ثنائية‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬حنا‭ ‬مينه

حجم الخط
0

مع‭ ‬أن‭ ‬ثلث‭ ‬أعمال‭ ‬الكاتب‭ ‬الراحل‭ ‬حنا‭ ‬مينه‭ ‬عن‭ ‬البحر،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يرسم‭ ‬صورة‭ ‬لبحار‭ ‬أو‭ ‬سندباد‭ ‬بحري‭. ‬فأعماله‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اللمحات‭ ‬الفانتازية‭. ‬وكذلك‭ ‬هي‭ ‬بريئة‭ ‬من‭ ‬جو‭ ‬العنت‭ ‬والمشقة،‭ ‬ومن‭ ‬التوسع‭ ‬الذي‭ ‬خص‭ ‬به‭ ‬كونراد‭ ‬أعماله‭. ‬فالتوسع‭ ‬هنا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ارتياد‭ ‬الآفاق‭ ‬واستثمار‭ ‬للموارد‭ ‬وتسليعها‭. ‬إنه‭ ‬استعمار‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بكسر‭ ‬القيود‭ ‬وهجاء‭ ‬البر‭ ‬الخامد‭ ‬واللجوء‭ ‬لديناميكية‭ ‬البحر،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬مينه‭ ‬العاطفي‭ ‬من‭ ‬الأمواج‭ ‬والمياه‭. ‬فكل‭ ‬قارب‭ ‬يمخر‭ ‬في‭ ‬عباب‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬كونراد‭ ‬هو‭ ‬محض‭ ‬غزو‭ ‬وعدوان،‭ ‬وجزء‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬تخطي‭ ‬الحدود،‭ ‬أو‭ ‬إنشاء‭ ‬شركات‭ ‬عملاقة‭ ‬عابرة‭ ‬للهويات‭ ‬الوطنية‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬كتابات‭ ‬مينه‭ ‬عن‭ ‬البحر‭ ‬و«حكاية‭ ‬بحار‭ ‬غريق‮»‬‭ ‬لماركيز‭ ‬لا‭ ‬أساس‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الصحة‭. ‬فماركيز‭ ‬أعاد‭ ‬بروايته‭ ‬للأذهان‭ ‬العمل‭ ‬الطويل‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬إدغار‭ ‬ألان‭ ‬بو‭ ‬وراءه‭ ‬وهو‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬غوردون‭ ‬باين‮»‬‭. ‬وكلا‭ ‬العملين‭ ‬عن‭ ‬الضياع‭ ‬والتشرد‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬المحيط‭ ‬بخلفيات‭ ‬وجودية،‭ ‬وتشوبهما‭ ‬أيضا‭ ‬مشكلة‭ ‬استعلاء‭ ‬الطبيعة‭ ‬على‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭ ‬وفلسفة‭ ‬الانتظار،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لولادة‭ ‬فكرة‭ ‬البطل‭ ‬الضعيف‭ ‬أو‭ ‬البطل‭ ‬المحروم‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والإرادة‭. ‬فالكلمة‭ ‬كانت‭ ‬للبحر‭ (‬الأنواء‭) ‬أما‭ ‬الإنسان‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬ألعوبة‭ ‬بيد‭ ‬المحيط‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬به‭ ‬مينه،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬البر‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مقاربة‭ ‬لبحر‭ ‬مينه‭ ‬فهو‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬لعمل‭ ‬ميلفيل‭ ‬‮«‬موبي‭ ‬ديك‮»‬‭.‬

ويكفي‭ ‬أن‭ ‬تتذكر‭ ‬عدد‭ ‬المرات‭ ‬التي‭ ‬يربط‭ ‬بها‭ ‬أبطال‭ ‬مينه‭ ‬الحوت‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬تمهيدا‭ ‬لقتله‭ ‬ونهبه‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أبطاله‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬يلجون‭ ‬المياه‭ ‬العميقة،‭ ‬فهم‭ ‬يعيشون‭ ‬كل‭ ‬حياتهم‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭. ‬إنهم‭ ‬مجرد‭ ‬شهود‭ ‬على‭ ‬طرفي‭ ‬المعادلة‭ ‬الصعبة‭: ‬الحياة‭ ‬والذات‭. ‬وكل‭ ‬منهما‭ ‬له‭ ‬المعنى‭ ‬الرمزي‭ ‬للغمر‭ ‬أو‭ ‬للمصاعب‭ ‬أو‭ ‬للخطر‭ ‬المبيّت‭ ‬والكامن‭. ‬وفي‭ ‬رأيي‭ ‬إن‭ ‬الخطر‭ ‬المادي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬الاندفاعات‭ ‬والفورات‭ ‬النفسية‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬بحر‭ ‬الهموم‭ ‬مثل‭ ‬بحر‭ ‬المصائب‭. ‬ولينجو‭ ‬الإنسان‭ ‬يكون‭ ‬بحاجة‭ ‬لقارب‭ ‬ومجداف‭ ‬وساعد‭ ‬قوي‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الثلاثية‭ ‬التي‭ ‬تمسّك‭ ‬بها‭ ‬حنا‭ ‬مينه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حرف‭ ‬كتبه‭. ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬حياته‭ ‬وتعلم‭ ‬الحروف‭ ‬والأرقام‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬الميناء‭ ‬بترقيم‭ ‬أكياس‭ ‬الشحنات‭ ‬البحرية،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬قصته‭ ‬‮«‬على‭ ‬الأكياس‮»‬‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬المعرفة‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1958‭. ‬وكأنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأبطال‭ ‬معلمه‭ ‬الأول‭ ‬مكسيم‭ ‬غوركي‭ ‬وكتابه‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬‮«‬جامعاتي‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬غوركي‭ ‬ذكيا‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية‭ ‬ليربط‭ ‬الثقافة‭ ‬بالواقع‭ ‬والإصرار‭ ‬والعمل‭. ‬وليسقط‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الذهنية‭. ‬وهذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتوقعه‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬عصامي‭ ‬ورومانسي‭ ‬آمن‭ ‬ببطولة‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬وبدور‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬صقل‭ ‬المواهب‭ ‬والخبرات‭.‬

لقد‭ ‬اختار‭ ‬حنا‭ ‬مينه‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬التبشير‭ ‬بهذه‭ ‬المقولة‭ ‬الفلسفية‭ ‬المبسطة،‭ ‬وهي‭ ‬دور‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬المسار،‭ ‬ولذلك‭ ‬غلبت‭ ‬على‭ ‬شخصياته‭ ‬صفة‭ ‬الرومانسية‭ ‬الثورية‭. ‬فهم‭ ‬متمردون‭ ‬وليسوا‭ ‬مناضلين،‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالحل‭ ‬الفردي‭. ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬رواسب‭ ‬المماهاة‭ ‬بين‭ ‬الزعيم‭ ‬والنبي‭ ‬في‭ ‬الأحزاب‭ ‬الثورية‭. ‬وهكذا‭ ‬بمقدورنا‭ ‬النظر‭ ‬لشخصياته‭ ‬المحببة‭ ‬لقلبه‭ ‬في‭ ‬فترته‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬‮«‬الشراع‭ ‬والعاصفة‮»‬‭ ‬1968،‭ ‬وتصل‭ ‬لذروتها‭ ‬في‭ ‬‮«‬الدقل‮»‬‭ ‬1982‭ ‬و«الياطر‮»‬‭ ‬1975‭. ‬ودائما‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتأمل‭ ‬هاتين‭ ‬الروايتين‭ ‬بمنظار‭ ‬مفهومه‭ ‬عن‭ ‬بطولة‭ ‬الأفراد‭. ‬لقد‭ ‬اقتنع‭ ‬مينه‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬كائن‭ ‬عملاق‭ ‬ولديه‭ ‬واجب‭ ‬مقدس‭ ‬وهو‭ ‬ترويض‭ ‬الطبيعة‭. ‬وعموما‭ ‬خيم‭ ‬عليهما‭ ‬بطل‭ ‬مفرد،‭ ‬مستعد‭ ‬لمواجهة‭ ‬الصعاب‭ ‬وتذليلها‭.‬

