ثورات أم متغيرات داخل الحلف؟

حجم الخط
0

خليل قانصو إن مسعى السيد محمود عباس لدى مجلس الأمن الدولي و الجمعية العمومية للامم المتحدة من أجل نيل الإعتراف بدولة فلسطينية تفصلها عن دولة أسرائيلية ‘حدود الرابع من حزيران 1967’ ، يرتجع أمام المراقب الهزيمة العسكرية التي قصمت في ذلك التاريخ ظهر نظم الحكم في مصر و سوريا و العراق والأردن، و نتج عنها إحتلال الإسرائيليين لقطاع غزة و شبه جزيرة سيناء، و كامل الضفة الغربية لنهر الأردن و هضبة الجولان السورية. رفضت الجماهير العربية آنذاك الإستسلام، و خرجت إلى شوارع المدن وأعتصمت في الميادين تعبيرا عن هذا الرفض و عن الإصرار على ضرورة المقاومة. لم يهدأ ذلك الحراك إلا بعد أن قطعت، نظم الحكم المنكسرة، عهدا على نفسها بأن تلملم فلول جيوشها و تحسن أعدادها وتجهيزها و تصلح قيادتها لتعود في أقرب و قت ممكن إلى ساح القتال هذا من ناحية بالأضافة إلى عدم أعتراض نشاط الأفراد و المنظمات التي بادرت إلى الكفاح المسلح ضد المستعمرين الإسرائيليين من ناحية ثانية.

كان الرد على العدوان الإسرائيلي في حزيران 1967 ، مطلبا جماهيريا لم تكن نظم الحكم تقتدر على التهرب من تلبيته. لذا استجابت له سنة 1973 في 6 تشرين أول على شكل هجوم أنطلق على جبهة قناة السويس، عرف بالعبور، و على جبهة الجولان السورية سمي بالحرب التحريرية. لقد تخللت هذا الهجوم تقلبات فجائية أبطنت دلالات مثيرة للريبة. منها على سبيل المثال عزل رئيس اركان الجيش المصري و تدخل القيادة السياسة في إدارة العمليات العسكرية في سيناء ضد رأي القيادة العسكرية و خلافا للخطط الموضوعة لبلوغ الأهداف المرجوة. و أستنادا لهذا المعطى، تكتسب مسألة الدولة الفلسطينية و العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 أهمية كبيرة، بما هما دليلان قاطعان لا بد من الاخذ بهما من و جهة نظري، لفهم ما جرى على الساحة العربية بدءا من وقف إطلاق النار على الجبهة المصرية سنة 1973 وأنتهاء بتنحي الرئيس المصري حسني مبارك في 11 شباط 2011 من جهة و لتسليط الضوء على طبيعة العلاقة التي تربط حكومات البلاد الغربية الإستعمارية بنظم الحكم العربية من جهة ثانية. أستطاع نظام الحكم في كل من مصر و سوريا ان يبني شرعية جديدة لنفسه، بديلا عن تلك التي أسقطتها هزيمته العسكرية في حزيران 1967 ، تأسيسا على الإنتصار الذي أدعى أنه أنجزه في حرب 1973. ظل هذا الإنتصار إلى حين ظهور التشقق في جبهة نظم الحكم العربية، أي إلى ان توقفت الحرب العراقية الايرانية سنة 1988 ، مفهوما يـُحظر أنتقاده فضلا عن أن المعابد و النصب التي أقيمت لتشرين في سورية و لأكتوبر في مصر أحاطته بشيء من القدسية. لم يتجسد هذا الإنتصار بخروج المستعمرين من الجولان و الضفة الغربية و بعودة السيادة المصرية كاملة إلى سيناء. و ليس أدل على هذا من قرار السيد محمود عباس الذهاب إلى الامم المتحدة لطلب الأعتراف بدولة فلسطينية على الأراضي التي إحتلها الإسرائيليون في حزيران 1967. فما نتج عنه في الواقع هو تصالح و اكاد أن أقول تحالف بين نظم الحكم العربية في مصر و سوريا والعراق من جهة و بين دول الغرب الحليفة لدولة اسرائيل من جهة ثانية. و أظن ان الأحداث التي تركت اثرا كبيرا في البلاد العربية طيلة الحقبة التي هلـّت بعد حرب تشرين، تكشف أستعاديا عن أن تلك المصالحة أرتكزت على أستعداد الدول الغربية المعنية للتوسط لدى أسرائيل مقابل تعهد نظم الحكم العربية بصرف النظر عن الحرب و المقاومة لاسترجاع الارض و الحقوق. تبلور ذلك بصورة جلية على شكل مؤتمرات و حوارات دولية بحثا عن حلول للصراع العربي الإسرائيلي من ناحية وسياسات قمعية انتهجتها نظم الحكم، بدعم من أمراء النفط و تشجيع و تغطية من الدول الغربية، أسفرت عن تصفية الحركات السياسية الوطنية، و فصائل المقاومة المسلحة في دول المواجهة مع دولة المستعمرين الإسرائيليين من ناحية ثانية. من المرجح أن تكون الدول الغربية قد رأت الآن، أن الأوضاع نضجت لكي تنكث العهد بينها وبين بعض الحكام العرب مثلما سبق لها وتخلت في اميركا اللاتينية عن نظم حكم الضباط الذين قضوا على الأحزاب التقدمية و على النقابات العمالية في سبعينيات القرن الماضي. أغلب الظن ان الخسائر التي لحقت بالمجتمعات العربية تجاوزت أقصى الحدود. لقد تلاشى الجمع الوطني في كثير من الاقطار و لم يعد المشترك الوطني معروفا من الناس، فتحولوا إلى فئات و مذاهب و عشائر تباعد بينها المصالح المتعارضة و الولاءات المتناقضة. لعل تردي الأمور بلغ حدا يلائم تسويات يريد المستعمرون إقرارها. فالديمقراطية تكون عقيمة و ضارة أذا أنتشر الجهل و زرعت الأحقاد وأثيرت العصبيات و النعرات القبلية و المذهبية و العرقية. ينجم عنه، أن الولايات المتحدة الاميركية و حلفاءها في اوروبا عندما يتخلون عن نظام الحكم يستتبع ذلك إقدام أمارات النفط الخليجية على التحريض ضده في المجال العربي و الدولي وعلى دعم الحراك المناهض له. لذا يجد النظام نفسه في عزلة عربية و دولية بعد أن كان محط الأنظار، يلتمس منه القريب و البعيد النصائح و المساعدة. فلا يبقى أمامه من سبيل لكسر الحصار سوى التصالح مع الاطراف الوطنية التي ترى أن مأزق النظام يتيح الفرصة لإجباره على الموافقة على صفقة و طنية تمهد لقيام نظام سياسي جديد يحافظ على الكينونة الوطنية و يرتكز على دعائم القانون العادل. و جملة القول أن حسم الصراع الذي ينشأ بين نظام الحكم العربي من جهة ودول الغرب وأمراء النفط من جهة ثانية، يتوقف في نهاية المطاف على حجم الخسائر التي تسبب بها هذا النظام في النسيج الإجتماعي الوطني نتيجة أنسياقه أمام أصدقاء الامس أعداء اليوم. إذ ليس مستبعدا أن تطلب دول الغرب الصلح و أن يقبل النظام به إذا إقتضت حاجة تلك الدول إلى ذلك فيطمئن عندئذ و يعود إلى ممارسة القمع و الإنتقام و الإفساد. و من المحتمل ايضا أن يصعـّد الغرب ضغوطه على النظام إلى درجة التدخل المباشر أو غير المباشر كجره إلى اشتباكات مع جيوش الدول المجاورة. من المؤكد في هذه الحال أنه سيسقط و لكن سيسقط معه الوطن أيضا كما أثبتت التجارب حتى الآن. و أخيرا يمكن أن يكون الخلاص عن طريق إعلان نظام الحكم و ضع جميع الطاقات الوسائل من أجل عقد أوسع تحالف بينه و بين الاطراف الوطنية التي ترفض بنيته و نهجه، وترفض في الوقت نفسه إملاءات دول الغرب و إغراءات أمراء النفط، مما يعني ضمنيا تخلي النظام عن بنيته الحالية و عن النهج الذي يسلكه و المشاركة مع الأطراف الوطنية الاخرى في البحث عن بدائل لهما.

من البديهي أن دول الغرب ستحاول، بكل الوسائل أبعاد إحتمالية أن تتوصل الاطراف الوطنية إلى حل ليس إقتراحا قدمته، أو لا يتضمن شروطا و ضعتها. هنا المفترق. فإن اخفقت يكون الحراك ثوريا و إن نجحت يكون الإنحلال الإجتماعي قد بلغ مرحلة نهائية، فيتجزأ الوطن ويتفرق سكانه و في أحسن الاحوال تأخذ طغمة مكان الطغمة السابقة.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية