في حوار مع مخرجة سينمائية شابة حول سينما مارون بغدادي، لم أعرف إن كان كل ما أجبت به صحيحا. كانت قد مرّت سنوات كثيرة على ذلك، وأنا قلت للمخرجة أن تمهلني يوما أو يومين أنشّط فيهما ذاكرتي. لم أوفّق. كان النسيان قد فعل فعله. وكان هينا أن أجيبها بأني عجزت عن التذكّر، لكن ما كان يؤلم هو أنني لن أستطيع أن أسأل أحدا عن ذلك. فجوزيف الذي كان قد جمع بيننا، توفّي، وكذلك سمير الذي كان سيصحّح ذلك أو يؤكده، لو كان ما يزال موجودا هو أيضا. فكرة إن لم يعد هناك من أحد نسأله هي ما يؤلم، ليس بما يتعلّق بحادثة مفردة، بل بما يعنيه ذلك من التهديد بامحّاء الماضي وتآكله. لكن لنعد إلى موضوعنا.
لم أكن لأعرف مارون لولا جوزيف سماحة، كانا صديقين من أيام المدرسة وأكثر ما كانا يذكرانه من أيامهما تلك هو اشتراكهما معا بممارسة رياضة الكرة الطائرة. هذا أيضا ما ساعد على ألا نشكّل ثلاثيا كاملا، إذ لم يسبق أن كانت لي صلة بهذه الرياضة، ولا بماضي تلك المدرسة. ثم هناك أمور أخرى بينها شعوري بأننا، مارون وأنا، لن نهتدي إلى ما سيزيل تلك الاختلافات بيننا. لا أقصد السياسة هنا، ولا الأفكار عموما، بل أسلوب الحياة، تلك التي كان مارون مقبلا عليها، بل مقتحما لها ويعرف كيف يديرها. لا أتخيّله مثلا مترددا في الكلام أمام شخص يحاكيه. في ما كنت، إزاء كل ما يعترضني، أُكثر من التردّد والتساؤل بيني وبين نفسي مفكّرا ماذا عليّ أن أفعل الآن. ثم إن مارون آنذاك، أعني في منتصف السبعينيات، كان قد صار مخرجا سينمائيا، فيما أنا الذي لم أكن أرى أن الصحافة هي نهاية مطافي، كنت ما أزال أنتظر. في 1975 مثلا أخرج فيلمه الروائي «بيروت يا بيروت» الذي كان بين ممثليه عزت العلايلي. في سنة واحدة هي 1976 أخرج ثلاثة أفلام لم تسنح لي الفرصة لمشاهدتها كلها. كما كان، وهو بعد في ذاك العمر المبكّر، قد تمكّن من أن يصنع لنفسه صورة السينمائي، تلك التي نجح في إرساء تفاصيلها أيما نجاح. أقصد علاقته بمن يعرفهم ومن لا يعرفهم، أقصد بيته أيضا في منطقة الصنائع، وأيضا سيارتَه (أم جي) الحمراء التي كان تجواله بها يلفت أنظار عابري شارع الحمرا.
في وقت ما كان يشقّ على مخرجي ذاك الزمن أن يحظوا بتمويل عمل لهم، كان مارون لا ينتهي من فيلم حتى يبدأ العمل بآخر. كان في الثالثة والأربعين حين وفاته، وفي لائحة إنجازه ثمانية عشر فيلما متراوحة بين التسجيلية والروائية. كما كان قد رسم أفق هواه السينمائي. اقترح علينا أنا وجوزيف أن نختار حضور فيلم «إكزورسيست» من بين ما تعرضه سينمات بيروت. كان الفيلم مرعبا، وكان قد صُنع لإرعاب مشاهديه أصلا كما اعتقدت. لم أرَ أيّ شيء سوى ذلك في الفيلم. حين خرجنا من السينما لنلاقيه في «الهورس شو» مقهى المثقّفين آنذاك، رحنا نعاتبه عما نصحَنا به. وهو جعل يدافع عن الفيلم ذاكرا ما كنت أحسبه آنذاك عناصر تزيد من قوة الفيلم وليس الفيلمَ كلّه. قلت في نفسي آنذاك إن المحب للسينما تختلف آراؤه عن آراء محبّ الأدب. كنا، جوزيف وأنا، ومن مثلنا، متعلّقين بالسينما الإيطالية التي تغصّ مشاهدها بالأفكار الطالعة من عمق التجارب الإنسانية. بينما في السينما كانت هناك معايير أخرى لن أستطيع أن أعدّد أكثرها.
في عملنا معا بفيلم «كلنا للوطن» لم يكن ظاهرا ذاك التضارب بين الأدب والسينما إذ كانت الصور والمشاهد تتولى لوحدها حملَ ما كان يعانيه جنوبيّو لبنان آنذاك. المهم أن تعرف ماذا عليك أن تصوّر ليكون هذا هو الجنوب. اقترحت عليه، هو الذي لم يكن يعرف الجنوب كفاية، أن يصوّر الماضي مستمرا، رغم تغيّر العالم خارجه. أما من استعين بهم لنقل ذلك فرجال دين وبيوت تهدّمت أجزاء منها، وأغنية قديمة أنشدتها حسيبة قارئة العزاء صادف أن كان في جوارها راع جعل يستجيب للنغم الحزين الذي يسمعه. ومما اقترحته أيضا أن يصوّر جنازة مقاتل استُشهد، فهذا أكثر ما يعبّر عن حال الجنوب في ذلك الزمن. وقد انتظرنا هناك أياما حتى يتاح لنا، ولحسن نعماني المصوّر، أن ننقل مشاهد حية من تلك الفاجعة. لكن التحالف بين فكرتين أو نظرتين سيكون أصعب في عملنا في الفيلم الذي سيسمّى «زوايا» لو أتيح لمارون أن يظل حيا إلى حين انتهائه. كنا ما نزال في طور كتابة السيناريو حين لقي مارون حتفه المفجع. في نقاشنا معا، هو وأنا، كنا كما لو أن أحدنا يساوم الآخر، مقدمين تنازلات في ما يتعلٌّق بكل من المشاهد. ليس المشاهد المتفرّقة، بل أيضا سياق الفيلم الحدثي. كان يحبّ المشهد، أو الصورة. كنت أعرف ذلك من أفلام شاهدتها له، منها، في أحد أفلامه، تعويله الزائد على مشهد سقوط المزهرية على الأرض، وتناثر شظاياها الذي ظلّ عالقا في أذهان مشاهديه. ثم ما كنت سمعته من فريق العمل لواحد من أفلامه، كيف أن مشهد قتل الحصان حُمّل قسطا مبالغا من أهمية الفيلم.
في «زوايا» الذي لم يُستكمل كان عليّ أن أتخلّى عن طريقتي في تخيّل كيف أبدأ رواية وكيف أستمر في متابعة أدوار أبطالها، أي أن أكون كاتب سيناريو، أجيد كتابة المشاهد كما يحبها، أو يعمل عليها، من سيجعلها فيلما. «يا مارون كيف بدّك هالطبيب يقتل اللي قتلوا أبوه، هل فقط لمناسبة إنو جايي عبيروت ليشوف إمو المريضة؟» كنت أقول له، لندخل في نقاش سريع أنا وهو، وليحاول كل منا، بمفرده، أن يتوصل إلى صيغة مناسبة.
من ثلاثين سنة رحل مارون. كان في الثالثة والأربعين، وقد حقّق الكثير من صعوده على درجات الشهرة. قبل موته بأيام قال لي إنه عقد اتفاقا مع شارون ستون، وكانت قد أدهشت مشاهدي فيلمها Basic Instinct، على أن تكون بطلة في فيلم يعمل على التحضير له. كما قال أيضا إنه بدأ حوارا مع روبرت دو نيرو، سيثمر لا بدّ. أتذكر هنا كيف أن دونيرو كان يحتل مساحة واسعة من شغف مارون بالسينما.
كاتب لبناني