وصراع‭ ‬الغرائز‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬يحتفل‭ ‬بها‭ ‬أبطال‭ ‬مينه‭. ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬معظم‭ ‬شخصياته‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬زجاجي،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يمكنك‭ ‬تخبئته‭. ‬فالعناصر‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬التكتم‭ ‬والسرية‭ ‬وبدون‭ ‬بعد‭ ‬تصوفي‭. ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعمد‭ ‬لتورية‭ ‬شخصياته‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬استعارية‭ ‬إذا‭ ‬لجأنا‭ ‬لتعبير‭ ‬جاكوبسون‭. ‬إنها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬سقطوا‭ ‬في‭ ‬بئر‭ ‬اللاشعور‭ ‬وتأقلموا‭ ‬مع‭ ‬قوانينه‭ ‬الجائرة‭ ‬وتصالحوا‭ ‬معها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أعماله،‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬الثلج‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬النافذة‮»‬‭: ‬‮«‬هنا‭ ‬العطور‭ ‬والخمور‭ ‬والأجساد‭ ‬هي‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‮»‬‭. ‬بتعبير‭ ‬آخر‭: ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مفهومهم‭ ‬عن‭ ‬عبادة‭ ‬الأنا‭ ‬والاحتفال‭ ‬بالحياة‭. ‬ولم‭ ‬يختلف‭ ‬مينه‭ ‬عن‭ ‬ديفو‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهي‭ ‬ضرورة‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬البحر‭ ‬وهبوب‭ ‬العواصف‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬أرواح‭ ‬شريرة‭ ‬تأتي‭ ‬لتنتهك‭ ‬عزلته‭ ‬داخل‭ ‬نفسه‭. ‬وربما‭ ‬قدمت‭ ‬‮«‬الياطر‮»‬‭ ‬أفضل‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬تخلي‭ ‬مينه‭ ‬عن‭ ‬النزوع‭ ‬الأبوي‭ ‬للمذكر،‭ ‬والاتحاد‭ ‬بمجتمع‭ ‬أمومي‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬المرأة‭ ‬آلهة‭ ‬يمكن‭ ‬إغواؤها،‭ ‬والإشارة‭ ‬للراعية‭ ‬شكيبة،‭ ‬وكان‭ ‬مينه‭ ‬يتلصص‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأشجار‭ ‬ومن‭ ‬خلف‭ ‬الصخور،‭ ‬وكانت‭ ‬تبدو‭ ‬بشكل‭ ‬صورة‭ ‬في‭ ‬خيال‭ ‬إنسان‭ ‬مدمن‭ ‬على‭ ‬العزلة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬موانع‭ ‬أو‭ ‬كبت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬تلصصا‭ ‬أوديبيا‭ ‬يتسبب‭ ‬بالنفور‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الأب،‭ ‬ولكنه‭ ‬اكتشاف‭ ‬لمعضلة‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬لغز،‭ ‬وهل‭ ‬يوجد‭ ‬لدى‭ ‬المذكر‭ ‬لغز‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الإناث‭ ‬وأسراره؟‭ ‬واعتمدت‭ ‬صورة‭ ‬شكيبة‭ ‬وإيحاءاتها‭ ‬الأمومية‭ ‬على‭ ‬نقطتين‭:‬

الأولى‭ ‬هي‭ ‬ذكريات‭ ‬مينه‭ ‬الطفل‭ ‬عن‭ ‬سنوات‭ ‬حياته‭ ‬المبكرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الإسكندرونة،‭ ‬حيث‭ ‬النباتات‭ ‬والتضاريس‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬بلدة‭ ‬السويدية‭ ‬التي‭ ‬أقام‭ ‬فيها‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬سنوات‭. ‬والثانية‭ ‬أن‭ ‬شكيبة‭ ‬كانت‭ ‬مصدرا‭ ‬لقوته‭. ‬وتطور‭ ‬الموضوع‭ ‬لنشوء‭ ‬علاقة‭ ‬غرامية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعزو‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سهولة‭ ‬كل‭ ‬مواصفات‭ ‬الجنس‭ ‬الفموي‭. ‬وتستطيع‭ ‬اختصار‭ ‬فلسفة‭ (‬الطريق‭ ‬ـ‭ ‬عمال‭ ‬التراحيل‭ ‬ـ‭ ‬العصاة‭ ‬واللصوص‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الجيل‭ ‬المتمرد‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬الكساد‭ ‬والحروب‭ ‬العالمية‭) ‬بالطعام‭ ‬والتناسل‭ ‬أو‭ ‬المتع‭ ‬البدنية‭ ‬المباشرة‭.‬

ويضيف‭ ‬جورج‭ ‬طرابيشي‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬عن‭ (‬إيديولوجيا‭ ‬الرجولة‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭)‬،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬امتد‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬ثلاثمئة‭ ‬صفحة،‭ ‬كان‭ ‬إعادة‭ ‬تركيب‭ ‬لسيناريو‭ ‬هو‭ ‬بذرة‭ ‬من‭ ‬بذور‭ ‬الثورة‭ ‬الرومانسية‭ ‬للعقل‭ ‬العاطفي،‭ ‬وهو‭ ‬الهرب‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬الغابة،‭ ‬والاستسلام‭ ‬لمصادر‭ ‬البهجة‭ ‬المادية‭ ‬أو‭ ‬المتع‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عقل‭ ‬يتحكم‭ ‬بها‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬الشخصيات‭ ‬الثانوية‭ ‬وتقارب‭ ‬الرجل‭ ‬مع‭ ‬المرأة‭. ‬وحتى‭ ‬المرأة‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الأحداث‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوعي‭ ‬الغائب‭ ‬والمخدر‭ ‬لبطل‭ ‬الرواية‭. ‬وفي‭ ‬رأيي‭ ‬الشخصي‭ ‬لم‭ ‬تلن‭ ‬قناة‭ ‬ولا‭ ‬عزيمة‭ ‬مينه‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬عقدة‭ ‬الأم‭ ‬ورغبة‭ ‬الابن‭ ‬في‭ ‬أحضانها‭ (‬ليكون‭ ‬فعليا‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬الأب‭ ‬أو‭ ‬وريثه‭ ‬الشرعي‭). ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬التزم‭ ‬بشروط‭ ‬مجتمعه‭ ‬ورسم‭ ‬صورها‭ ‬بتهذيب‭ ‬مبالغ‭ ‬به،‭ ‬وتأتي‭ ‬روايته‭ ‬الشفافة‭ ‬والمحزنة‭ ‬‮«‬حمامة‭ ‬زرقاء‭ ‬في‭ ‬السحب‮»‬‭ ‬1988‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭. ‬فهي‭ ‬عن‭ ‬رحلة‭ ‬علاجية‭ ‬لابنته‭ ‬في‭ ‬مشافي‭ ‬لندن،‭ ‬وكان‭ ‬تعلق‭ ‬الأب‭ ‬بابنته‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬تعلق‭ ‬الأب‭ ‬بـ‭(‬لوليتا‭) ‬في‭ ‬رواية‭ ‬نابوكوف‭ ‬المعروفة‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬مزق‭ ‬نابوكوف‭ ‬الأستار‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬زنى‭ ‬المحارم،‭ ‬فقد‭ ‬هذبها‭ ‬مينه‭ ‬بشكل‭ ‬رعاية‭ ‬وحضانة‭ ‬أو‭ ‬استجداء‭ ‬للرضا‭ ‬والتجاور‭. ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭: ‬أين‭ ‬الأم‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬الاستشفاء‭. ‬ولماذا‭ ‬كان‭ ‬الأب‭ ‬وحده‭ ‬مع‭ ‬ابنته،‭ ‬يخلصها‭ ‬من‭ ‬ثيابها‭ ‬لترتاح‭ ‬على‭ ‬السرير،‭ ‬ويسهر‭ ‬بجانبها‭ ‬حتى‭ ‬تغفو‭ ‬ويفعل‭ ‬المسكن‭ ‬فعله؟

وقد‭ ‬أعاد‭ ‬مينه‭ ‬تخيل‭ ‬الوجدان‭ ‬الأمومي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أعماله،‭ ‬ولكن‭ ‬جسده‭ ‬أشخاص‭ ‬ذكور‭. ‬وكمثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أذكر‭ ‬‮«‬الثلج‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬النافذة‮»‬‭ ‬1969‭ ‬فهي‭ ‬عن‭ ‬مناضل‭ ‬سياسي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬آلام‭ ‬مبرحة‭ ‬في‭ ‬غابات‭ ‬الأرز‭ ‬المكللة‭ ‬بالثلوج‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬كما‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬قبلها‭ ‬المسيح‭ ‬وهو‭ ‬يصعد‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬الجلجلة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭ ‬ساديا،‭ ‬ولا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬عقوبة‭ ‬فرضتها‭ ‬السلطات،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬لجوء‭ ‬للطبيعة‭ ‬وتطهير‭ ‬للروح‭ ‬من‭ ‬أدران‭ ‬الجسد،‭ ‬وعلى‭ ‬طريقة‭ ‬يسوع‭ ‬الذي‭ ‬أنجبته‭ ‬آلهة،‭ ‬أم‭ ‬غير‭ ‬مدنسة‭. ‬وكان‭ ‬يستنجد‭ ‬بيسوع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭ ‬بلسان‭ ‬امرأة‭ ‬اسمها‭ ‬هناء‭. ‬وإذا‭ ‬شتم‭ ‬القديسين‭ ‬بالعلن‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يستغفر‭ ‬منهم‭. ‬وفي‭ ‬يوميات‭ ‬جوزيف‭ (‬أحد‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية‭) ‬مشاطرة‭ ‬لآلام‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭. ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬قال‭ ‬‮«‬إننا‭: ‬حملنا‭ ‬صليبك‭ ‬معك‭ ‬من‭ ‬بيلاطس‭ ‬إلى‭ ‬الجلجلة‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬يضيف‭ ‬بصريح‭ ‬العبارة‭: ‬‮«‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬يحمل‭ ‬صليبه‭ ‬معه‭. ‬والفرق‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬حمل‭ ‬هذا‭ ‬الصليب‮»‬‭.‬

ويلتقي‭ ‬مينه‭ ‬مع‭ ‬ميلفيل‭ ‬و«موبي‭ ‬ديك‮»‬‭ ‬فبحارته‭ ‬يصارعون‭ ‬حياتهم‭ ‬على‭ ‬الميناء‭ ‬وينتشلونها‭ ‬من‭ ‬كبد‭ ‬البحر‭ ‬العملاق‭ ‬والفتاك،‭ ‬ولكن‭ ‬طبعا‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أعزو‭ ‬لمينه‭ ‬فلسفة‭ ‬خاصة‭ ‬أو‭ ‬برنامجا‭ ‬لرؤية‭ ‬فلسفية،‭ ‬فهو‭ ‬أبسط‭  ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬إنما‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬رؤية‭ ‬في‭ ‬الرجولة،‭  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يأخذ‭ ‬بقية‭ ‬أبعاده‭ ‬في‭ ‬مغامرات‭ ‬أبطاله‭ ‬على‭ ‬البر،‭ ‬ولاسيما‭ ‬الرحالة‭ ‬الباحثون‭ ‬عن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬أو‭ ‬التروبادور‭ ‬بالفطرة‭ ‬الذين‭ ‬يكتبون‭ ‬ملحمة‭ ‬بطولاتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أخلاق‭ ‬الغدر‭ ‬والسلب‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬غابوي،‭ ‬وأفضل‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬شخصية‭ ‬الخال‭ ‬التي‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬إشارة‭ ‬خجولة‭ ‬في‭ ‬‮«‬بقايا‭ ‬صور‮»‬‭ ‬1984،‭ ‬وكان‭ ‬قاطع‭ ‬طريق‭ ‬يختفي‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬المرتفعات‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬سوريا‭ ‬وتركيا،‭ ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬رجولي‭ ‬أخاذ‭ ‬أنه‭ ‬يستعمل‭ ‬عضلاته‭ ‬لينال‭ ‬حقه‭ ‬‮«‬وكأنه‭ ‬يردد‭ ‬الحكمة‭ ‬المعروفة‭: ‬الحق‭ ‬يؤخذ‭ ‬ولا‭ ‬يعطى‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬الحكومة‭. ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬لأخته،‭ ‬أم‭ ‬الولد‭ ‬الصغير‭ ‬حنا‭: ‬أنا‭ ‬وحدي‭. ‬وسأبقى‭ ‬دائما‭ ‬وحدي‭. ‬ثم‭ ‬يرفع‭ ‬بيده‭ ‬بارودته‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬استولى‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬دركي‭ ‬عثماني‭. ‬وغني‭ ‬عن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬آمن‭ ‬بالسلطة‭ ‬الفردية‭ ‬والاحتكام‭ ‬للذات‭ ‬ضد‭ ‬قهر‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬معا‭. ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬بذرة‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬أو‭ ‬الصورة‭ ‬الفردانية‭ ‬بقيت‭ ‬مطمورة‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬مينه،‭ ‬فعاد‭ ‬إليها‭ ‬وخصص‭ ‬لها‭ ‬عملا‭ ‬قائما‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬شرف‭ ‬قاطع‭ ‬طريق‮»‬‭ ‬2004‭ ‬وبه‭ ‬رسم‭ ‬الأبعاد‭ ‬الحقيقية‭ ‬لمعنى‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الفوضى‭. ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬أظن‭ ‬كان‭ ‬مينه‭ ‬مفتونا‭ ‬بالثورات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أهداف‭ ‬الثورة،‭ ‬وقد‭ ‬اهتم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬رواياته‭ ‬بالمراحل‭ ‬الانتقالية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يعنى‭ ‬بفترات‭ ‬الاستقرار‭ ‬والنظام‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية