هيفاء أبو الناديثمة فرخ حمام ولد قبل أوانه، يقلد أمه الثائرة حين تطير، فيضم جناحيه كما تفعل، لكنه لا يعرف أصول اللعبة. يخاطبه الصوت من الداخل: اتبع التعليمات المعلقة في أعلى الشجرة. يسكت فرخ الحمام على مضض، ثم يسارع في النظر إلى الأعلى، يرى غيوماً على شكل طيور محلقة، يرى فراخاً صغيرة مثله تتعلم الطيران فوق سحابة تحجب عن عينيه شعاع الشمس، يرى قوس قزح يتماثل للشفاء، بعد أن سمع أمه ـ وهو بيضة ـ تقول إن قوس قزح غارق في الكآبة. يصدق للمرة الألف أنه يحلم في الحقيقة لا في الخيال، ويبادل صورته التي يراها في السماء بصورة إخوته الذين يتضورون جوعاً، يبتلع ريقه، ويشعر بأنه الأكبر رغم أنه ليس كذلك، وبأن عليه أن يتعلم الطيران في أسرع وقت ممكن ليمكّن إخوته الصغار من الحصول على طعامهم وهم في عشهم آمنين. تتسلل أفكاره السلبية من وراء عقله الذي اشتغل أخيراً. ويداري بها حيرته قليلاً قليلاً. يمدّ رأسه إلى الأسفل هذه المرة، فيرى الأرض وقد مالت، واستحالت حجارة لا تكفّ عن التراكم فوق بعضها البعض. خلسة يتابع عن كثب ما يجري على الأرض. ينقر برأسه بقايا البيضة، ويستمرّ في الخروج رغم أن مشاهداته لا تغريه بالخروج. ينعتق تماماً من حاجز البيضة، ليدخل حاجزاً آخر أشدّ حلكة.
لا طعام في أركان العش. والحياة بائسة كأثاث هذا المنزل الصاخب بالقش. كلّ ركن فيه محمّل بذكرى لفرخ حمام حَلُمَ يوماً ما بالطيران، لكنه من فرط حلمه غاب في أمانيه ولم يحقق منها شيئاً سوى انعكاساتِ قلةٍ قليلةٍ من الغيوم على قلبه الصغير. حَلُمَ أن يطير قبل أن يغرّد، وحَلُمَ أن يكبر جناحاه بمجرد أن يفردهما. شعر بالهواء يُطيّرُ ريشه المزدان بالخفة، والغضّ بنبض بريء جديد. حاول أن يعين خياله على الصعود خارج محيطه العلويّ السجين فيما يُعرف بالوطن العشّ. فكّر للحظة في المفاهيم المغلوطة التي يُدَوّرُها البعض في رؤوسهم، واستنتج ختاماً أن الوطن لا يُختصَرُ في عشّ. قلّب الفكرة في رأسه أكثر، فاستنتج أيضاً أن الوطن أرحب من السماء فوقه والأرض تحته. احتار أكثر، تمطى وتلظى وتشظى وتلوى من فرط الجوع والحيرة والسكوت والتفكير معاً. لم يستطع أن يكترث أكثر، فإن فعل أصابته حمّى شديدة أقعدته في عقر داره مريضاً، وإن اكترث لما يحصل، فسيبكيه الآخرون لأنه سيكون وقتئذ لقمة سائغة في فم أولئك الذين يحرصون على إماتة من يخالفونهم في الرأي والحكمة.
فكّر فرخ الحمام أكثر، نفض جناحيه الصغيرين واستلذ في تخيّل أكل دودة كانت تمشي الهوينى بالقرب من قشة داخل بيته العشّ. فكر كثيراً قبل أن يلتقطها بفمه، وبرّر لنفسه الجرم الذي سيرتكبه بأنه صواب وعدل، لأن الدودة معتدية، وهي من أتته طالبة المأوى وهي تعلم جيداً أنها تطلب اللجوء في بيت عدوّها. تعتقد الدودة أن الطبيعة كلها التي ينتمي لها فرخ الحمام وعائلته والشجر والدود بكل أنواعه يجمعهم أصل واحد، ولا يمكن أن يُسقِطَ حقَّ أيّ منها في الحياة سوى جرم يكافئ جرم الموت وإغاظة صاحب الحقّ المنكفئ على نفسه، الغارق في أمنياته الطموحة.
استقرّت الدودة في فم فرخ الحمام الذي أخذ يَعُدّ معها بصوتٍ عالٍ أمانيه الكثيرة وخساراته الكبيرة وأحلامه التي جاعت لكثرة ما أنّ صوت الحقّ في ترديد تغريد العصافير. عرف فرخ الحمام حينها فقط أنّ أسراباً أخرى من الطيور قادمة من الجنوب ترتدي معاطف من ورق، كتبت عليها الطريقة المثلى للطيران في سماء لا تكفّ عن تحولاتها الأربعة. التهم الدودة، وتسمّر في مكانه منتظراً سقوط احد المعاطف. اعتكف في انتظاره وواصل الليل بالنهار لأنه آمن باللا فرق الشاسع بين المعطف والأجنحة. تصور لوهلة أن المعطف سيكفيه قيظ الصيف ومرارته وبرد الشتاء وقسوته وسيعينه على الطيران ساعة يشاء. وظلّ ينتظر..*كاتبة وأكاديمية من الأردن