ثمن الانسحاب الأمريكي من العراق وتداعياته

صادق الطائي
حجم الخط
0

جاءت موجة المطالبة المحمومة بإخراج القوات الأجنبية من العراق-والمقصود القوات الأمريكية تحديدا-على خلفية تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني المشتعل منذ أشهر، عبر خطوات كثيرة تشبه نقلات لعبة الشطرنج التي يتم فيها حساب النقاط بين الخصمين. ولم يكن العراق، بسبب أداء طبقته السياسية الرثة، إلا رقعة الشطرنج التي لا حول ولا قوة لها فيما يحصل عبر تناوب اللاعبيين من نقل خطواتهم عليها.

التخبط وعدم الوضوح مثّل مادة دسمة لوسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي التي عملت جاهدة لتسخين الأجواء بين الأطراف المتصارعة، والكل تباكى على سيادة العراق التي تعرضت لانتهاكات متعددة من طرفي الصراع، لكن واقع الحال كانت الخطابات الإعلامية مجيرة بشكل مسبق لجهات يحددها ولاء وسيلة الإعلام أو من يطلق التصريحات من الإعلاميين أو المدونين.

الخلفية القانونية للوجود الأمريكي

مع تصاعد الحملات الإعلامية المطالبة بإخراج القوات الأمريكية من العراق بعد اغتيال الجنرال سليماني في بغداد، تم خلط الكثير من المعلومات بقصد وتعمد، أو بجهل مساق بحسن النية، وتغييب المعلومات القانونية المنظمة لعمل قوات التحالف الدولي في العراق. وتم تصوير الأمر على إن للأمريكان قواعد عسكرية في العراق، وأن لا سلطة للحكومة العراقية عليها، وكل هذه المعلومات غير دقيقة أو على الأقل غيبت تفاصيلها بغية التضليل.

ومع اللغط الكثير الذي أثير عن “الاتفاقية الأمنية” أو “اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة” يتوجب علينا أن نشير إلى إن هناك اتفاقا أمريكيا عراقيا أبرم عام 2008 وقد وقعه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، ويحمل الاتفاق الموقع بين بغداد وواشنطن اسم “قانون الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة ‏والعراق، وقانون اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعمل القوات الأمريكية في العراق”. ‎هذا الاتفاق كان يحتوي على جزء يتعلق بالتعاون الأمني والعسكري بين الطرفين، بينما يخص الجزء الآخر التعاون في مجالات أخرى منها الصحة والاقتصاد والطاقة والاتصالات والدبلوماسية.

ومن أهم فقرات الاتفاقية الأمنية، الفقرة التي نصت على انسحاب القوات الأمريكية من البلدات العراقية بحلول منتصف عام 2009 وأن تغادر البلاد بشكل كامل بحلول 31 كانون الأول/ديسمبر 2011. وهو ما تم فعلا في عهد الرئيس أوباما، ولم يتبق من القوات الأمريكية إلا بضع مئات وهم مرتبطون بعقود تدريب مع الجيش العراقي. كما نصت الاتفاقية على إن كل المباني الثابتة التي تستخدمها القوات الأمريكية تصبح ملكا للعراق، وتسلم كل القواعد العسكرية التي تتواجد فيها للعراق عندما تنسحب منها القوات الأمريكية.

وأخيرا لابد من المرور على النقطة الهامة والتي تنص على أنه يجب أن توافق لجنة أمريكية عراقية مشتركة على جميع العمليات العسكرية، ويجوز لأي من الطرفين إنهاء الاتفاق بعد مرور سنة واحدة من استلام أحدهما إخطارا خطيا في هذا الشأن.

اتفاقية الإطار الاستراتيجي

إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 جعل اتفاقية الإطار الاستراتيجي لا تعدو كونها إطارا لتنظيم أي تعاون مستقبلي بين العراق والولايات المتحدة، وهذا ما تم إبان تعرض العراق لهجوم المجموعات الإرهابية التابعة لتنظيم الدولة “داعش” في حزيران/يونيو 2014 إذ طلبت حكومة المالكي حينها مساعدة مجلس الأمن الدولي لتقديم الدعم للعراق لمواجهة الجماعات الإرهابية وقدم الطلب هوشيار زيباري وزير الخارجية حينها، وكذلك عزز الطلب من ابراهيم الجعفري وزير خارجية حكومة العبادي بعد ذلك، وبناء على الطلبين العراقيين، تم تقديم الدعم الدولي، وتشكيل هيئة مشتركة لقيادة العمليات العسكرية التي ضمت خبراء ومدربين من مختلف دول العالم، بالإضافة إلى تنسيق الجهد الرئيسي لقوات التحالف في العمليات الجوية نظرا لعدم اكتمال جهوزية القوة الجوية العراقية.

وكان العمل يتم وفق التنسيق بين قطاعات القوات المسلحة العراقية المختلفة مع طيران التحالف وبإشراف خبراء من مختلف دول العالم وبضمنهم الخبراء الأمريكيون والإيرانيون والأوروبيون. وإن انهاء تواجد الدعم الدولي لمواجهة الإرهاب في العراق، نتيجة القضاء شبه التام على تنظيم الدولة “داعش” في العراق لا يحتاج إلى الكثير من الضجيج، بل يحتاج وببساطة إلى قرار من الحكومة العراقية، شرط ان تكون حكومة كاملة الصلاحيات وليست حكومة تصريف أعمال وغير مخولة باتخاذ قرارات استراتيجية تهم مستقبل البلد كما هو حال حكومة عادل عبد المهدي اليوم.

تسويق إعلامي

والنتيجة المترتبة على كل المعلومات السابقة هي إن تصويت البرلمان العراقي حول إخراج القوات الأجنبية من العراق لا قيمة قانونية له، ولا يمثل على أرض الواقع إلا نصيحة أو مشورة للسلطة التنفيذية يوصي فيها باتخاذ الإجراءات الموجبة لإخراج قوات التحالف من العراق نتيجة خرقها السيادة الوطنية، ومن صوتوا على القرار من البرلمانيين من أعضاء الكتل الشيعية-إذ تغيب الكرد والسنة عن جلسة البرلمان- يعلمون جيدا أن لا قيمة قانونية لما يقومون به، وان الأمر لا يعدو كونه ضجيجا للتسويق الإعلامي، لان وبكل بساطة، حكومة عادل عبد المهدي حكومة تصريف أعمال ناقصة الأهلية ولا يحق لها قانونا أن تتخذ إجراءات سيادية في هذا الملف.

التخبط الأمريكي

عدم الوضوح في المواقف كان على أعلى المستويات، ولم يقتصر على المساكين من الكتاب والمدونيين، فقد شمل التخبط الجميع، فالموقف الأمريكي هو الآخر شابه الكثير من التخبط في شأن انسحاب القوات من العراق، إذ أبلغت جهات أمريكية رسمية يوم الاثنين 6 كانون الثاني/يناير، قيادة العمليات المشتركة العراقية باتخاذ القوات الأمريكية إجراءاتها اللوجستية لضمان الخروج من العراق. ووفقا لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية، فقد أرسل قائد قوة المهمات الأمريكية في العراق، العميد وليام سيلي، رسالة إلى قيادة العمليات المشتركة ورد فيها إن “قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ستقوم بإعادة تمركز خلال الأيام والأسابيع المقبلة”.

لكن سرعان ما تم نفي الموضوع عبر تصريح رئيس الأركان الأمريكي الجنرال مارك ميلي، الذي ذكر أن الرسالة التي تم تداولها بشأن انسحاب قوات بلاده من العراق هي “مسودة غير موقع عليها، وما كان ينبغي نشرها” ليأتي بعد ذلك تصريح وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، نافيا الأمر جملة وتفصيلا، ونافيا صحة وجود الرسالة أصلا، وكل تلك الخطوات ترسم صورة واضحة لمدى التخبط والإرتباك في المواقف الرسمية الأمريكية.

وعندما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء 7 كانون الثاني/يناير معلقا على هذا الأمر بقوله إن “انسحاب القوات الأمريكية من العراق سيكون أسوء ما قد يحدث لهذا البلد” مشدداً على “الخطر الذي ‏تشكّله إيران” تلقى وزير الدفاع مارك اسبر الضوء الأخضر، لينطلق في مؤتمر صحافي مصرحا بقوله “لم أتلق أي اتصال من رئيس وزراء العراق أو من الحكومة العراقية بشأن التشريع، أو ‏بخصوص أمر أو طلب لسحب القوات الأمريكية، التي يبلغ عديدها حوالي خمسة آلاف ‏عسكري، يتولون تدريب القوات العراقية ويقودون تحالفاً لقتال فلول تنظيم داعش”.

حصار وعقوبات

أما بشأن التهديدات التي أطلقها الرئيس ترامب بوجه العراقيين والتي شملت التلويح بفرض حصار وعقوبات اقتصادية “لم يروا مثيلا لها” في حال مطالبتهم بإخراج القوات الأمريكية من العراق، حسب تعبير ترامب، الذي هدد العراقيين أيضا بدفع تريلونات الدولارات قيمة القواعد العسكرية، أو ما صرفته الولايات المتحدة في الحرب، فينبغي القول إن لا سند قانونيا لكل هذا الكلام، وإن خبراء القانون الدولي يعلمون ذلك جيدا، وربما كان الرئيس ترامب يعلم ذلك، لكنه يسوق الأمر على أساس التهويل والتهديد، وهو أمر تعوده الجمهور من تصريحاته الجنونية الغريبة.

ولا بد من الإشارة إلى إن القواعد العسكرية وحسب الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الموقعة عام 2008 هي قواعد عراقية محض، ومفروض على الولايات المتحدة ترك الأبنية والإنشاءات المقامة عليها ومعدات الخدمة، وتسليمها للجانب العراقي في حال الانسحاب الأمريكي من العراق، وهذه نقطة واضحة في اتفاقية الإطار الاستراتيجي ولا لبس فيها.

أما مسألة دفع مصاريف الحرب، فهي ليست أكثر من ورقة ضغط تعود أن يلعبها مقامر مثل ترامب، كما حصل مع حكومات الخليج عندما ابتزهم بنصف ترليون دولار بحجة توفير الحماية لهم من التغول الإيراني، ثم تركهم يتلقون الضربات من دون أن يفعل لهم شيئا. لكن الأمر هذه المرة يجب ان لا يمر على العراقيين، أو أن يأخذوه على محمل الجد، فليست هناك عقوبات تفرض على دول من دون مبررات استراتيجية وسياسية قوية، ومسألة الاتفاق على إنهاء عمل قوات التحالف في العراق، بالتأكيد لا يمثل واحدا من هذه الأسباب، كما إن قرار دعم العراق لمواجهة الإرهاب اتخذته حكومة أوباما بناء على قرار أممي من مجلس الأمن الدولي، وقد شاركت العديد من الدول في التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، وبالتالي لا يترتب على أي طرف دفع تكاليف ما صرف للأطراف المحاربة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية