ما زالت الطائرة بلا طيار التي اسقطتها ‘اسرائيل’ قبل ايام في البحر الابيض المتوسط قبالة مدينة حيفا لغزاً محيّراً، ذلك ان ‘اسرائيل’ لم تقدّم اي معلومات بشأن هويـة الطائرة، مهمتها، او صورة للحظة اصابتها بصاروخِ طائرةٍ مقاتلةٍ إسرائيلية، كما لم تعثر حتى الآن على حطامها في قاع البحر. هل يعقل ان يكون كل ما قيل حول الطائرة مختلقاً؟
ان المحلل الموضوعي مضطر، طالما لم تتوفر معطيات وافية، الى اعتبارها طائرة افتراضية حتى إشعارٍ آخر. فمن عساه يكون مُطلقها المفترض، وما مهامها الافتراضية؟
في خطبته الاخيرة عرض السيد حسن نصرالله اربعَ فرضيات: الاولى، ان يكون الحرس الثوري الإيراني قد اطلقها من دون ان يكون لحزب الله علاقة بالعملية، بحسب ما ذكرته ‘اسرائيل’ نفسها، وهذه في رأيه ‘فرضية غير ممكنة وغير صحيحة’، الثانية، ان تكون ‘جهة صديقة’ ارسلت الطائرة الى اجواء فلسطين المحتلة، و’هذه الفرضية موجودة لكن لا مؤشرات حولها’. الثالثة، ان جهة غير صديقة قد اطلقتها بخلفية ان ‘اسرائيل’ ستتهم حزب الله وتقوم برد فعل مباشر، وان الحزب سيرد عليها في وقتٍ الوضعُ في المنطقة متوتر وحزب الله مرتبك بالمواجهة في سورية، وفي هذا التوقيت فليدخل الحزب في مواجهات، وهذه الفرضية موجودة’. الرابعة، ان تكون ‘اسرائيل’ نفسها ادخلت الطائرة الى اجواء لبنان واعادتها الى اجواء فلسطين المحتلة، ‘ولماذا تُستبعد هذه الفرضية اذ يمكن ان نتحدث طويلاً عن نتائج متوخاة منها’.
الى هذه الفرضيات الاربع، يمكن اضافة فرضية خامسة هي ان تكون جهة لبنانية، او جهة عربية صديقة، او جهة غير عربية صديقة قد اطلقت الطائرة اللغز. هذه الفرضية نادت بها مجلة ‘اسرائيل ديفنس’ العبرية بقولها إن روسيا اطلقت الطائرة رداً على اجهزة تجسس اسرائيلية عُثر عليها اخيراً قبالة ساحل مدينة طرطوس السورية، مخصصة للتنصت على القوات الروسية الموجودة هناك.
حسناً، هل يمكن استخلاص مهام افتراضية للطائرة الافتراضية من هذه الفرضيات الخمس؟
نعم، يمكن الافتراض ان للطائرة، بالاستناد الى الفرضيتين الاولى والثانية، مهمة محددة هي تصوير المنشآت التي اقامتها ‘اسرائيل’ لاستخراج الغاز من حقل ‘تمار’ في البحر قبالة مدينة حيفا، وكذلك المنشآت ذات الصلة على اليابسة. كما يمكن الافتراض، بالاستناد الى الفرضيتين الثالثة والرابعة، ان جهة غير صديقة ارادت من وراء اطلاق الطائرة تأجيج التوتر وصولاً الى اطلاق شرارة حربٍ بين ‘اسرائيل’ من جهة ولبنان (حزب الله) من جهةٍ اخرى، في وقتٍ يشي ظاهر الحال بأن الحزب مشارك بالحرب الدائرة في سورية.
الى ذلك كله، يمكن الافتراض، بالاستناد الى الفرضية الخامسة، ان جهة لبنانية، او جهة عربية صديقة، او جهة غير عربية صديقة قد اطلقت طرازاً جديداً من الطائرات بلا طيار وارادت تجريبه واختباره، او ارادت تجريب هذا الطراز تحديداً في مهمة جديدة غير عادية محورها شمال فلسطين المحتلة، بحراً وبراً.
ماذا يقولون ويفترضون في ‘اسرائيل’؟ تتمحور في كواليس الحكومة واجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام الإسرائيلية مناقشات مستفيضة حول معرفة نيات مطلقي الطائرة بلا طيار. هل كانت مهمتها الاستطلاع بصورة عامة من خلال تصوير المواقع والمنشآت الإستراتيجية، ام رصد منشآت ‘اسرائيل’ الغازية تمهيداً لقصف ما يتيسر منها في حقل ‘تمار’ الذي بدأ بالانتاج مؤخراً؟
المحلل السياسي في صحيفة ‘هآرتس’ (26/4/2013) عاموس هرئيل حاول الإجابة عن هذه الاسئلة بقوله، إن الأمر مرتبط بما سيسفر عنه فحص ركام الطائرة التي يجري البحث عنها فــــي البحــر على بعد عشرة كيلومترات غرب الساحل داخل المياه الاقليمية، فإذا جرى العثور على مواد ناسفة فإن هذا سيكون دليلاً على الأمر الثاني، اي قصف المنشآت الغازية، وفي حال لم يُعثر على أي حطام للطائرة، فيمكن حينها الاستعانة بالصور التي التقطها سلاح الجو لعملية الاعتراض، وتحليل الانفجار الذي حدث لدى إصابة الطائرة بالصاروخ الإسرائيلي.
أما القادة العسكريون الإسرائيليون فيظنون ان إطلاق طائرة بلا طيار في المرة الاولى (ايوب-1) خلال الاسبوع الاول من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي كان من عمل الحرس الثوري الإيراني في لبنان، وان الهدف كان يومها إعلامياً إذ تبيّن، بحسب دوائر الإستخبارات العسكرية، أن الكاميرات التي كانت مركّبة على الطائرة لم يكن لديها القدرة الفعلية لإرسال الصور من ذلك البعد في وقت إسقاطها. لكن، ماذا عن الصور التي امكن التقاطها عن قرب قبل ان يتمكن سلاح الجو من إسقاطها؟
المحاولة الثانية التي جرت في الأسبوع الماضي فسرتها ‘اسرائيل’ بأنها مناورة من جانب حزب الله لصرف الانتباه عن تزايد الانتقادات الموجهة إليه داخل الحياة السياسية اللبنانية بسبب مشاركة بعض مقاتليه في العمليات العسكرية الدائرة بين نظام الأسد ومعارضيه في سورية.
صحيفة ‘هآرتس’ اشارت الى انه في المرة الثانية جرى تحديد الطائرة في وقت مبكر وأمكن إسقاطها بعد أن تبيّن أنها معادية. ومع أن الجيش لم يقدّم أي معلومات، إلاّ إن عملية الاعتراض سبقها، على الأرجح، إنذار استخباراتي. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي يتوقع تكرار مثل هذه المحاولات، على الرغم من نجاحه في عمليات الاعتراض.
مع ذلك، طرح عاموس هرئيل على نفسه سؤالاً في ‘هآرتس’: في حال تبيّن وجود نيات أُخرى غير تسجيل نقاط على صعيد العلاقات العامة، فإن السؤال هو ما الهدف المقصود؟ اجاب هرئيل نفسه بقوله: ‘من المعلوم ان مدينة حيفا تضم بنية تحتية استراتيجية حساسة، وأن رئيس بلدية المدينة، يونه يهاف، نبّه إلى ضرورة رفع مستوى الدفاع عن المدينة ومنشآتها ومؤسساتها، لكن على الرغم من ذلك، فإن على ‘إسرائيل’ درس احتمالات مقلقة أكثر، إذ قد تكون هذه هي المحاولة الأولى للهجوم على حقول الغاز في البحر الأبيض المتوسط. وقد سبق أن لمّح السيد حسن نصرالله في الماضي إلى مثل هذا الهجوم، لكن ‘اسرائيل’ تعتبر ان اي محاولة للهجوم على البنية التحتية للغاز هو إعلان للحرب’.
في بيروت، اكد خبير إستراتيجي مستقل، طلب عدم ذكر اسمه، ان طائرة بلا طيار مماثلة للتي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية تكون عادة غير مسلحة، بل مجهزة بآلات للرصد والتصوير دقيقة وقادرة على اخذ اربعة الآف صورة في الدقيقة الواحدة وبثها في الحال. وقد استبعد الخبير ان يكون الهدف المقصود من وراء إرسال الطائرة مجرد تحقيق مكاسب معنوية لأن متطلبات صنعها وتكلفة إرسالها تستأهل اكثر من مجرد تحقيق نصر معنوي. أنظار الإسرائيليين ستبقى، لمدة طويلة، موجهة بفضول الى السماء!
كاتب لبناني