان للصمت أو القطيعة، وهما في العمق انفصاليان.
قد يمكننا الكلام بعربية أخرى، بإنشائيات وهراء وأقل، ولكنها ستكون في عالم آخر تماماً، مغاير لعالم «عربية التعاويذ»، ما يجعلنا في لحظة تأسيسية قائمة على القطيعة، تشبه لحظة تأسيس العربية المعاصرة في القرن قبل الماضي: كما واجه النهضويون العرب التتريك، وانفصلوا عن الدولة عن العثمانية، وحاولوا تحديث العربية التراثية، لكي ينتجوا نثراً وشعراً يؤسِّس لعالم جديد، فربما علينا مواجهة «عربية التعاويذ»، والانفصال عن بناها. أو ربما يكون الصمت حلّاً لمن يمتلك ترفه، وإن كان الصمت أيضاً «لغة انفصالية».
كاتب سوري