ثمن فشل الحلم المغاربي أو النمر الشمال إفريقي : حققنا الاستقلال لكننا لم نحقق الحرية
مولود حمروشثمن فشل الحلم المغاربي أو النمر الشمال إفريقي : حققنا الاستقلال لكننا لم نحقق الحرية لقد دعوتمونا إلي الحلم، حلم مغرب موحد، مندمج، يعيش في رفاهية ويتمتع مواطنوه بالحرية والسعادة. وبدوري أقول أن هناك رجال سياسة يثيرون الأحلام في صفوف شعوبهم ليصلوا بهم إلي مأزق، وهناك رجال سياسة يريدون تجسيد أحلامهم وأحلام شعوبهم، ويعملون من أجل ذلك ميدانيا وبكل تواضع.وقد سمعنا تحاليل متعددة حول أسباب فشل المشروع المغاربي. لكنه من الواضح أن أنه يجب علينا البحث عن أسباب فشل هذا المشروع في ميادين أخري غير التي ذكرت لحد الآن.وقد قيل أن الجزائر فشلت في تسيير مداخيلها من المحروقات وتحويلها إلي ثروة، مثل سائر البلدان التي تعيش من النفط. لكنه من الخطأ أن نقول أنه تم تبذير كل هذه الأموال، لأنه تم تخصيص جزء منها للصحة والمدرسة وقطاعات أخري. غير أن هذا لا يمكن أن يغطي حقيقة أخري، وهي أن الجزائر انتهجت خيارات ومسالك خاطئة.لكن إذا كان فشل الجزائر ناتجا عن سوء تسيير المداخيل النفطية، لماذا لم يستطع المغرب وتونس أن يحققا نهضتهما؟ يقال كذلك أن الجزائر فشلت بسبب الأزمة التي عاشتها، مع العلم أن المغرب وتونس واصلا مسيرتهما بطريقة عادية وفق نهج الماضي. ومع ذلك، نلاحظ أن الفشل يشمل كل بلدان المغرب العربي، ولا يقتصر علي الجزائر المصدرة للنفط.من هنا، يتضح أن سر الفشل يكمن في نقطة أخري، في النظام السياسي، لا في النظام المؤسساتي فقط. الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية، والمغرب مملكة دستورية. لكن إذا دققنا النظر، نجد أن ميكانزمات اتخاذ القرار متطابقة، حيث نجد نفس اللجوء إلي نفس الطرق التي لا تأخذ بعين الاعتبار الميكانزمات القانونية التي تتظاهر بها السلطة في هذه البلدان.وقد تبنت الحركة الوطنية في الجزائر هدفين أساسيين: الاستقلال والحرية. وقد حققنا الاستقلال لكننا لم نحقق الحرية. ولم يتمتع الجزائريون أبدا بحريتهم، التي تم السطو عليها باسم بعض الشعارات. فقد طلب النظام مثلا من الشعب أن يتخلي عن حريته بحجة النمو وبناء الاقتصاد. لكن في تلك الفترة، كان النظام يتميز بعدد من الخصال، يمكن أن أذكر منها اثنتين: كان النظام يتبني عددا من المسئوليات، ويحاول تحقيقها، حتي ولو أنه لم يتوصل إلي ذلك بالشكل المقبول، مثل تحقيق السكن، والمدرسة للأطفال، والعمل وغيرها. وكان كذلك يحدد لنفسه أهدافا. لكن في السنوات الأخيرة، أصبح النظام لا يتحمل مسئولياته. وتحت غطاء العولمة والليبرالية وحتي تحت شعار متطلبات الاندماج في المنظمة العالمية للتجارة، أصبح النظام لا يتحمل مسئولياته ويلغي مساعداته لهياكل الخدمة العمومية كما يتخلي عن مهامه التقليدية.في سنوات 1989 ـ 1990، شرعنا في تجربة لنذهب إلي التعددية السياسية. وكان خيارنا أن نذهب إلي التعددية السياسية، التي من المفروض أن تؤدي بنا إلي التعددية الحزبية. وكنا نطمح في هذه الفترة الانتقالية إلي إقامة وسائل لتسيير المجتمع، ونساعد علي بروز سلطات مضادة contre ـ pouvoirs وهياكل للتحكيم السياسي والاقتصادي. لكن الأمور تطورت بسرعة، وتوجهنا بطريقة سريعة جدا إلي التعددية الحزبية ثم الانتخابات. وأنتم تعرفون النتائج، التي أدت إلي إيقاف المسار الانتخابي.لكن الأهم ليس هنا. الأهم هي تلك النتائج التي أدي إليها تطور الأوضاع. فاليوم، نري أن الوسائل التي من المفروض أن ترسخ الديمقراطية وتضمن ممارسة الحريات والتعددية نفسها أصبحت وسائل لتحطيم الديمقراطية وتحطيم المجتمع.فمثلا، يتم تنظيم انتخابات مزيفة، يصوت خلالها المواطنون، لكن النتائج التي يتم إعلانها تختلف عن الحقيقة. ومن خلال مثل هذه العمليات، يتم تحطيم فكرة التصويت والديمقراطية، بسبب الاستعمال غير السليم للمؤسسات ولوسائل تسيير المجتمع.يمكن أن أذكر مثلا آخر. من المفروض أن اللجوء إلي حالة الطوارئ يسمح بإعادة الأمن العام، وفرض سيادة القانون وحماية الأشخاص والممتلكات. لكن في الواقع، فإن هذا الإجراء يعمق الفوضي، واختراق القانون، والتحايل علي القانون، ويكرس الرشوة والتجاوزات. فالتجاوزات في استعمال السلطة تصبح القاعدة الأساسية لتسيير المجتمع. في البنوك، وأنا أعرف أن الخبراء في الميدان موجودون بكثرة في هذه القاعة، في البنوك إذا، فإن التحكيم لا يتم طبقا للقانون والقواعد المصرفية، إنما يتم بالقرار التعسفي.ويمكنني أن أتقاسم معكم هذه القناعة: إن النظام ووسائل التسيير التي أدت إلي مأزق لا يمكن أن تكون الحل للخروج من المأزق. ولنبقي في ميدان المالية لنتكلم عن هذه النقطة، حيث نلاحظ أن اللجوء إلي إعادة جدولة الديون كان سببه في أغلب الأحيان، إن لم يكن في كل الحالات، وجود نظام سياسي معين. ولكن لما يعطي الدواء لنفس النظام، وأحيانا لنفس الرجال، فإنهم يفشلون لا محالة. ويؤدي ذلك حتما إلي تعميق الأزمة.وفي المغرب العربي، فإننا امام نفس المعادلة. فقد أدت الأنظمة القائمة إلي مأزق في الداخل وفي العلاقات الثنائية. ولتجاوز هذا المأزق، فإن الأنظمة اختلقت مأزقا مماثلا. ولسنا في قطيعة مع هذه الأنظمة لنقول أننا علي وشك الدخول في عهد جديد.وقد تكلم أحد المتدخلين عن الحدود بين الجزائر والمغرب. وأنا موافق القول أن هذا غير مقبول، فأثناء حرب التحرير، كان الجزائريون يموتون بالعشرات لفتح هذه الحدود. لكن هناك كذلك الحدود السيكولوجية والذهنية.هل هذا قدر محتوم؟ لا أعتقد ذلك. ومثل الكثير منكم، فإني أتساءل ما العمل؟هناك أولا إمكانيات قاعدية. يجب مواصلة العمل بواسطة الشركات، والتفكير في أساليب وطرق جديدة، مثل الشركات المغاربية، وإذا لم تتمكن من تخطي الحواجز، يمكن اللجوء إلي شركات ثلاثية بمشاركة مؤسسات أوروبية.والبديل الثاني يتمثل في مساعدة وتشجيع الأنظمة القائمة إلي أكثر ديمقراطية، واحترام أكثر لحقوق المواطن، وأكثر شفافية.ونحن نعرف أن الغرب يعتقد أن المجتمعات العربية تعادي الديمقراطية لأسباب ثقافية. لكن في انتظار ترسيخ الديمقراطية في المجتمعات العربية، هذا لا يمنع أن نشجع ميكانيزمات ديمقراطية، أو علي الأقل ميكانيزمات شفافة في اتخاذ القرار. ويسمح ذلك بحد أدني من التشاور، ومن مقروئية القرار، ويسمح بتجنب أية مفاجأة. وهذا سيجنبنا علي الأقل تلك المفاجآت مثل أن نسمع في نشرة الثامنة قرارا مازال في مرحلة المفاوضات، بل قرارا لم يتم التحضير له، سواء كان ذلك في الميدان الداخلي أو في العلاقات الثنائية.ويمكن أن نتكلم عن ظاهرة أخري، وهي ممارسة السلطة من طرف شخص واحد، مما يضمن نجنب المفاجآت كما يضمن أمن الجميع.ويجب كذلك العمل لدفع المسئولين إلي العمل في إطار القانون، مما يسمح علي الأقل بتقليص مجال التعسف والرشوة والامتيازات غير القانونية.إن هذا المسعي ينطبق علي كل الميادين، في السياسية، في الاقتصاد، في التعامل البنكي، في مجال الحصول علي قروض أو أثناء عملية الخوصصة. ونحن نعرف جيدا كيف تتم الخوصصة إذا لم تحترم هذه القواعد.ويجب كذلك أن نسعي حتي يكون كل من يمارس السلطة مسئولا عن أعماله ويحاسب عليها أمام المجتمع. ففي الجزائر، كلنا نتهم النظام كله، وخاصة منهم من يغادر دواليب السلطة، لكننا لم نتعرف أبدا عمن كان مسئولا عن أي قرار أو أي عمل ما.وفي الختام، فإننا تكلمنا كثيرا عن الأحلام خلال هذا الملتقي، ونحن نفكر عما يمكن أأن يكون المغرب العربي. وأنا أحلم، من جهتي، بمغرب عربي ديمقراطي، حيث يمارس المواطنون حرياتهم بصفة كاملة، ويمارسون حقوقهم، وتكون حقوقهم محترمة.ہ رئيس وزراء جزائري سابقوالمقال كلمة القاها في ملتقي بمدريد الاسبوع الماضي8