د. أحمد الإسماعيلي مدهش حقا ذلك المشهد السياسي في تونس وليبيا، ففي دولة كتونس حيث تبدو العلمانية متوغلة بقوة في مؤسساتها السياسية والتعليمية وكذلك في بنيتها الاجتماعية إلى حد ما، نجد اخفاقا كبيرا في الانتخابات التشريعية لكافة التيارات والأحزاب اليسارية القائمة على فكرة علمنة الدولة وإحداث قطيعة مع الدين في مؤسسات الدولة المدنية، كما نجد انتصارا للأخوان يقوم على إعادة أسلمتها من جديد. في المقابل، نجد تقدما رائعا لليبرالية في ليبيا، تلك الدولة المحافظة في بنيتها الاجتماعية وسلوكها الديني، بلد المليون حافظ للقرآن الكريم، والتي لم تمارس بشكل مؤسساتي ما يعرف بالمجتمع المدني في بنيتها الادارية والسياسية والاجتماعية. إن ما يدهشنا حقا ليس فقط انتصار الليبراليين في المجتمع الليبي، بل الفارق الكبير بين عدد المصوتين للتيار الليبرالي والتيارات الاسلامية.
من هنا تكتسب الاشكاليات التي سنطرحها في هذا المقال مشروعيتها السياسية والمعرفية كذلك، لا من حيث ثنائية الانتصار والهزيمة للقوى السياسية في الدولتين بل كقراءة هامة لبدايات الصراع الفكري أولا والسياسي ثانيا في العالم العربي لكي نتمكن من رصد أهم الظواهر السياسية المصاحبة لثورة الربيع العربي وتجلياتها الاجتماعية والدينية والفكرية. لماذا انتصرت الليبرالية في ليبيا وفشلت في تونس؟ وقبل ذلك، هل سنعيش مدة طويلة نشهد صراعا فكريا وسياسيا بين قوى الأسلمة وقوى العلمنة في الوطن العربي؟ هل ستكون الدولة نقطة ارتكاز هامة في هذا الصراع أم أنها ستكون خارج دائرة المفكر فيه، بحيث يتحول الصراع من دائرة الاهتمام بالدولة وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية إلى دائرة المقدس حيث الانتصار للايديولوجيا والسماء على حساب الدولة والأرض؟ ما هي الليبرالية التي انتصرت في ليبيا ومن هم الأخوان الذين انتصروا في تونس؟ إن فهم المعادلة الاجتماعية والسياسية للدولتين التونسية والليبية في مرحلة ما قبل الربيع العربي وبعده هام جدا لكي نتمكن من فهم ثنائية الإنتصار والإخفاق في المشهد السياسي الليبي والتونسي.
لا أحد ينكر أن تجربة المجتمع المدني والمؤسسات العلمانية في ليبيا بسيطة جدا؛ بل تكاد تكون معدومة في ظل الحكم الشمولي الذي كان يمارسه النظام السابق في كافة المستويات السياسية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية، فكيف استطاع المجتمع الليبي أن يفهم المضامين السياسية والمدنية لمفهوم الليبرالية في تصوراته للإنسان والحياة وممارساته في النظم السياسية والبنى الاجتماعية؟ وربما نعيد السؤال بطريقة مختلفة لنقول: من انتصر في ليبيا إذن؟ هل انتصرت الليبرالية أم انتصرالعقل الاجتماعي الرافض للإسلام السياسي المتمثل في حزب العدالة والبناء، والإسلام الجهادي المتمثل في أنصار الشريعة والإسلام السلفي المتمثل في عبدالحكيم بالحاج؟ لا بد إذن أن نقوم أولا بقراءة نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام؛ لكي نتمكن من فهم العوامل والأسباب التي جعلت المجتمع الليبي يندفع بقوة الى الأحزاب اليسارية والليبرالية كخيار سياسي في إدارة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المرحلة القادمة.
عوامل عديدة أدت إلى فوز تحالف القوى الوطنية في ليبيا أبرزها الكاريزما السياسية والإدارية التي يتمتع بها محمود جبريل، المنحدر من قبيلة ‘ورفلة’ إحدى القبائل الليبية الكبرى الذي يفوق تعدادها المليون والنصف، وربما نستطيع أن نقرأ ملامح البعد القبلي في هذا الاختيار غير أننا لا يمكن أن ننسى الشخصية العالمية لمحمود جبريل ودوره الإعلامي الكبير الذي حدث أثناء المرحلة الانتقالية، فقد رأى فيه المجتمع الليبي الشخصية السياسية الأولى القادرة على إعادة ليبيا في مكانها الصحيح محليا وإقليميا وعالميا، أضف إلى ذلك تلك التحالفات القبلية التي أسهمت في فوز تحالف القوى الوطني خاصة الدور الذي لعبته القوى الاقتصادية والسياسية القديمة في المجتمع الليبي، فقد رأت تلك القوى في شخصية جبريل الوجه الأخر المتمثل في تاريخه مع النظام السابق ومصداقيته في المرحلة الانتقالية الحديثة، فهو إذن القادر – من وجهة نظر القلقين على دورهم السياسي في ليبيا الحديثة على القضاء على تربصات الثوار تجاه الموالين سياسيا للنظام السابق.
ليست شخصية جبريل هي التي لعبت الدور الكبير في انتصار القوى المنتمية الى الفكر الليبيرالي في ليبيا؛ بل ضعف الممارسة السياسية للإسلاميين هي التي أكسبت خصومهم نجاحا كبيرا، ففي حين يقوم تحالف القوى الوطنية باستغلال المساحات الإعلامية الكبرى في حملته الانتخابية لبث برامجه السياسية، نجد في المقابل الشيخ الغرياني ـ مفتي الدولة الليبية- يكتفي بالفتوى وتكفير كل من يصوت لمحمود جبريل والقوى الليبرالية، لقد استطاع تحالف القوى الوطنية أن يقطع الطريق منذ البداية عن مثل هذه الفتاوى التي رافقت الربيع العربي في مراحله الأولى في تونس ومصر وذلك باعلانه قبل أيام قليلة من الانتخابات بأن الشريعة الاسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع في ليبيا.
لقد افتقر الإسلاميون في ليبيا إذن الى الشخصية الكارزمية كتلك التي قادت حركة النهضة في تونس، كما افتقدوا الى شخصيات تكنوقراطية في الملفات التي تهم الناخب السياسي، وافتقدوا الى الحنكة في ممارسة السياسة بعيدا عن الدين، وانما اكتفوا باللجوء الى الفتوى كخلط بين السياسي والديني لممارسة الضغط الديني على الناخب السياسي. إن الأخطاء الكبرى التي مارستها الحركات الجهادية العنيفة هي التي دفعت بالكثير من الليبيين الى الابتعاد عن دائرة الإسلام السياسي، إضافة إلى القلق من عودة تنظيم القاعدة، أو على الأقل تحكم الحركات المتشددة في مفاصل الدولة سياسيا واقتصاديا كان باعث قلق في العقل الجمعي الليبي، ولهذا رأينا أن تحالف القوى الوطنية حقق انتصارا كاسحا في طبرق معقل الاسلاميين كما حقق انتصارا كاسحا في الخمس ومسلاته وزليتن حيث ضريح عبدالسلام الأسمر، الذي حاولت التيارات السلفية سابقا هدمه، كما كانت لها محاولات عديدة في نبش قبور الأشراف وهدم المساجد الأثرية التاريخية في هذه المدن. ومع انتشار الفكر الصوفي لوجود الأشراف الذين يمثل لهم عبدالسلام الأسمر رمزا روحيا، فإنهم رأوا في تلك الممارسات العنيفة امتدادا للفكر الطالباني في أفغانستان ولهذا قرروا التصويت بصورة كبيرة جدا لصالح قوى التحالف الوطني.
هناك نقطة هامة ونحن نقرأ العمق الديني للعقل الجمعي الليبي وهي أن المجتمع الليبي ليس مجتمعا أيديولوجيا في توجهاته الدينية، أي أنه لم يمارس الى الان الأيديولوجيا أو السياسة بشكل خاص في توجهاته الدينية، كما أنه لا يمارس الدين عبر القنوات الإعلامية الكبرى المنتشرة في العالم العربي، وإنما يمارسه بوسطية كبيرة كان للتاريخ وحده الدور الأكبر في تشكلها، ولا يمنعنا كرهنا للنظام الشمولي السابق من القول بأنه استطاع أن يحافظ على ما يمكننا أن نسميه بالإسلام البسيط أو الإسلام التاريخي في ليبيا، ولهذا لم تتوغل الأفكار الدينية المتطرفة في العقل الجمعي الليبي باستثناء بعض المدن البعيدة نوعا ما عن قبضة النظام والتي لها ظرفيتها التاريخية الخاصة. في مصراته العاصمة الاقتصادية والمزدحمة بكثرة المثقفين والأكاديميين فيها، وذات العداء التأريخي مع قبيلة ‘ورفلة’ والتي يتمركز فيها أحد أكبر الناشطين الإسلاميين وهو الشيخ علي الصلابي نجد أن المجتمع المصراتي المنتمي الى المكان لا إلى القبيلة تجاهل تماما سلبيات التاريخ القبلي، وتوجه بصورة كبيرة نحو تحالف القوى الوطنية أو الأفراد المستقلون ذي الخلفيات العلمانية والتوجهات اليسارية، مما يعكس لنا رغبة كبيرة لدى الشعب الليبي في تجاوز المصالح الذاتية والأنية والبدء في حركة إعمار الدولة، والبعد عن التيارات السلفية؛ أي الانتقال من الفكر المعتمد على القبيلة والدين في بناء الدولة الى الفكر المؤسساتي القائم على المجتمع المدني، المنادي بمأسسة الدولة وتنمية الانسان. وهو ذاته الذي حدث في جبل نفوسة في ليبيا حيث الزنتان والأمازيغ أكبر القوى السياسية والبشرية المتحكمة في الجبل الغربي، نقرأ بوضوح أن الاشكال العرقي والمذهبي؛ بل الاشكال التاريخي بشكل عام في هذا الجزء من التراب الليبي لم يكن له أثره الكبير في الاتجاه نحو التيارات الإسلامية، فقد اندمج الزنتان مع الأمازيغ في قتالهم للنظام الشمولي السابق، وها هم اليوم يشكلون اندماجا سياسيا آخر في توجهاتهم الانتخابية. أستبعد شخصيا وجود توجهات يسارية وعلمانية في البنية الاجتماعية للمجتمع الليبي بشكل عام والجبل الغربي بشكل خاص المتمثل في الزنتان والأمازيغ، حيث ما يزال نطاق التفكير في التوجهات الفكرية الحديثة ضعيفا، غير ان السبب الذي دفع الأمازيغ الى التوجه نحو تحالف القوى الوطني هو خوفهم أولا من التوجهات الإسلامية القادمة من الشرق، المناهضة ربما توجهاتهم الدينية المتأسسة على الفكر الاباضي، هناك قلق عندهم على دائرة الوجود، وثانيا قدرتهم على تحقيق مطالبهم التي يرون أنها مشروعة في ظل حكومة التحالف الوطنى أفضل بكثير منها في ظل حكومة اسلامية متشددة. إذن نستطيع أن نقول إن من انتصر في انتخابات المؤتمر الوطني العام هو العقل الاجتماعي والسياسي للمجتمع الليبي، وخوفهم من ظهور الإسلام المتشدد أو الإسلام السياسي، ولم ينتصر الفكر الليبرالي الذي لم يلعب أي دور فكري في قيادة التوجهات السياسية للمجتمع الليبي المحافظ. إلى جانب ذلك، فإن هذه الانتخابات لا يمكن أن نحدد من خلالها التوجهات الفكرية للمجتمع الليبي، فالسياق الزمني الذي شهدته الانتخابات سيتغير بلا شك سواء في شرائطه الموضوعية أو ظروفه التاريخية، فعندما تستقر ليبيا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا نستطيع من خلالها أن نفهم جيدا تلك التوجهات الفكرية للعقل الجمعي الليبي، وهذا لن يحدث قريبا.
تختلف تونس عن ليبيا اختلافا جذريا في كل مسارتها الفكرية والسياسية، بل حتى على مستوى التفكير الاجتماعي بالرغم من التقارب البسيط بين الجنوب التونسي والشعب الليبي، وبالتالي فإن المقارنة بين انتصار الليبرالية في ليبيا واخفاقها في تونس لا تعدو أن تكون مقارنة شكلية لا جوهرية، فالمجتمع التونسي تأسس على مؤسسات المجتمع المدني منذ زمن طويل، والمنهج العلماني قائم في كل مؤسسات الدولة التعليمية والإدارية والاقتصادية. ما يهمنا هنا ليست المقارنة بين التيار الليبرالي في تونس وليبيا ولا الأخواني في كلا الدولتين؛ بل ذلك النجاح الذي حققه التيار الإسلامي في دولة تأسست على فكر علماني منذ أكثر من خمسين سنة. مخطئ من يتصور أن العقل الجمعي التونسي اختار حركة النهضة بناء على برامجها الدينية وشعارتها في المقدس أو انتصارها لله على حساب الأرض، فحركة النهضة من أوائل الحركات الاسلامية في العالم العربي التي رفضت ان تكون الشريعة مصدرا للتشريع، بل ذهب المنظر الروحي للحركة راشد الغنوشي الى شرعية تغيير الدين وهو ما لم يحدث حتى في الحكومات الشمولية، ونجد في المقابل أن التيار الليبرالي في ليبيا كان أكثر مناداة بشرعنة الدستور الليبي وفرض الحجاب، وجعل الشريعة الاسلامية المصدر الوحيد للتشريع في ليبيا. هل هي إذن مفارقات فكرية أم هي لعبة ملحمة الانتخابات السياسية؟ هل صوّت العقل التونسي للحركة الأخوانية بدافع الكره للنظام العلماني السابق؟ هل يمكن لحركة النهضة أن تستمر في إقناع الشارع التونسي بقدرتها على توفير الأمن الغذائي والوظيفي؟ وبعبارة أخرى هل ستنتصر الشعارات المقدسة أم لقمة العيش؟ لا يمكننا أن نتجاهل الدافع الحقيقي الذي جعل العقل الاجتماعي التونسي يرى في حركة النهضة مخلصا له من نيران العلمانية التي استغلت قوت يومه، إن الربط بين العلمانية كمنهج سياسي في إدارة الدولة وبين النظام السياسي الدكتاتوري الذي كان يحكم تونس هو الذي أضعف كثيرا حظوظ القوى الليبرالية في انتخابات المجلس التأسيسي، فالشارع التونسي لم يكن مستعدا مرة أخرى لتجربة علمانية قد يكون بطلها نظام أخر أشبه بالنظام التونسي السابق، ولذلك فإن معظم المصوتين لحركة النهضة لم يكونوا ضمن أعضاء في حركة النهضة، ولم تستهويهم تلك الشعارات المقدسة التي تطلقها غالبا الأحزاب الإسلامية.
الدوافع النفسية للعقل الجمعي التونسي والليبي، والظرف الاستثنائي الذي حدثت فيه الانتخابات، والقلق من مآلات المصير؛ بل الخوف من عودة الدكتاتوريات القديمة هو المحرك الأساس في الانتخابات الديمقراطية التي حدثت في كلا الدولتين، وبذلك لا يمكننا أبداً قراءة المسار الفكري للعقلين التونسي والليبي إلا بعد دورتين أو أكثر ضمن دائرة الفعل الديمقراطي في دول ما يسمى بالربيع العربي، ولهذا سيظل الصراع بين علمنة الدولة وأسلمتها في الوطن العربي بشكل عام باقيا لسنوات قادمة.’ كاتب من سلطنة عمان