ثمانية أعوام من الانتظار الدموي على أبواب الحلم… أرقام مرعبة وسط انحراف البوصلة

حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: قبل ثمانية أعوام خلت، كان السوريون على دراية بالقبضة الأمنية لنظام الحكم في البلاد، لكنهم لم يتصوروا يوماً أن تصل التطورات إلى ما هي عليه الآن، من تشرد وفقدان للأحبة وضياع للحاضر والمستقبل القريب، ولكنهم رغم مرور كل تلك السنوات تراهم اليوم وكأنهم في عامهم الأول من انتفاضتهم ينشدون الحرية وينتظرون التغيير الموعود.
قد لا نجد في تطورات الثورة السورية وقمعها الحكومي والتدخلات الدولية وظهور التنظيمات المتشددة عامين متشابهين، فكل عام كان مختلفاً تماماً عن سابقه، ازدادت فيه الآلام وتوسعت الجراح، ورغم الخسائر الفادحة ترى السوريين اليوم ينتظرون ما ينشدون من تغيير نظام حكم آل الأسد للبلاد، والوصول إلى دولة المواطنة والعدالة التي خرجوا لأجلها في مثل هذا اليوم قبل ثمانية أعوام.

أرقام مرعبة

الدفاع عن حقوق المواطن السوري وفي مقدمتها حقُّه في انتخاب وتغيير من يحكمه، وفي العيش ضمنَ نظام يحترم أساسيات حقوق الإنسان ويحفظ حريته وكرامته وفق ما قاله مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، فهو واجب أخلاقي وحقوقي وعلى جميع شعوب العالم دعمُ هذا المطلب، ومساعدة السوريين في النهوض الحضاري بدولتهم، والوصول بها نحو دولة ديمقراطية تعددية عادلة، وفضحِ كلِّ مَن يدعم جانب القمع وحكمَ الفرد واستخدام الأسلحة الكيميائية.

«القدس العربي» ترصد آراء خبراء معارضين في ذكرى اشتعال الثورة السورية

هذه السنوات التي خلت بدأت بالسلمية والدعوة لعدم التمييز بين المدني والعسكري، ولعل شعار «الشعب والجيش أيد وحدة»، كانت من أبرز تلك الأمنيات، ولكن النظام السوري لجئ إلى الخيار الأمني، فضرب واعتقل وشرد ولاحق السوريين، ليدفعهم نحو التسلح، وبعد ذلك غرقت سوريا جغرافية وبشراً في مستنقع لا يدرك أحد كيف النجاة منه إلى اليوم.
الثورة التي تحولت مسلحة بسبب لجوء النظام السوري للخيار العسكري إلى حرب طاحنة، أدت حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مقتل 223161 مدنياً، بينهم28486 طفلاً، و15425 سيدة (أنثى بالغة) منذ آذار/ 2011، 92 % منهم قتلوا على يد قوات الحلف السوري – الروسي وتفوق نسبة الضحايا من الأطفال والسيدات إلى المجموع الكلي للضحايا حاجز 18 % وهي نسبة مرتفعة جداً وتُشير إلى تعمُّد قوات ذاك الحلف الثنائي استهداف المدنيين.

الأمل موجود

بالإضافة إلى إحصائية تتحدث عن 127916 شخصاً لا يزالون قيدَ الاعتقال أو الاختفاء القسري في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية التَّابعة للنظام السوري منذ آذار/ 2011 حتى آذار/ 2019. وحسب التقرير فقد مارست قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية عمليات اعتقال تعسفي والإخفاء القسري في المناطق الخاضعة لسيطرتها ولا يزال ما لا يقل عن 2705 أشخاص قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري لدى قوات سوريا الديمقراطية منذ تأسيسها حتى آذار/ 2019.
ونوَّهت الشبكة إلى أنَّ تنظيم «الدولة» اعتقل ما لا يقل عن 8143 شخصاً منذ تأسيسه حتى آذار/ 2019، فيما اعتقلت هيئة تحرير الشام ما لا يقل عن 1724 شخصاً حتى آذار/ 2019، في حين أن فصائل في المعارضة المسلحة عمدَت إلى تنفيذ عمليات اعتقال بحقِّ المدنيين بعد اقتحام مناطق تخضع لسيطرة قوات النظام السوري وحسب قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإنَّ 2688 شخصاً لا يزالون قيد الاعتقال التعسفي في سجون المعارضة المسلَّحة حتى آذار/ 2019.
الأمل في إنقاذ سوريا مما هي عليه اليوم لا زال قائماً حسب المعارض السوري أيمن عبد النور، الذي قال لـ «القدس العربي»: يجب مضاعفة الجهد أكثر، وأن المساعي لإنقاذ سوريا يجب ألا تتوقف، ولكن على السوريين التكاتف من مختلف الجهات والانتماءات والمشارب لتحقيق هذا الأمل، وليس فقط قطبية المعارضة والموالاة، وإلا فإن سوريا سوف تتجه نحو مصير أسود لجميع ابنائها. ورأى عبد النور، بوجود ضرورة إلى عودة الحراك السلمي للسوريين وهتافاتهم، وليس صوت السلاح والمقاتلين الأجانب، ورغم استحالة ذلك في الوقت الراهن، ولكنه أمر ضروري لتحديد البوصلة أمام الأجيال القادمة.
بعد أكثر من ثماني سنوات على انتفاضة الشعب السوري في وجه السلطة الحاكمة، لم يتبلور إجماع على بديل سياسي يسعى لتحقيق مطالب القوى الشبابية التي قادت الحراك السلمي، وبالتالي تصبح هي القيادة الفعلية لما خرجت له.
وأرجع السياسي السوري درويش خليفة ذلك إلى ميول المعارضة السياسية في تحقيق الكسب الذاتي في التمثيل والعلاقات الخارجية، ولعب دور وظيفي لا يراعي مصالح الطبقات المجتمعية الثائرة على النظام المحكوم بأجندة إيرانية – روسية يعرفها السوريون عامة.
وعلى صعيد مؤسسات المعارضة: لم تستطع إعطاء نموذج حضاري ديمقراطي بديل، بل اكتفت ببعض الانفراج الديمقراطي بتمثيل السيدات ومراعاة التلون القومي والطائفي والديني، يجب ان تدرك المعارضة السورية ومؤسساتها بأن الحرية لم تعد مطلباً مجرداً للسوريين، بل هي مطلب يماثل حاجتهم للخبز والماء والمأوى أيضاً.
المطلوب من المعارضة السياسية حسب ما قاله درويش لـ «القدس العربي»: بلورة برنامج سياسي يتوافق مع طموح الشعب السوري المتعطش لحريته وكرامته ويراعي مصالحه كما تراعي – المعارضة – مصالح حلفائها حسب استطاعتها.

انحراف البوصلة

الثورة السورية وفق المعارض عبد الحي الأحمد كما لكل الثورات على مر العصور هناك جانب مظلم، فخلف الشعارات البراقة التي يناضل من أجلها الثائرون هناك أخطاء قد يرتكبونها مما يسبب إطالة أمد ثوراتهم. والثورة كانت ولا تزال محقة ذات مطالب مشروعة إلا أن جملة من العوامل أدت إلى انحراف بوصلتها وأدت إلى خسائر بشرية وسياسية وجغرافية، ومن أهم هذه العوامل كان حالة التشرذم على الصعيدين السياسي والعسكري فالثورة لم تنجح حتى الآن في إثبات وجودها كبديل قادر على إدارة دولة. وأضف إلى ذلك أيضا تضارب المشاريع الداخلية للثوار وضيعانها في تناحرات بينية فمنها الإسلام السياسي ومنها العلماني ومنها الوطني، وجميع تلك المشاريع وفق الأحمد، فشلت في إيجاد نقطة التقاء تزاح من خلالها الخلافات لتلفت الأنظار نحو الهدف الحقيقي الذي جاءت الثورة من أجله وهو «الحرية».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية