أبت الأقدار الإلهية إلا أن ترد الاعتبار لتونس الخضراء والشعب التونسي الشقيق، الذي لم يكن فقط يهان من لدن النظام البائد المستبد، بل وحتى من طرفنا نحن الشعوب حين كنا نطلق أحكامنا على هذا الشعب بأنه هو من اختار الذل وأسلم مصيره للحاكم وأصهاره وأعوانه. لكن هذا الشعب العظيم الذي تتفجر من عروقه الحياة لقننا درسا بليغا وخلد اسمه في التاريخ الإنساني بثورة عظيمة طردت رمز الظلم بعيدا إلى أحضان أشباهه، وليدخل محمد البوعزيزي رحاب التاريخ كمفجر أعظم ثورة في القرن الحادي والعشرين. وكما أن القليل من آمنوا بالشعب التونسي قبل الثورة فإن الذين يستطيعون الإجابة عن سؤال: لماذا أحرق البوعزيزي نفسه؟ هم، إلى يومنا هذا، أقل بكثير مع شديد الأسف. رشح الكثير من المراقبين مصر للسبق بالثورات، إلا أن تونس كان لها رأي آخر. كانت مصر ترقب الثورة التونسية ببالغ الاهتمام كونها المعني الأول برد الاعتبار لهذه الأمة، لا سيما وأن الرئيس المخلوع أمعن في إهانة الفلسطينيين وتشديد الخناق عليهم، فكانوا ينتظرون بالأيام ليسمح لهم بالعودة إلى ديارهم بعد أداء فريضة الحج، كما كان سببا مباشرا في سب شهداء الجزائر العظام، إضافة طبعا إلى إجباره الملايين من المصريين على الوقوف في طوابير طويلة لتحصيل شبه رغيف خبز. هذه لوحدها تهمة موجبة للإعدام في عرف الشرع وميزان العدل. رسم الشباب اليمني صورة أخرى حضارية لثورات الكرامة والحرية، وحدا فاصلا لتطاول سائق القطار على الركاب الذين نبذوه وحاصروه وحاربوه وكادوا يودون بحياته. ليضطر إلى التخلي عن الحكم وهذا طبعا شأن يمني خالص. فرغم دخول الأوصياء القدامى على خط التفاوض بين المعارضة الشعبية والنظام، ليس حبا في اليمنيين طبعا ولكن رغبة من الجار الشمالي في السيطرة على الأوضاع، هذا الجار الذي باتت ترتعد فرائصه من النفس الثوري للأمة ضد كل أشكال الظلم. لكنه سيدرك، إن عاجلا أم آجلا، شاء أم أبى أن الكلمة بعد الله هي للشعب. نخطئ كثيرا حين نعتقد أن الثورة السورية هي أولى كبوات الكثير من المنابر الإعلامية والشخصيات السياسية بالمنطقة، والتي انفضحت نواياها لتتضح الصورة كما هي، دون تنميق. فقبل الثورة السورية كانت ثورة البحرين. الثورتان تنشدان الكرامة والحرية اللتان دحرتا في البحرين الشقيقة على أيدي قوات ‘درع الجزيرة’، حيث لم تطق السعودية أكثر من شهر على بداية الثورة لترسل أزيد من ألف عسكري سعودي ظهروا في وسائل الإعلام بعد أيام وهم يرفعون بكل وقاحة شارات النصر وكأنهم حرروا فلسطين. هبة سعودية سريعة لنصرة القمع والظلم تستحق دخول سجل غينيس. أما من أصبح ذات يوم من سنة 2002 وقال للشعب البحريني أنا ملككم الأعلى فإن في مزبلة التاريخ متسع له ولأمثاله، تاريخ سجل عليه واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية هذا القرن. كما أن وقاحة النظام البحريني بلغت أوجها هذه الأيام حين تقدم بمقترح لإنشاء محكمة حقوق إنسان عربية للقمة العربية العادية في الدوحة أواخر مارس/آذار. شعب آخر كان حقه في الحرية والكرامة مصادرا قبل الثورة، حيث ساد الفساد والظلم والقمع في ليبيا آنذاك، إلا أن أحفاد عمر المختار لم تنقصهم الشجاعة لافتكاك الحرية ولمواجهة أشد أشكال القمع ضراوة. صحيح أن القوى الكبرى سارعت إلى التدخل للتعجيل بإسقاط النظام عكس ما كان عليه الأمر مع الثورة السورية، بدافع المصالح طبعا وليس لحماية المدنيين، إلا أن من حق الشعب الليبي كما كل شعوب العالم أن ينعم بالحرية. وما على هذا الشعب إلا أن يكون في مستوى رقيه الحضاري العريق. اختلفت طبيعة التحدي مع الثورة السورية، فبعد نجاح الثورة الليبية في إسقاط النظام، تأمل الشعب السوري الشقيق الكثير من المجتمع الدولي، ظنا أن هذا الأخير سقطت عليه كسوة إنسانية من السماء! كما أنا اعتدنا توالي سقوط الأنظمة كأحجار الدومينو. إلا أن الحجر السوري كان ثابتا بحكم توازن القوى الداعمة لكل من النظام والمعارضة، لتسقط الثورة السورية المزيد من الأقنعة، ولتقفل دكان الدبلوماسية العربية بالشمع الأحمر بدماء الشعب الذي أبداً هو أول من يدفع الثمن وآخر من يحصل المكاسب. نعود إلى أكثر القضايا عدالة في العالم لنقول يا ليتنا استفدنا من دروس فلسطين، وهي كثيرة، لكي نجنب أنفسنا كل هذه الخسائر في الأرواح. وحدهم الفلسطينيون من يفهم معنى الثورة، فهم آباؤها وأبناؤها. وهي بحسبهم ليست مجرد فورة، بل هي التزام صادق بمكافحة الظلم من المهد إلى اللحد، فيملأ نفوسنا الخجل من هذا الشعب العظيم الذي سطر لنا عنوانا مشرقا لهذا الربيع العربي وهو: الانتفاضة الفلسطينية الثالثة. لكن شعوب الأمة لم تحسن قراءة العنوان وركض الكثيرون خلف وهم الديمقراطية.مصعب السوسي طنجة [email protected] qmn