ثلاثة نصوص سردية

حجم الخط
1

(1) هزيمة فوق الشراع :
غرور اللحظات بات أقرب من ظُفْر تكسر على صمت غيث اللقاء، كانت الفراغات بين أصابعها التي امتدت للمصافحة أبعد من قطرات المطر، وشرايين فؤادها تتقطع لتسجن يديها المشلولتين وتدينها باستباحة الدماء،
آه يا قلب ما أظلمك ! كلما اتسعت بنبضك لغيرنا ضقت بنا.
نفتش عن أعذار علقت على جرس الكنيسة لنسمع رنينها المتكرر، فيرهقنا صخبها ولا نتكلم، نركض بسرعة خاطفة لمئذنة المسجد فنتعثر وتتبعثر أشلاؤنا، ويُصلى علينا شهداء ونحن لم نكبر ! نموت ويحيى القلب الذي علق بهواه على حائط البراق ولم تنتزعه عبرات من اتخذوه مبكى لهم …..
بعبرة مهراقة وحق مدعى، كان العالم قد فرش سجادته الكبيرة فوق الحقائق، فضاع الوجود، وعوى ذئب أن سيروا ليالي آمنين .
فبكى طفل وقال لأمه : أخاف من الليل لا أريد استكمال المسير، فضحكت الأم وأكملت سير الطريق، فصاح الطفل وتلاشى صوته بسحابة سوداء ارتطمت بصوان قلب تركه الوجود صلدًا، فتصاعدت الشرارات، محرقة كل فراشة حاولت أن تلوذ بالفرار .
في الكون ونواميسه لا فسحة للصُدَف، مهما التقطت مِن على شاطىء وجودك الكثير من الصَدَف وخبأته، فستظل حياتك أشبه بدهان لجدار قديم، مملوء بالفراغات التي كلما حاولت سدها وتلوينها، تعود كما شاءت الأقدار لها أن تكون .
فلتبنِ ظلك بعيدًا عن عيون رقباء الشمس، ولتراه بعينك كما أحببت أن يكون… فلا شيء يبدو مستحيلا أمام إرادة تطفئ حرارة زيف الوجود لتكون.
كم دارت عقارب الساعة على ظهر عجوز أهدى عكازته لحق عودته، فوقع على الرمال وسَفَّها جوعًا وعطشًا إلى أن مات، ثم داست على جثته قوافل المسافرين كلها دون أن تراه … انحنت الإبل بحثًا عمن سرق حنينها، فلم تجده وتوقفت، فسلط عليها ركابها أسواط العذاب كلها لتكمل سيرها، فماتت دون أن تستجيب …بكى الراحلون خوفًا على حياتهم، وبحثوا عن بديل، ارتد رجع الحنين، وطواهم معًا إلى أبد الآبدين، قبل أن يعودوا إلى ديارهم آمنين.

(2)
أحلامنا أوهامنا تمشي على الأرض ولا تطالنا :
يدور الفلك وتسير العين على عربة ملونة بألوان طيف الوجود، ويلمع من بعيد نجم أفل من آلاف السنين متلحفا أشواقه بكل حنين لطير يحلق بجنون مع كل المساكين، ويتزلزل القمر زلزاله العظيم قابرًا كل متخاذل ومستكين وباعثًا حياة على سطحه بلا مستحيل، وتنبت الأزهار متطايرة في فضاء الروح وتشدها براءة الطفل اليتيم، الأم تصلي صلاة التراويح وتطيل التهجد بلا ركوع، والسلطان يلغي كل الوعود!
المدير يلصق جدول أعماله على ناطحة سحاب ويستقيل، وتستفيق الجدة على وقع خطى فلاح نسي بذوره في البيت بعد أن هيأ لها خطها المستقيم، عجلات السماء تدور وتدوس كل غيمة في الطريق، ونبض القلوب البيضاء يبحث عن حمرة توقفها، وتبعث المطر من جديد، فالعار كسا طريق المكبلين بالحديد، وآن أن تهب شعلة تذيب كل القيود.
نحلم لننام على أرض مطمئنين، لاتؤذينا شمس الشتاء ولا الربيع العربي، الصيف ضيع الكرامة، وصرنا نتوق لخريف يساقط رؤوس الشياطين!

(3)
يا ريح كوني حرًا وحربًا عليهم:
ماذا لو جفت ينابيع الإحساس، واتشحت الزهور بلون الضحايا ؟هل سنزرع حقول أفكارنا ببذرة الأمل من جديد لنقطف خيبات فارعة بامتدادها .
ماذا يضيرنا لو تربعنا على عرش أحد الرعاة، لنرقب ظل الفجر، وهو يجذب الخراف لأعشاب الحياة، تاركًا الكلاب تعوي، فحياتنا ليست مجرد سهل ترعى فيه الخراف متى يحلو لها، إنها لا تعرف التضاريس التي نعاينها على كثير من الخرائط، فيكفينا إذا فكرة نغذي بها حقلنا الصغير ليكون يومًا ما مرتعًا يلم شتاتنا ..
يقول حراس الحقيقة: نسيت يا سيدي شيئًا …
يقول السيد : ماذا نسيت؟
قالوا: نسيت أن تدير وجه كرسي العرش، فجلست على الأشواك، فدمي جسدك وأدميت!
السيد: لماذا لم تقتلعوا الأشواك.
قالوا: لأننا كنا نجر العربة التي كانت تحمل عرشك ونحن مغمضو العينين .
السيد : أنتم إذا من أدرتم وجه الكرسي.
قالوا : بل الريح .
السيد: يا ريح كوني سعيرًا وجحيمًا عليهم.
ينقطع الصوت، يحترقون، ولا يجدون من يطفئ لهيبهم، سوى روث الخراف وبقايا الأمل .

*كاتبة وأكاديمية أردنية

هدى قزع

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية