ثلاث مرثيات متأخرة لعلاء الحلبي وجنازة في «عرمان» بلا مطر!

إلى الكاتب علاء الحلبي
قد تكون هذه النصوص مثقلةً بالموت جداً، وقاسية كثيراً أمام الحياة؛ هجاءً لأنفسنا، نعم… هي كذلك، ما إذا قرأتموها جيداً وبوجدٍ، بلا ميكانيكية، ولا غنائية مستهلكة، ودون أن تصدروا أو تتفوّهوا بأي كلماتٍ رصينة ومنمّقة. هل نرى الحياةَ تكتسي وتتسربل بالعدالة والمنطق؟! نحن جملةٌ من البشرِ الحمقى (الآنيون) نستفزُ بعضنا، ونقتلُ آخرينَ بغيابنا، ونتهمُ بعضنا بعضاً أنَّ هناك حزناً موقّراً أو خطباً خطيراً يتدفقان في كينونةِ كلِّ منّا! لا بأس، نحن المرهفين حدَّ الموت، والغَرابة المدهشة، مثل أنصالِ السيوف الدمشقية، نُعرض للترفيه التاريخي في متاحفِ «العثمانيين»، أو، وريقاتِ زنبقةٍ وحيدة على جرفٍ استوائي يطلُ على مجازر قبائلَ بدائية. أحياناً، نلجأُ إلى الرومانسية، أو الكلاسيكيين الذين عاشوا في صخبٍ قاتل مع ذواتهم ولم يستطيعوا تجاوزه، بلا أنثى ما، أو كتابٍ مؤلفهُ محطّم، أو موسيقى قاهرة… دعوني أخبركم بأمرٍ لا مناصَ منه، إنْ تجسّدَ على هيئةِ عشر أصابع، سوف يخنقُ «الحقيقةَ – المنطقَ الغائب- والعدالة المؤقتة». إنه الموتُ، الزؤامُ الذي يركضُ ضريراً في كل مكان، ويخترقنا كالوقتِ الدقيق في ساعاتٍ سويسرية على معاصم الإمبرياليين! نعم، مرةً أخرى، هذه الحياةُ أغنيةٌ من بارود، إما أن نمارسها مع من نحبّ بعنفٍ جميل، كي نتدفّأ حين تصطكُ أرواحنا، أو نضرمها لتضيءَ، وتحرقنا جميعاً بلا هوادة؛ لا خيارات أخرى أيها السادة، إن كانت للحُلمِ والواقعِ أنيابٌ مهذبة، تفترسُ حتى ابتسامةَ طفلةٍ تضمدُ جراحَ عصفورٍ صغير وقعَ في فخِ العدالة الماكرة، ونحن.. نصفّقُ للمشهد!

٭ ٭ ٭

المرثية الأولى

علاء… استيقظ،
دع قبركَ وحيداً
بلا زائرينَ، وأغصانٍ تستشعرُ رائحةَ الغياب..
أيلولُ نامَ بين قبرينِ يتساءلان
عن الرحيل
في «السويداء»
حذوَ الجواب
تلمظتِ الشهورُ خلسةً أمام أجسادِ العائدين من الزمنْ
فاحمل قنديلَ الدهرِ، وامضِ إلى «أنتاركتيكا»
بقلبكَ، تحسّس طريقَ الأبد
«عرمانُ» الآنَ قارتكَ المفقودة
في الخارجِ هنالك من ينتظركَ
.. استيقظ
وأشعل حطبَ ذكرياتكَ في كهفِ التائهين حول النسيان
الحبُ.. الآن، يحملُ وروداً بيضاءَ، عطرُها يُطاردُ أشباحَ المدينة الخاوية
ويحصي السكاكينَ العمياءَ في خاصرةِ الوطنْ.
المقابرُ يا صديقي: هاويةُ الحياةِ والمصائر.
لا.. تترك المقبرةَ دون حرّاسٍ يا أخي
عتّق خمرةَ «عرمان» واسقِ كل قبرٍ على حِدة
وامتدحِ التينَ والكرومَ
والعنبْ
ولا تنسَ التفاحَ في دهشةِ الليلِ
أمام السهولِ حزيناً؛ ارمِ
قلبكَ نرداً خاسراً على قماشةِ التعبْ
سوف يحبلُ الدهرُ بالزيزفون
«فكنْ» مستيقظاً.. لئلا تكون
الأقدارُ حافيةً، تمشي على شوكِ المصادفةِ
فذئابُ الحزنِ تشمُّ دموعَ الأمهاتِ في الحقول
وتحلبُ ضروعَ الخديعةِ
في إناءِ السببْ
.. دع أمّي غافيةً يا أخي
لا تجفّل أسرابَ الإوزِ في بحيرةِ روحها الساكنة
سلاماً يا أخي
للأمكنة، سلاماً للدفءِ بين ضلوعكَ
سلاماً يا صديقي لخريرِ الماءِ رقراقاً في عينيكَ وحزنِ الينابيع
سلاماً للربيع، القادمِ ومنتهاه
ولثلجِ «عرمان» وقلبكَ العاشق
للدوارق
سلاماً لدوارقِ النبيذِ الخشبية بين شفاهِ الأصدقاء
سلاماً لغرقِ المياه
في قعرِ «غيابكَ»، لشاهدةِ قبركَ تشيرُ إلى نوافذِ الصباح
بلا انتهاء
سلاماً أيها المصباح
أيها الحزينُ الجميلُ القتيلُ على كتفِ القمر.

٭ ٭ ٭

*المرثية الثانية

أنا علاء..
الآن
في قبري، لا يوجد هنا وقت!
القلوبُ في الخارج
تراهنُ على الوقت
بعضهم يتذمّر من انقطاع الكهرباء
من فسادِ الأطعمةِ في الثلاجات
أو، ارتطامِ أصابع أقدامهم بالأبوابِ
ومنهم يقول: «أفضّلُ الموتَ على الحياة»
ـ مَن قال لكم إن الموتَ ليس جميلاً؟
الحياةُ مجرّدُ فريسةٍ عابرة سوف تنطفئ مثل عينيّ غزالةٍ بين فكيّ ذئب؟
ـ الموتُ ذئبٌ عادل؛ للحمقى.
في قبري
المشهدُ ليس قاسياً، أنا سعيدٌ جداً لأنني لستُ أحمقَ
أنا لم أغبْ
لم يهزمني الموتُ
أنا فقط، أدرّبُ قلبي على نسيان الحياة
لا مفرّ هنا من التهكّم
من أنْ تفركَ كفيكَ وتبتسم
للأحياء المتذمرين في الخارج.
هنا في قبري
تعرفتُ على موتى مخضرمين
منذ ألف عام، ألفي سنة، ومنهم ماتوا مصادفةً وهم أطفال..
كلهم جميلون، ليسوا جشعين كما من في الخارج.
البارحة
أحببتُ فتاةً ماتت منذ عام 1945 ولمّا تزل جميلة
وأيضاً، هي تعشقني بدورها؛ استضافتني إلى قبرها..
كنتُ خجولاً جداً؛
كانت من اليابان. بَكتْ كثيراً، وهي تروي لي كيف قُتلت
أسمعتني قصائدَ «هايكو» رائعة وحزينة
ـ منها:
«في السادس من آب، قبل موتكَ بيومين
كلُ غاباتِ البامبو صارت رماداً
وأمّي وأبي وأخي الصغير
آنذاك، كان الله يسألني: ماذا تريد أمريكا من أشجار البامبو وأخي الصغير؟»

…..
لم نتحدث كثيراً بعد ذلك،
بكيتُ كثيراً، فاحتضنتني
وأسدلتْ ضفائرها..
الآن
أنا أمشّطُ شعرها وأغنّي لها بدمعي:
«من غربي مَلَحْ شرقي عرماني.. ملقى الحبايب ساعة زماني
حـب الصبايا بدو شجعانــي .. بليـــــالي العتــــــم ما ينامونا»
ـ أيها الأحياءُ في الخارج
أنصتوا جيداً… أنا ممتلئٌ بالحبُ والغياب
فلا.. تتذمروا.

٭ ٭ ٭

*المرثية الثالثة
الحقيقة
سوف تظلُ لغزاً
ـ من يكترث لمرآةٍ ضريرة في حفلةِ عرس؟
أيها القلبُ مُت قليلاً
بلا مطرٍ ولا جنازة
ولا تترك موعداً أو فرصةً للوجيبِ
لا بدّ من غموضٍ يكتمل في أعينِ السؤال!
لا بدّ أن أكونَ واضحاً وممكناً مثل قبري
أنا.. أتداعى الآن
مثل جدارٍ يحمل سقفَ الحقيقة
لا.. لن أنهار
أنا دمعةٌ صارخة بين أهدابِ «تيسلا»
سوف تقول الحقيقة يوماً ما.
العالَمُ يخوض في الدماء
ولستُ عاجزاً أن أنتحرَ ثلاث مرات
أمام الموتى
والعاشقين الأغبياء
كي أقولَ لقلبي الشارد: «أنا لا أشبه أحدا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية