ثمن السلام مع سورية سيتضمن اخلاء مستوطنات من الجولان ويجب ان يكون المقابل كبيرا ويتضمن ترتيبات اقتصادية ودورا تركيا

حجم الخط
0

كلما كثرت المنشورات في الصحف عن خطر اندلاع حرب بين اسرائيل وسورية، كثرت ايضا المقالات وفيها الاقتراحات للتسوية السلمية بين الدولتين. أحد هذه المقالات هو لمناحيم بن اذا كان جديا ـ 8/16، ويطرح فيه اقتراحا جريئا، يقضي بان تعيد اسرائيل الي سورية سيادتها علي هضبة الجولان مقابل موافقة الاخيرة علي بقاء المستوطنات اليهودية في الهضبة. وهو يري أن في هذه التسوية فضائل عديدة للطرفين.

وبالفعل، لا ريب أنه محق، ولكن من المشكوك فيه ان يكون هذا الاقتراح عمليا من ناحية سياسية. إذ أنه في الواقع السياسي والقومي والنفسي في منطقتنا لا يعقل أن تتخلي سورية، مبدئيا، عما أخذته مصر في أعقاب التوقيع علي معاهدة السلام معها. ففي سيناء ايضا لم تتبق مستوطنات يهودية، ولو أصرت حكومة بيغن علي كتلة يميت فلا ريب أنه ما كان لمعاهدة السلام ان توقع. ما هو بالتالي، الحل السياسي الممكن، والذي يكون فيه الكثير من الفضائل الاقتصادية التي كتب عنها مناحيم بن، ولكن الي جانب ذلك لن يمس بالعزة القومية للسوريين ولن يعرض أمن اسرائيل للخطر؟ لا مفر من القول، مع كل الحذر اللازم، ان الاستيطان اليهودي في هضبة الجولان سيكون ضحية السلام. وهذا سيكون دوره التاريخي الوطني. السؤال هو إذن ليس هل سيبقي هذا الاستيطان الي الابد، بل ما هو المقابل الذي ستحصل عليه دولة اسرائيل لقاء الانسحاب من الجولان. هذا المقابل يجب أن يجد تعبيره ليس فقط بضمان أمنها، من خلال ترتيبات دولية أمنية وسياسية، باسناد من الدول الغربية، بل وايضا بتنازلات سياسية متبادلة ومبادرات اقتصادية، تجلب البركة علي كل المنطقة.

التسوية السياسية المتبادلة ستقوم علي أساس اخلاء هضبة الجولان من جانب اسرائيل، وعلي تنازل سوري عن نصيبها في الشاطيء الشرقي لبحيرة طبريا. هكذا يتم تعويض العزة القومية للسوريين، وتهدئة القلق القومي لليهود من فقدانهم السيطرة علي مياه بحيرة طبريا.

في المجال الاقتصادي، الخطة بعيدة المدي هي نصب انبوب لنقل المياه من تركيا عبر سورية ومنها الي اسرائيل، الاردن والدولة الفلسطينية التي ستقوم في المستقبل. لا حاجة لشرح أهمية هذا المشروع للمنطقة، والتي ستتعمق حاجتها الي المياه علي مدي السنين. ولكن ينبغي التشديد علي ان تركيا التي تسيطر عليها اليوم حكومة اسلامية معتدلة، كفيلة بان تكون معنية به لاعتبارات اقتصادية وبالذات سياسية. ففي الاونة الاخيرة نُشرت أنباء عن ان حكومة أنقرة تحاول تهدئة رياح الحرب بين سورية واسرائيل. ولا ريب أنه فضلا عن الارادة الطيبة ففي هذا العمل، اذا كان صحيحا بالفعل، مصلحة سياسية ايضا وهو مرتبط بمحاولة تركيا القبول في الاسرة الاوروبية. وعليه، فلا ريب ان كل مساهمة لها في تهدئة الرياح في منطقتنا، ولا سيما استعدادها للتقدم بمساهمة بناءة في التسوية السلمية في المستقبل، سيساعدها في تطلعها لان تفتح بوابات الاسرة الاوروبية امامها. ان اقامة مشروع المياه المشترك من شأنه أن يصطدم بمصاعب سياسية وبيئية، كنقص المياه عقب سنوات الجفاف حتي في تركيا، ولكن لا ينبغي التخلي عنه بصفته رؤيا سلمية. واضافة الي هذه الرؤيا، ينبغي اقامة التسوية السياسية بين البلدين علي أساس اقتصادي محلي مثل تحويل المستوطنات اليهودية التي ستخلي في المستقبل الي مواقع سكن للسياح. هذا صحيح بالنسبة لمدينة كتسرين، التي يمكن ان تصبح مركزا للسياحة الدولية في المنطقة. كما ينبغي نقل كل المشاريع الاقتصادية مثل الكروم والمخامر وغيرها الي ملكية دولية يشارك فيها اليهود من سكان هضبة الجولان السابقين، وشركات اقتصادية سورية ومستثمرون دوليون.

يحتمل الا تكون هذه الافكار واقعية، مثل أفكار مناحيم بن. ولكن استنتاجا واحدا واضحا ينبع منها: في كل مفاوضات مع جيراننا، مهما كانت، من الواجب الحذر من المساس بكبريائهم القومي.

يوسف غورانيبروفيسور ومحرر(معاريف) 26/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية