ثمن الثواب وثمن العقاب

للنصّ القرآني قيمة معجمية تاريخية، إذ تحمل بعض الوحدات المعجمية فيه دلالات لم يحتفظ بها الاستعمال اليوم. الإشكال الحقيقي في هذا أن التفسير المتسرع يمكن أن يجر المعاني القديمة إلى حقول جديدة لم تنبث فيها في الأصل. ونحن نضرب في هذا السياق مثل استعمال عبارة (ثمن) في النصّ القرآني التي وردت في سياقين مختلفين، الفارق بينهما لا يفهم من داخل اللغة فقط، بل من خارجها أيضا.
فلا أحد يجهل اليوم أن عبارة (ثمن) تعني اليوم في التداول العامّي ما يساويه شيء يشترى ويكون مقابلا له ماليا في غالب الأحيان. هذا هو معناه الحقيقي في السياق التجاري الحقيقي ولا يهمّنا ههنا استعماله في سياق مجازي كما في قولنا مثلا (ثمن الحرية باهظ) ففيه يتغير المعنى بالاستعارة التي تجعل الحرية ميدانا مجرّدا يفهم بإدراك عناصر ميدان آخر محسوس هو البيع والشراء.
في النصّ القرآني نجد استعمالين لعبارة (ثمن) في معناه القريب منّا وهو المقابل المالي، الأول أن يكون الثمن مقابل ما يشترى وذلك كقوله تعالى في سورة يوسف (20) «وشَرَوْهُ بثمنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَاتٍ وكانُوا فيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ»؛ والثاني في معنى لم يعد رائجا ولا مألوفا وهو أن يكون الثمن نفسه موضُوع الشراء وهذا المعنى هو الغالب في استعمالات النصّ القرآني، ومثاله قوله تعالى في سورة البقرة (41) «ولا تَشْترُوا بآياتي ثمَنًا قليلاً وإيّايَ فاتَّقُونِ». الاستعمال الثاني هو الغريب اليوم لأنّ الاستعمال لا يكرّسه مثلما يكرّس الأوّل، بل إن مستعمل العربية اليوم لا يحتاج أن يعبّر عن الثمن موضوعا ففي الأمر هجرة للمعنى أو ترك له.
في لسان العرب تعريف فيه تجريد وتعميم وهو: «الثمن ما تستحقّ به الشيء» (مادة: ث. م. ن) ويعني الاستحقاق ههنا معنى قريبا ممّا يتداول فيه في معنى استحقاق الدين وهو زمن تسديده مع فارق ههنا في أن الاستحقاق في الثمن هو إيجاب الدفع فكل شراء يقتضي استحقاق الشراء وهو دفع الثمن. وفي التعريف معنى شرعيّ آخر هو عدالة التبادل، التي تعني أن لكل بضاعة ثمنا تستحقّه ولهذا استعملت في الآية أعلاه من سورة يوسف عبارة (بَخْس) صفة لثمن بيع يوسف. وإن كانت عبارة الثمن في الآية المذكورة ليست استحقاقا في المعنى الذي له في لسان العرب، بل كان البيع شكلا من أشكال تخلّص إخوة يوسف منه وتسوية لأمر ليس البيع فيه ولا الثمن ضرورتين بالنسبة إلى إخوة يوسف.
لا نحتاج كثيرا من التفصيل لبيان معنى الثمن الأوّل لأنّه متداول في أيّامنا ولكنّ المعنى الثاني الذي يكون فيه الثمن موضوعا للشراء هو ما يحتاج هنا التفصيل. قال الفراء «كلّ ما كان في القرآن من هذا الذي قد نُصب فيه الثمنُ وأدخلت الباء في المبيع أو المشترى، فإنّ ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين لا يكونان ثمنا معلوما مثل الدنانير والدراهم فمن ذلك (اشتريت ثوبا بكساء) أيّهما شئت تجعله ثمنا لصاحبه لأنّه ليس من الأثمان وما كان ليس من الأثمان مثل الرقيق والدّور وجميع العروض فهو على هذا، فإذا جئتَ إلى الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن» (ل.ع. 13/82).
لو لخصنا كلام الفرّاء وترجمناه إلى لغة البيع والشراء لقلنا إن الثمنَ الذي يعنيه هو ما يكون في تجارة المقايضة التي يُتبادل فيها بالبضائع؛ فتمر أهل التمر يكون ثمنا يباع به القمح عند أهل القمح، والبيض والدّجاج عند من استعملوا هذه الأشياء لشراء غيرها كالقهوة أو السكّر أو غيرهما. في هذه الوضعيات التجارية ومثلها يكون كلّ شيء يقايض به شيء آخر، قابلا لأن يكون ثمنا فالتمر ثمن القمح والقمح ثمن التمر ولا وجود في هذه المقايضة لعملة من درهم أو دينار أو غيرهما.

إنّ معنى الثمن في سياق الآيات القرآنية المشابهة للآية (41 من سورة البقرة) هو معنى استعاريّ داخل في استعارة قرآنية كبرى تقترض للدين وهو معنى مجرّد معنى محسوسا هو البيع والشراء ولنقل هو التجارة.

في نظام المقايضة وهو أقدم أشكال التبادل التجاري القديمة يكون كلّ شيء مبدل ثمنا لكلّ شيء مبدل منه أو بعبارة الفراء «كلّ واحد منهما في هذا الموضع مَبيعٌ وثمن». وقريب من هذا الاستعمال عبارة «النفط مقابل الغذاء» في برنامج الأمم المتحدة لعام 1995 إبّان الحصار الشامل على العراق، فقد كان النفط ثمنا والغذاء ثمنا بهذا المعنى وإن كان التبادل في هذا السياق مجازيّا لا بمعنى المقايضة الحرفية التقليدية، ولكن لكلّ عصر وكل تبادل مقايضاته وأثمانه.
إنّ معنى الثمن في سياق الآيات القرآنية المشابهة للآية (41 من سورة البقرة) هو معنى استعاريّ داخل في استعارة قرآنية كبرى تقترض للدين وهو معنى مجرّد معنى محسوسا هو البيع والشراء ولنقل هو التجارة. هذا المعنى الاستعاري لم تفرضه فقط خلفية ثقافة التجارة السائدة في مكة ومحيطها في ذلك الوقت، بل فرضه أيضا منطق نشر الدين الجديد القائم على ما يسمّى في الثقافة الغربية بالتحوّل Conversion من دين إلى دين.
الواقع التجاري مهمّ في الاستعارة، لأنّه يشرح بأدوات تبادل تجاري سائد وعزيز على أنفس من يتعاملون بالتجارة، تجربة الدين وبالأساس فكرة مهمّة استعمل فيها الثمن ههنا للتيسير والتعميق أيضا وهي، التمييز ما لله وما للإنسان (أو لنقل ما لله ومال الناس ) فما لله لا يمكن أن يقدّر بثمن لكنّ هذه الفكرة لا يمكن أن تكون منسجمة مع استعارة التجارة للمعنى الديني، لذلك لا بدّ من أن تبنى على أساس إيجابيّ قريب من هذه الفكرة: إن ثمن ما لله لا يقدّر بأيّ مال للناس فمهما كان الثمن الذي يبذله الناس من مالهم إنّما هو قليل بالنسبة إلى حقوق الله. لا يمكن أن تشترى الجنة بمال قليل، حتى لو كان صكوكا كصكوك التوبة الكنسيّة؛ ولا يمكن أن تشترى المغفرة والبراءة والإيمان والصدق إلاّ بعملة جديدة هي عملة منصوص عليها في القرآن و»سكّة» ضربها هذا الدين الجديد قوامها أخلاق الإسلام وعباداته ومعاملاته. وكل ما كان غير ذلك كان «ثمنا قليلا». ولا وجود في النصّ ولا في التصور الديني لمقابل نقيض لـ»ثمنا قليلا « يمكن أن يسمّى «ثمنا كثيرا» أو «باهظا»، أو غيره من العبارات التي تجعل الثمن أعْلى. الثمن في هذا السياق هو بعبارة ابن منظور «ما تستحق به الشيء» أي هو مقابل يدفع سلفا عنوانا لتديّنك وإيمانك وستكافأ عليه مثلما سطر لك في القرآن.
ومن جهة أخرى فإنّ معنى الثمن مرتبط بمعنى التّحوّل الذي هو جوهر الإيمان الأوّل. التحوّل عموما هو انتقال من شيء إلى شيء آخر مثلما يكون الأمر في التجارة: التفريط في شيء مقابل شيء آخر. غير أن الثمن الذي يقتضيه المعنى القرآني أن المفرّط فيه بالبيع أي العقيدة السابقة والقديمة هي أقلّ بكثير من العقيدة الجديدة؛ لكنّ المشكل يكمن في نفسية من لبست روحه رداء عقديّا قديما يكون من العسير نزعه وعندئذ يصبح الثمن مبررا ومعنى التجارة استعاريّا: تضحية بما تلبّس بالروح في مقابل لباس إيمانيّ جديد يبدو غير مألوف ولا مناسبا لمن تعوّد وحدة اللباس. الثمن هو ما يدفعه المرء لينقل المؤمن من تصوّر مهلك إلى تصوّر منج؛ لكنّ الثمن يمكن أن يكون بعد هذا التحويل فإن كانت التضحية جذرية بالقيم القديمة كان الثمن ثمنا وإلاّ كان ثمنا قليلا أي مزيفا.
خلاصة الأمر من هذا ليس معنى الثمن الثاني، وهو الذي يشترى، في معنى المقايضة على ما فسره به الفرّاء ولا هو في معنى المقابل، بل هو معنى آخر مختلف عن جوهر التعامل التجاري الذي يحدث فيه استلام المشترى من البائع بعد تسليم الثمن سواء أكان مالا أو بضاعة في سياق مقايضة، الثمن في السياق المذكور في القرآن هو ثمنان: ثمن التحوّل عن العرف القديم وثمن المكافأة عن أيّ التزام بالتعاليم الدينية الجديدة يدفع الثمنان في مسيرة الحياة الطويلة ولكنّ للبضاعة اسمين إمّا ثواب وإمّا عقاب.

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية