ثقوب في جدار العقوبات: واشنطن تفتح الطريق لإسقاط مقاطعة النفط الروسي

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

تحاول الولايات المتحدة هزيمة روسيا في أوكرانيا بوسيلتين في آن واحد، الأولى هي إطالة أمد الحرب بتسليح أوكرانيا وتدريب قواتها، والثانية هي استنزاف قوة روسيا المالية من خلال العقوبات، بحيث تعجز عن تمويل حربها وتسقط. الولايات المتحدة فشلت في الحالتين. فلا أسلحتها استطاعت حتى الآن أن تنزل بالقوات الروسية هزيمة استراتيجية، تجعلها تسحب قواتها وتتخلى عن حلفائها في شرق أوكرانيا، ولا هي استطاعت أن توجه ضربة للاقتصاد الروسي باستخدام سلاح العقوبات. الجديد منذ الشهر الماضي هو أن كلا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يراجعان إجراءات العقوبات، لتقليل خسائرها على الدول الصناعية. الخطوة الأولى في الشهر الماضي كانت السماح لروسيا بتصدير القمح والحبوب مع إسقاط العقوبات الثانوية، والخطوة الثانية تم إعلانها يوم الجمعة، بقرار وضع حد أقصى لأسعار النفط المستورد من روسيا، الذي وافق عليه وزراء المالية للدول السبع الصناعية، في اجتماع عبر دائرة فيديو مغلقة دعت إليه واشنطن. وبمقتضى هذا القرار تُسقِط الولايات المتحدة العقوبات الثانوية على الدول والشركات الأخرى التي تستورد النفط الروسي (الخام والمشتقات) وتلتزم بشروط السقف السعري، الذي سيتحدد فيما بعد. هذا يعني أن نقل حمولات نفطية من روسيا بواسطة شركات أجنبية، والتأمين عليها، وتمويلها لن يتعارض مع نظام العقوبات الأمريكية. كما أنه يعني أيضا أن الاتحاد الأوروبي سيضطر عمليا إلى تجميد قرار حظر استيراد النفط الخام من روسيا، الذي كان مقررا سريانه اعتبارا من 5 كانون الأول/ديسمبر المقبل، وكذلك قرار حظر استيراد الوقود والمشتقات النفطية الذي كان مقررا أن يدخل حيز التنفيذ اعتبارا من 5 شباط/فبراير من العام المقبل. وترى واشنطن أن قرار وضع حد أقصى لسعر النفط الروسي «جيد للاقتصاد العالمي» حسب تعبير جيمس أوبرايان، منسق العقوبات الاقتصادية في وزارة الخارجية الأمريكية، الذي قال إنه سيسمح للدول الأخرى بأن «تستورد النفط الروسي بأقل أسعار ممكنة». وقد رد الكرملين بالسخرية من القرار، وقال المتحدث الرسمي ديمتري بيسكوف أنه «سيؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في أسواق النفط». القرار يسري على الدول المستوردة للنفط الروسي التي تلتزم بالحدود القصوى للسعر.

كيف ردت روسيا على العقوبات

لم تقف روسيا مكتوفة اليدين أمام فرض العقوبات اقتصادية عليها، وسعت بكل الطرق إلى كسرها، وذلك بطلب تسوية مبيعاتها الخارجية من النفط والغاز وسلم أخرى بعملتها الوطنية، الروبل، وهو ما أدى إلى تعزيز قيمة العملة في السوق بعد الانهيار المفاجئ الذي تسببت فيه العقوبات. ومنعت روسيا التصدير إلى الدول التي رفضت الدفع بالروبل، مما أدى بالاتحاد الأوروبي إلى إنشاء آلية خاصة لتسوية المعاملات بين العملتين. كما عمدت روسيا إلى وقف تدفق الغاز عبر خط نورد ستريم القديم عدة مرات بحجة الصيانة، وهو ما أدى إلى إشاعة حالة اضطراب في السوق العالمية للغاز، حيث ارتفعت الأسعار بمقدار خمس مرات منذ بداية فرض العقوبات. وبلغت أسعار الغاز ذروة وصلت إلى حوالي 96 دولارا للمليون وحدة حرارية في المركز الأوروبي لتجارة الغاز في هولندا، كما قفزت أسعار النفط لما يقرب من 130 دولارا للبرميل. وكانت الرسالة التي وجهتها موسكو إلى العالم هي أن إمدادات النفط والغاز الروسي تتوقف فقط بقرار روسي، وليس بقرارات أمريكية أو أوروبية، وأن روسيا، حتى وهي تخضع للعقوبات تستطيع أن تكون أحد صناع السعر في السوق، وأن أمن الطاقة في اوروبا غير ممكن بدونها.
المحصلة النهائية للإجراءات الروسية المضادة للعقوبات، تمثلت في ارتفاع قيمة الروبل في أسواق الصرف العالمية إلى أعلى مستوى في السنوات السبع الأخيرة، وبعد أن كانت قيمة العملة الروسية قد انهارت إلى 142 روبل مقابل الدولار، فإنها تماسكت لتعود في الوقت الحاضر إلى ما يتراوح بين 60-70 روبلا. إلى جانب ذلك حققت روسيا ارتفاعا في فائض ميزان المدفوعات بسبب زيادة إيرادات الصادرات في النصف الأول من العام الحالي إلى 138.5 مليار دولار، وهو ما يقترب من 4 أمثال ما كان عليه في الفترة المقابلة من العام الماضي. كما حققت الخزانة العامة للدولة إيرادات استثنائية، من خلال زيادة أرباحها من شركات النفط، وزيادة نصيبها من الضرائب. على سبيل المثال بلغت إيرادات شركة «غاز بروم» الروسية في النصف الأول من العام الحالي 35.8 مليار دولار، وهو ما يرفع نصيب الخزانة الروسية من أرباح الشركة إلى حوالي 8.6 مليار دولار، مقابل حصتها في ملكية الشركة التي تبلغ 49.3 في المئة.
وقد أدى قرار الإتحاد الأوروبي بوقف استيراد النفط من روسيا اعتبارا من شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل، لأن تقفز صادرات الشركات الروسية من النفط والوقود إلى مستويات قياسية في الشهر الماضي، بسبب الزيادة الحادة في الإقبال على تخزينه قبل سريان الحظر. وطبقا لتقدير معهد التمويل الدولي فإن ناقلات النفط المتجهة من الموانئ الروسية إلى الأسواق الخارجية قامت بتحميل 160 مليون برميل، وهو رقم قياسي تاريخي لم يتحقق من قبل في هذا الشهر. وعلى الرغم من أن شركات دولية تعمل في تجارة النفط مثل «جلينكور» «فيتول» و«غانفور» السويسرية، وكذلك «ترافيغيورا» السنغافورية، قالت إنها ستتوقف عن شراء النفط من روسيا، التزاما بقرارات العقوبات، فإنها أكدت أيضا حريتها في شراء النفط الروسي، الخام والمشتقات، من أطراف أخرى، وهو ما يمثل ثقبا كبيرا في نظام العقوبات، خصوصا وأن الأطراف المباشرة المستوردة للنفط والغاز من روسيا مثل الصين والهند ودول شرق أوسطية، تخفي مصدر الاستيراد.

الثقب الأكبر في نظام العقوبات

هذا الثقب تمر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المسال إلى العالم، على الرغم من العقوبات. وقد أبلغت وزارة الخزانة الأمريكية الهند ضرورة فرض رقابة على شركاتها النفطية، لأنها تستورد النفط الروسي، ثم تعيد تصديره من الهند إلى السوق الأمريكية. كذلك فإنه نظرا لأن الولايات المتحدة لم تستطع تزويد أوروبا باحتياجاتها من الغاز، على أثر وقف تشغيل خط نورد ستريم-2، فإن الاتحاد الأوروبي توسع في استيراد الغاز المسال من مصادر أخرى، بما فيها الشرق الأوسط والشرق الأقصى، من بينها الصين. وقد نشرت صحيفة «ساوث تشاينا مورننغ بوست» في تموز/يوليو الماضي تقريرا قالت فيه أن نسبة كبيرة من صادرات الغاز المسال بواسطة الصين في الأشهر الأخيرة اتجهت إلى دول الاتحاد الأوروبي، وأن المصدر الأصلي للغاز الذي صدرته الصين كان روسيا. وبذلك نجحت الصين التي اشترت الغاز الروسي بأسعار منخفضة، في إعادة بيعه إلى أوروبا بأسعار مضاعفة. هذا يعني أن نجاح القرار الأخير الصادر عن مجموعة الدول السبع، يتوقف على موافقة وتعاون كل من الصين والهند ودول أخرى شرق أوسطية.

أين تضررت روسيا

وعلى الرغم من أن روسيا ردت بسلاح الطاقة على خصومها الأوروبيين؛ فسببت لهم أضرارا بالغة سواء لقطاع الاستهلاك العائلي أو الصناعي أو محطات توليد الكهرباء، إلا أنها تضررت من العقوبات في قطاعات أخرى، خصوصا القطاع الصناعي. وتقدم صناعة السيارات مثلا واضحا للخسائر التي لحقت بروسيا؛ فبعد إعلان العقوبات، توقفت الصناعة تقريبا في شهر اذار/مارس الماضي حتى منتصف العام، بعد أن أوقفت الشركات الغربية الكبرى مثل «فولكس واغن» و«رينو» وهيونداي» و«ميتسوبيشي» و «فولفو» توريد مكونات السيارات. لكن الصناعة بدأت التكيف مع ظروف الإمدادات الصعبة، وقررت تعديل بعض طرازات السيارات، خصوصا السيارة «لادا» التي تنتجها شركة أوتوفاز، وإنتاج نماذج أساسية محدودة الإمكانيات الترفيهية. وبذلك عادت للعمل مرة أخرى، ولكن بنسبة محدودة من طاقة الإنتاج. ويقدر عدد العاملين في صناعة السيارات الروسية بحوالي 42 ألف عامل، لم يتم تسريح نسبة كبيرة منهم، حيث استمرت فرص التشغيل لعدد محدود من الساعات بلغ 3 ساعات فقط في نيسان/أبريل، يرتفع الآن إلى 5 ساعات يوميا. وقد أدت العقوبات إلى انخفاض إنتاج ومبيعات سيارات الركوب في روسيا بنسبة 62 في المئة في النصف الأول من العام الحالي، وهو ما يكشف أيضا عن تدهور أوضاع الطبقة الوسطى بسبب العقوبات.

تقليل مخاطر أزمة
الطاقة في أوروبا

أقر الاتحاد الأوروبي خطة طوارئ بقيمة 280 مليار دولار، لضمان إمدادات طاقة كافية خلال فصل الشتاء، مع تقليل الاستهلاك بنسبة تصل إلى 15 في المئة. وتضمنت الخطة تقديم دعم لشركات الطاقة، وبناء محطات استقبال للغاز المسال، ورفع كفاءة منشآت التخزين وزيادة طاقتها، إضافة إلى زيادة الاستثمارات المخصصة لمشروعات الطاقة الجديدة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن الحكومة الألمانية قامت بشراء حصة من أسهم شركة «يونيبر» كبرى شركات الطاقة هناك مقابل 15.3 مليار دولار، وهو ما أسفر عن تخفيض حصة الشركة الأم «فورتام» الفنلندية إلى 56 في المئة فقط من رأس المال. وقد أسهمت الإجراءات التي تم اتخاذها في إطار هذه الخطة إلى تحقيق نتائج إيجابية مهمة لضمان إتاحة الوقود الضروري للتدفئة، والصناعة، والاستهلاك العائلي والتجاري. وأعلنت اللجنة الأوروبية أنه على الرغم من انخفاض إمدادات الغاز الروسي بنسبة 68 في المئة منذ بداية العام، فإن المخزونات التجارية بلغت في بداية الشهر الحالي حوالي 80 في المئة من قدرتها الاستيعابية. ومن المقرر أن يجتمع وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي في الأسبوع المقبل لوضع خطط مشتركة لإدارة الأزمة حتى ربيع العام المقبل، خشية ان تفرض روسيا وقفا كاملا لإمدادات الغاز.
كذلك تحاول الولايات المتحدة تأسيس إطار جديد لسلاسل الإمدادات العالمية الطاقة، سواء التقليدية أو المتجددة، في المناطق الأكثر احتياجا مثل جنوب شرق آسيا، بغرض تقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية والصينية. وتجري واشنطن حاليا لقاءات مكثفة بمشاركة كل من إستراليا واليابان وإندونيسيا والهند. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الصين تحرز تقدما سريعا جديدا في مجالات الطاقة الجديدة بما فيها الطاقة الشمسية، وتتوقع أن تستحوذ الصين وحدها على حوالي 95 في المئة من سوق الطاقة الشمسية على مستوى العالم في عام 2025. وعلى الرغم من المحاولات الأمريكية فإن اليابان قررت استمرار مشاركتها مع روسيا في تطوير مشروع الغاز «سخالين-1» و «سخالين-2» حيث تشارك في الأول بنسبة 30 في المئة عن طريق شركة «سوديكو» وتشارك في الثاني بنسبة 22.5 في المئة عن طريق شركة «ميتسوي» التي تملك 12.5 في المئة، وشركة ميتسوبيشي التي تملك 10 في المئة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية