الناصرة- “القدس العربي”: يشير ثلاثة خبراء إسرائيليون لسلسلة تحديات خطيرة تنتظر الدولة العبرية رغم تغيير حكومتها، ويقدمون بعض المقترحات لمواجهتها.
ويقول الكاتب ماتي شتاينبيرغ في مقال نشره “منتدى التفكير الإقليمي الإسرائيلي” إن نتائج معركة غزة الأخيرة، منحت حماس مزيدا من نقاط القوة في الساحة الفلسطينية، وراكمت ما حققته بعد الانسحاب أحادي الجانب من غزة عام 2005 حين تلقفت بيديها مفاتيح القطاع، وفي وقت لاحق فازت الحركة في الانتخابات التشريعية، وكان منطق ناخبيها بسيطا، أن الانسحاب الإسرائيلي أثبت أن استراتيجية حماس هي الأجدر، مقابل فشل السلطة الفلسطينية الداعية لتسوية سياسية وتنسيق أمني مع إسرائيل.
ويعتبر شتاينبيرغ أن الانسحاب من غزة هو الخطيئة الأصلية، وشكّل بداية “عقيدة التمايز” السياسية بين غزة حيث تسيطر حماس، والضفة الغربية حيث توجد السلطة الفلسطينية، ما شكّل عقبة كأداء أمام إمكانية التوصل لتسوية سياسية تشملهما ككيان سياسي واحد، ورأت فيها حماس وسيلة لتثبيت حكمها في غزة، واستخدامه رافعة لتوسيع موطئ قدمها في الضفة الغربية.
شتاينبيرغ: حماس لا تعتبر حكمها في غزة نهاية تطلعاتها، وتنوي أن تكون غزة نقطة انطلاق نحو القدس والضفة الغربية كلها، بما في ذلك عرب 1948
وأشار إلى أن حماس وضعت نصب عينيها إلغاء الانقسام بين غزة والضفة، وتوسيع سيطرتها هناك، نظرا لحقيقة أن الجمهور الفلسطيني ينظر إلى فتح والسلطة الفلسطينية على أنها فارغة، وتخدم أمن إسرائيل، وتفترض أن الجيل الأصغر من الفلسطينيين حتى سن الـ30 عاما، يشكلون 60% من السكان، عاشوا طفولتهم في الانتفاضة، وولدوا بعدها، يدركون أن هذه الانتفاضة شكلت تجربة لاذعة مع الاحتلال، وفشل التسوية معه.
وأكد أن انتقال حماس إلى المواجهة العسكرية الأخيرة دفع إلى التأكيد على النتائج العملياتية قصيرة المدى في ساحة المعركة، وبهذه الطريقة تم التعبير عن تفوقها العسكري والتكنولوجي والمادي بشكل حاد، وحاولت الحركة إقناع نفسها وخصومها، بأن النتائج التكتيكية المرئية تضاف إلى اتجاه إستراتيجي ثابت على مدار أيام المعركة لصالح حماس. وزعم أن حماس لا تعتبر حكمها في غزة نهاية تطلعاتها، وتنوي أن تكون غزة نقطة انطلاق نحو القدس والضفة الغربية كلها، بما في ذلك عرب 1948، وهذا يخدم نهج حماس، مع أنه إذا قامت إسرائيل بعزل غزة عن أي مساعدة ودعم يمكن استخدامه لأغراض عسكرية، فإن وتيرة الاشتباكات العسكرية مع حماس ستزداد، وفي هذه الحالة ستكون إسرائيل أمام خيارين متبقيين، كلاهما سيئ في الغالب.
شتاينبيرغ قال إن أحد الاحتمالات هو الإطاحة بحكم حماس من خلال احتلال قطاع غزة بالكامل، ومثل هذه الخطوة الواسعة ستكون دموية، وستشمل أيضا رهائن إسرائيليين، ولاجئين فلسطينيين يسيرون نحو بوابات إسرائيل ومصر، وستثير موجات من المقاومة الإقليمية والدولية، وتذهب بجميع اتفاقيات التطبيع إلى الهاوية، أما إذا نجحت العملية العسكرية، فإن هذه الخطوة المدمرة ستضيف مسؤولية لإسرائيل عن مليوني فلسطيني.
وأوضح أن الخيار الثاني هو مواصلة المواجهات، التي قد تشمل اجتياحا بريا حيث يتنافس الجانبان على من سيدفّع خصمه أثمانا أكبر، رغم أن استمرار هذا الواقع سيحكم على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بالانقراض الكامل، وفي الوقت نفسه يوسع سيطرة حماس السياسية والعسكرية لاحقا عليها، حيث يتم استثمار الكثير من التفكير في حماس حول كيفية نقل تركيز جهودها العسكرية من غزة إلى الضفة الغربية.
وبرأيه، أسفرت حرب غزة الأخيرة عن حقيقتين رئيسيتين حول انخفاض قيمة الردع الإسرائيلي، أولها أن قذائف حماس الصاروخية كانت كافية لفضح “خاصرة إسرائيل الناعمة” متسائلا كيف ستصمد الدولة العبرية أمام عشرات الآلاف من القذائف الأكثر دقة، ولها رؤوس حربية أكبر؟
والحقيقة الثانية برأيه، هي إحجام القيادة الإسرائيلية عن القيام بأي عمل بري. وأكد أنه في ما يتعلق بموضوع حماس والقضية الفلسطينية، فإن إسرائيل عالقة في حلقة مفرغة، وبات محكوما عليها أن تكون رهينة في خيارين سيئين تماما: بين استمرار المواجهات المتسلسلة مع حماس، أو ضرورة احتلال غزة بأكملها، والنتيجة تكون إنشاء قواعد لعبة اللانهاية هذه بأيدينا”.
أسفرت حرب غزة الأخيرة عن حقيقتين رئيسيتين حول انخفاض قيمة الردع الإسرائيلي، أولها أن قذائف حماس الصاروخية كانت كافية لفضح “خاصرة إسرائيل الناعمة”
من جهته، يرى البروفيسور الخبير بالشؤون الديموغرافية، دان شيفطان، أن المشاكل الأمنية لدى إسرائيل الموجودة في منطقة فاشلة وعنيفة هي مشاكل بنيوية. معتبرا أن التحدي في العصر ما قبل الآخرة ليس تحقيق هذيانات السلام وأخوة الشعوب لإزالة التهديد، بل ضمان مجتمع حر في إسرائيل يزدهر رغم المحيط الرافض والمهدد. وبخلاف مراقبين إسرائيليين متشائمين، يتابع شيفطان المعروف بمواقفه العنصرية القول: “في السنتين الأخيرتين، وقف المجتمع الإسرائيلي أمام جملة من الاختبارات العظمى وأثبت حصانة وصحّة. والاكتئاب الذي يتميز به المثقفون الذين يصعب عليهم أن يروا صورة شاملة ويركزون على ما يزعج ويثير الحفيظة في لحظة معينة”. ويقول إنه منذ 2019 تواجه إسرائيل خمس أزمات خطيرة: صحية، اقتصادية، أمنية، سياسية وحزبية، منوها لتضرر الكفاح ضد جائحة كورونا بسبب سلوك المواطنين اليهود المتزمتين (الحريديم) والعرب. واعتبر أن الأزمة الاقتصادية قاسية على نحو خاص في دولة تميل إلى التصدير بينما الأسواق العالمية تنكمش.
أما المواجهة مع غزة، فقد أدخلت إلى الملاجئ 70 % من الإسرائيليين، ودارت بالتوازي مع الصراع العسكري ضد التموضع الإيراني في سوريا وفي غربي العراق، وإلى جانب “الشغب والتضامن مع العدو بمشاركة عشرات الآلاف من مواطني الدولة العرب” بحسب زعمه.
كما يقول شيفطان إنه “في الساحة السياسية، اضطرت إسرائيل لأن تسلّم بتصميم إدارة بايدن على العودة إلى مخطط يعزز استراتيجية أعدائها الأخطر، والساحة السياسية الداخلية عالقة في طريق مسدود وتسوياتها تقوم على مبنى متهالك”. ويرى أنه “في مثل هذه الظروف، ليس سهلا على دولة ديمقراطية أن تجد جوابا أوليا مريحا لجملة أزمات كهذه، وتحدد، في معظمها على الأقل، ميلا إيجابيا للمستقبل”.
ويزعم أنه “من أجل النجاح في ذلك دون حكومة تؤدي مهامها جيدا، مطلوب مجتمع مبهر: التيار المركزي للمجتمع الإسرائيلي، ذاك الذي الكثير من أبنائه يحبون تأبينه، هو أساس النجاح. وقبل أن يضحك أعضاء نادي الاكتئاب، فإن النجاح هو نسبي. يوجد أيضا الكثير من التفويت للفرص والإخفاقات التي تغذي هذا الضحك: الجائحة لم تختف، الأزمة الاقتصادية لم تنته ونتائجها لا بد ستثقل علينا لسنوات؛ لغزة لا يوجد حل؛ سياسة بايدن تعزز إيران في الساحة الإقليمية وترفعها إلى مستوى دولة نووية؛ الساحة السياسية لا تؤدي مهامها جيدا حتى بعد قيام الحكومة”.
وبرأي شفيطان، فإن المشاكل الأمنية للدولة الموجودة في منطقة فاشلة وعنيفة هي مشاكل بنيوية. مدعيا أن “العنف الفلسطيني” يمكن ضبطه بفترة زمنية محدودة، وأن إيران ستكف عن تهديد إسرائيل والمنطقة فقط إذا ما أزيل “النظام البربري والراديكالي” القائم فيها. واعتبر أن إزالته هو فوق طاقة وقوة إسرائيل، ولكن يمكن تأخير تطور التهديد التقليدي والنووي وتجنيد تحالف إقليمي ضد سعي النظام الإيراني إلى الهيمنة.
شفيطان: إيران ستكف عن تهديد إسرائيل والمنطقة فقط إذا ما أزيل “النظام البربري والراديكالي” القائم فيها
ورجح ألا تخفف إدارة بايدن من حماستها للتسليم بتعاظم قوة إيران، ولكن يمكن الحديث معها لتعزيز قوة قدرة الدفاع والحفاظ على حرية العمل لإسرائيل. وخلص لمهاجمة الإسرائيليين الذين ينتقدون ويربون عن مرارتهم وقلقهم من واقع إسرائيل والذين يصفهم بـ”البكائين الدائمين” ويقول إنهم حافظوا على حقهم المقدس في تأبين الدولة.
بدوره، يرى السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن زلمان شوفال، أن حكومة بينيت ستفشل في تغيير واقع العلاقات مع الولايات المتحدة نتيجة الأسباب الداخلية في أمريكا. ويقول إن وزير الخارجية يائير لابيد أنهى حديثه مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بالقول: “في السنوات الأخيرة ارتُكبت أخطاء وتضررت مكانة إسرائيل الدبلوماسية ونحن سنصلح هذا معا”. والقصد واضح: “إذا كان شيء ما في العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية عليلا، فهذا ذنب نتنياهو، ومن اليوم فصاعدا سيكون فجر جديد في علاقاتنا”.
وبرأي شوفال، تشهد أقوال لابيد على سوء فهم أساسي للواقع السياسي في الولايات المتحدة والذي يتعين على حكومة إسرائيل الجديدة أن تتصدى له، وهي تستهدف عداء الديمقراطيين تجاه كل من كانوا يرتبطون بترامب. ويتابع: “كما أنها تتجاهل أيضا أن كل حكومة إسرائيلية تسعى لأم تلتصق بالإدارة القائمة في الولايات المتحدة. هكذا فعل نتنياهو، والنتائج الهامة، نقل السفارة إلى القدس، السلام الإسرائيلي العربي، التعاون الأمني، كلها تتحدث من تلقاء ذاتها؛ وهكذا أيضا ستتصرف الحكومة الجديدة تجاه بايدن”.
في المقابل، ينبه شوفال أن الرئيس الأمريكي يعمل في الأساس وفقا لاعتبارات واقعية، وكان هذا سيجد تعبيره أيضا لو تواصلت ولاية نتنياهو. ويضيف متسائلا: “الآن بالذات يحتمل أن تنكشف في العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية عوائق جديدة. فإذا كان ممكنا أن يقال في الماضي عندما كان ينشأ سوء فهم: هذه ليست إسرائيل، بل نتنياهو، فماذا سيقولون الآن؟”.
وعن ذلك يقول: “صحيح أن حكومة إسرائيل الجديدة لن تفوّت أي فرصة كي تقنع إدارة بايدن بانسجامها الكامل معها، ولكن في الحزب الديمقراطي تتعاظم ضغوطات اليسار المتطرف المسمى “التقدمي” على التيار المركزي، الذي هو السند الرئيس لبايدن، لتغيير الاتجاه في كل المواضيع ذات الصلة: الاقتصاد، المجتمع ولكن أيضا السياسة الخارجية والأمن، بما في ذلك الشؤون الاسرائيلية”. ويقول: “مع أنها أقلية في المجلسين وفي مؤسسات الحزب، فإن الأغلبية الطفيفة للديمقراطيين في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ تخلق وضعا بموجبه من شأن الإدارة الأمريكية بدون تأييد اليسار المتطرف أن تعلق في وضع من عدم القدرة على تحقيق سياستها”. ويقدم مثلا: “في الكونغرس تنظم الآن مبادرة لتقييد حرية عمل الإدارة ضد منظمات الإرهاب من الفروع الإيرانية في العراق وسوريا. ومن يعطي النبرة في المعسكر التقدمي هو مجموعة عضوات الكونغرس المتطرفات بعضهن مسلمات، كلهن مناهضات لإسرائيل ومع مساعدة خارجية من جانب شيوخ يساريين مثل بيرني ساندرز، إليزابيث وارن، إد ماركي وآخرين”.
شوفال: بعض أعضاء الحزب الديمقراطي الشباب في الكونغرس وخارجه، يطالبون بأن تركز سياسة أمريكا تجاه إسرائيل بقدر أكبر على احتياجات الفلسطينيين
يعتبر شوفال أن التغيير في موقف الحزب الديموقراطي من إسرائيل لا يرتبط بالذات بحدث معين، كالحرب في غزة. ويشير لدور شباب الحزب في الكونغرس وخارجه ممن يطالبون بأن تركز سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل بقدر أكبر على احتياجات الفلسطينيين. ويتابع: “نجمة هذه المجموعة، هي عضوة مجلس النواب، ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، التي تقول إنها سمعت من شبان يهود بأنهم ملّوا الرواية الدارجة عن النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني”.
هذه التصريحات لا تمثل بالضرورة رأي أغلبية الديمقراطيين، ولكنها تشهد على منزلق سلس بالنسبة للموقف من إسرائيل في أوساط قسم هام من الجمهور الأمريكي.
ويخلص شوفال للتساؤل: “كيف ستواجه حكومة التغيير هذه مشكلة غير مغازلتها لإدارة بايدن وتشهيرها بحكومة نتنياهو حين تكون في انتظارها في المستقبل القريب اختبارات صعبة بما في ذلك الاتفاق النووي مع إيران؟”. وينبه أنه “في الموضوع الفلسطيني أيضا، ستكون اختبارات وإن كانت في مرحلة متأخرة فقط، ولهضبة الجولان أيضا. ولكن من الأفضل لإسرائيل أن ترى نصف الكأس المليئة، أي تصريح الإدارة الأمريكية بأن الولايات المتحدة لم تغير موقفها، وليس نصف الكأس الفارغة، أي أن إدارة بايدن لم تعلن بأنها بالفعل لم تعترف بسيادة إسرائيل في الجولان، ولكن يجدر بنا أن نواصل الانتباه. وهذه مجرد بعض الاختبارات التي على الطريق”.