الاحتجاجات العالمية ضد البورصات واصحاب البنوك والشركات الكبرى قد امتدت لتشمل حوالي الف مدينة حول العالم. الجماهير الغاضبة على هذا التحالف غير المقدس تميل نحو الاعتصام حول مقرات البورصة والبنوك في العديد من المدن اجل فك هذا التحالف.
المخاطب هو الحكومات ‘المنتخبة’ والمطالب (بضم الميم) هو الرأسماليون على اختلاف اصنافهم بوقف تلاعبهم بمصائر بلايين البشر جريا وراء اشباع جشع لا قرار له.
اترك الجانب الاقتصادي الصرف في هذه الظاهرة غير المسبوقة في التاريخ شكرا للثائر العربي ونموذجه المشرف في تونس ومصر وسورية، اقول سأترك هذا الجانب لاهل الاختصاص. اما الجانب السياسي لهذه الظاهرة العالمية فقصة تعلن عمليا بداية التاريخ نحو عالم تديره الشعوب فعلا لا ادعاء. بالامس القريب وعلى اثر سقوط الاتحاد السوفييتي خرج ‘علماء’ سياسة مشهورون واعلنوا ‘نهاية التاريخ’ بانتصار ‘ الديمقراطية’ على الشيوعية او الاشتراكية.
قيل لنا بان الشعوب قد حسمت امرها وانحازت الى الطريق ‘الديمقراطي’ والاقتصاد الحر لنظام وحيد اثبت جدارته في قيادة النشاط والاجتماعي الانساني، وهكذا انتهى في نظر هؤلاء الصراع حول النظام الفاضل والافضل. العالم، قالوا لنا، قد اهتدى الى ‘المدنية الفاضلة’ والتعبير للمفكر العربي المعروف الفارابي.
لقد امضى هؤلاء في احتفالات النصر واخذوا ‘يهزجون’ لصندوق الاقتراع، وتناوب السلطة والقضاء المستقل، وتعدد الاحزاب وتكونت حول العالم منظمات بلا عدد ولا حصر تعرض خدماتها على الشعوب الجديدة الداخلية الى العصر ‘الديمقراطي’ لكي يعلموهم الاقتراع واجراء الانتخابات وكتابة الدساتير وتكوين الاحزاب وتأليف اللوائح. وكلما جرت انتخابات في بلد ما يخرج مندوبو هذه الهيئات في تلك البلدان ليصدروا احكاما على ‘شفافية’ تلك الانتخابات من عدمها، اي مقارنة النسخ بالاصول.
انا ككاتب مغمور جاء من بلد عربي هو لبنان لاكمال دراسته في الفكر السياسي وفي جامعة نيويورك وقضى بعد الدراسة نحو عقد من الزمان في الامم المتحدة وحولها وراح يراقب ديناميكية نظام ‘الشعب وبالشعب وللشعب’ في امريكا وانتهى به الامر الى الكفر بهذا النظام واختار صفحة المنبر في ‘القدس العربي’ لاعلاء هذا الكفر عبر الوف المداخلات القصيرة خلال عقد ونصف من الزمان.
قلت مئات المرات بان الشعب لم يكن يوما مصدر السلطات في بلاد ‘الديمقراطية’ وان الدولار هو مصدر السلطات الحقيقي وان ما شهده الغرب ليس اكثر من ‘خديعة ديمقراطية’. وقد جادلت مرات ومرات بان الرأسماليين ومفكري المدرسة الرأسمالية قد خرجوا بخارطة سياسية تحمل اسم الشعب عبر مقولة ‘حق الانتخاب’ ولكن من اجل الحفاظ على السلطة السياسية بأيدي الرأسماليين بعد هيمنتهم على ‘السلطة’ الاقتصادية اي على المجتمع بكافة هيئات الانتاج والخدمات فيه.
ملايين المخدوعين اليوم يطالبون ‘بديمقراطية حقيقية’ في ساحات وشوارع حول الف مدينة حول العالم. من كان يتابعني خلال العقد ونصف الماضيين يدرك باني كنت واحدا ممن كانوا يطالبون ‘بالديمقراطية الحقيقية’ عبر كشف التزوير في ديمقراطية اهل البنوك والشركات الكبرى. ولقد وعدت بعنونة اول كتاب اصنعه بـ’الخديعة الديمقراطية’. وهكذا فاني اعتبر نفسي اليوم اسعد طالب علوم سياسية على وجه الارض. ولشدة ايماني باكتشافي المبكر للتزوير في العملية الديمقراطية الغربية فقد كتبت الى قادة عرب وقائد غير عربي عارضا عليهم تصوراتي الاولى لذلك التزوير. لقد كتبت للشهيد صدام حسين وكتبت ايضا للرئيس المأزوم بشار الاسد. صدام حسين اوحى لسفيره في الامم المتحدة بتكريمي بعد تلقيه رسالتي والرئيس بشار الاسد او مكتبه لم يؤكد وصول رسالتي. ولسوف انشر هذه الرسائل في المستقبل.
القراء يدركون بأني قد قاربت المسألة الديمقراطية من منظور ديمقراطي. وعبر الملاحظة والاستقراء اكتشفت بان العرب هم اول شعب في التاريخ (لا اليونانيين كما يعتقد البعض) عرف النظام الديمقراطي الحقيقي ومجتمعهم كان مجتمعا رعويا وزراعيا وقبليا صرفا. اني هنا اشير الى تجربة الخلفاء الاربعة ديمقراطية الخلفاء الاربعة قامت على اساس المشاركة الكاملة للشعب في اختيار الحاكم والمشاركة الكاملة للشعب في اختيار الحاكم هي المفقود الاول في نظام ‘حق’ الانتخاب الذي ابتدعه الرأسماليون الانتخاب او ‘البيعة’ في نظام الخلفاء الاربعة هي آلية يشارك فيها كافة وجهاء المجتمع دون اقصاء. و’أمرهم بينهم شورى’. الكل شركاء في الشورى ديمقراطية الراسماليين هي ‘عرس بمن حضر’ ولم يحدث ولو مرة واحدة ان حضر الشعب كله الى صناديق الاقتراع وهكذا يذهب 20′ من الامريكيين لاختيار الرئيس مثلا ويربح الرئاسة مرشح حصل على 10′ . نظام الخلفاء الاربعة يقول ان الكل يجب ان يصوت ومن يفوز يحصل على النسبة الاعلى من المصوتين (كل الشعب ما عدا المرضى والغائبين). شرط مشاركة الشعب كله في الاقتراع هي الاساس الذي تحايل عليه الرأسماليون عبر عدم النص على وجوب الاقتراع. ومتى اصبح الاقتراع واجبا تدفع الضريبة انتصب العامود الاول في الديمقراطية الحقيقية التي يبحث عنها ملايين المخدوعين في البلدان ‘الديمقراطية’. احمد سرورنيويورك