ثقبٌ في ذاكرتي

حجم الخط
0

مضى زمن طويل اعتقدت كما كثر غيري أن ذاكرتي السياسية قد ختمت بالشمع الأحمر، ومع ذلك كنتُ دائماً على يقين أنه سيأتي يوم أثقبها وأنزع هذا الختم عنها، فأجعلها تطلق العنان لسلسلة من الآلام تعلقت بها حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ منها.
ما سأقوله الآن ليس إلاّ حصاد عمرٍ من الخذلان نبت من تربة أحلام خصبة معطاءة، لكن أساليب الغش والخداع والكذب التي استعملت في ريّها جعلت الحصاد مرّاً بطعم العلقم.
مثلي مثل الملايين من أبناء هذا الوطن الكبير، كانت أولى أبجديات صباحاتي منذ المرحلة الابتدائية عندما نصطف في باحة المدرسة لينطلق عزف النشيد الوطني السوري، كانت كلماته تمتزج مع نسيم الصباح العليل لتملأ صدري أوكسجين النقاء والفخر بهذا الانتماء العظيم لبلد الوليد والرشيد، ويعظمُ هذا الشعور عندما نقول بأعلى صوتنا في نهايته (فلم لا نسود ولم لا نشيد)!
في تلك المرحلة البريئة من العمر كنتُ أظن أننا سادة العالم ومركزنا العلا والكل من حولنا يشير إلينا ويفتخر بنا.
بعد النشيد يمسك الموجه التربوي بالميكرفون وينادي بأعلى صوته:
أمة عربية واحدة، لتهتف أصوات الطلبة من بعده: ذات رسالة خالدة، ثمّ يقول: أهدافنا، وبصوت أشعر بأنه يهزّ الكون بقوته نردد: وحدة/ حرية/ اشتراكية.
في المرحلة الأولى من الابتدائية لم أكن أفهم المعنى الكامل لتلك الكلمات ولا أدرك أنها شعار البعث، وكنتُ أشعر بأنها كلمات تشبه حضن أمي وقوة أبي، عندما يعلو صداها بهتافنا.
على هذا نشأنا ويوما بعد يوم وعاما من العلم يتلوه عام بدأت ـ كما كثر غيري ـ أفهم معاني تلك الكلمات الجليلة، وأنها ليست أكثر من شعارات تشترك بمعانيها أحزاب هــدفها السلطة والحكم فقط.
كانت خارطة الوطن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج عشق خيالي المسافر عبرها، حفظت رسمها ورسم كل قطر في مساحتها الكبيرة، وكلما كتبت اسم بلد وعاصمته عليها أتخيله الجنة التي لا بدّ أن يحملني القدر إليها ذات سفر. عندما أحببت هذا الشعار وعشقت خارطة الوطن العربي، لم أكن أعرف أن هذا خيال عاشقة فقط، وأن هذه الأمة التي نهتف لأجل وحدتها، يحكمها ويفرقها ويمزقها الساسة والسياسة.
ما كنتُ أعرف بعد ما معنى أن نحمل جواز السفر عندما نريد أن نعبر الحدود إلى بلدٍ يتحدث بنفس لغتنا، وأطفاله يلعبون مثلنا وأهله يستقبلوننا بكل محبة وترحاب.
كبرت وبدأت الصورة تتضح، عرفت أنّ فلسطين العربية محتلة، الجولان محتل، لواء اسكندرون محتل، وأن هذه الأراضي وغيرها نرسمها على خارطتنا الطبيعية فقط بينما هي خارج الخارطة السياسية! وأن بلاد الشام التي تجمعها الجغرافيا ممزقة وهي ليست أكثر من كلمةٍ تعبيرية للدلالة على ماض خلا.
كانت الأسئلة كثيرة وكبيرة وكانت كتب التاريخ تجيب على بعضها صدقاً وبعضها كذباً، حتى صُفعتُ بعد مراحل من العمر بأن كل هذا الانتماء العاشق إلى الأمة العربية ما كان أكثر من كلمات عاطفية يكتبها الشعراء في نشيد وأغنية وطنية لترددها شعوبنا العربية الفقيرة في معركة شقائها اليومي عملاً لأجل تأمين رغيف خبزها وتنفيساً عن ألم الخذلان من قادةٍ وزعماء حمقى، جائعين للمجد الشخصي والانتصارات الوهمية.
وماذا بعد يا قارئي؟ وأنت العالم بحال شعوبنا خلال نصف قرن مضى، شعوبنا التي أصبح حقها في الحياة لا يتعدى تأمين الطعام والملبس.. وكل ما عدا ذلكَ حلم منتظر.
سأصمتُ هنا، فالبقية من الحديث تراها اليوم كلّ عين على شاشات الفضائيات وتقرأ تحليلاً عنها في الصحف والمجلات وتؤيدها أو ترفضها حسبما يحلو لتوجهاتها الحزبية والمذهبية والطائفية والقبلية، لا الوطنية..
فالوطن ضميرٌ نائم في أعماقنا يحتاج عقلاً واعياً كي يوقظه، وهذا العقل ما زال غائباً.

‘ محامية وكاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية