ثورة الإعلام وعولمة الثورة د. طارق غرماويشهدت العديد من دول العالم المتقدم موجات من الغضب والاستياء الشعبي العارم تجسدت في خروج مئات الآلاف من المحتجين على تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية للطبقات المتوسطة التى ما فتئت تتفاقم يوما عن يوم. منددين بتواطؤ المسؤولين السياسيين مع ذوي الأموال المتنفذين في الأوساط المالية الذين استغلوا هذا التحالف للمزيد من الهيمنة الاقتصادية و تجميع الثروة، على حساب قواعد المنافسة والشفافية والمصالح القومية لتلك الدول. وكانت أولى شرارات الاحتجاجات قد اندلعت في منتصف مايو المنصرم باسبانيا حيث احتشد المئات من الشباب الاسباني بساحة ‘لابويرتا ديل صول’ بمدريد عشية موعد الانتخابات المحلية و الجهوية للتعبير عن رفضهم لإجراءات التقشف التي انتهجتها حكومة بلدهم، وارتفاع نسبة البطالة التي عمت صفوف الشباب، ولأجل إسماع صوتهم إلى الأحزاب السياسية مهددين بمقاطعة الانتخابات.
وقد لاقت هذه الاحتجاجات ترحيبا واسعا في أوساط الشباب الأوروبي الذين خرجوا بدورهم في مظاهرات مؤيدة لمطالبهم داعين في الوقت ذاته حكومات بلدانهم إلى اتخاذ التدابر الفورية للحد من غلاء المعيشة، و ارتفاع نسب البطالة التي استفحلت على نحو غير مسبوق. وقد شهدت اليونان أكبر حركة للتظاهر في القارة العجوز نظرا للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، وعجز الحكومة اليونانية عن التخفيف من الاثار الاجتماعية للأزمة.
ولم يكن أحد يتوقع انتقال شرارة الاحتجاج إلى إسرائيل في يوليوز المنصرم لأنها، من ناحية، تعرف أعلى معدلات النمو الاقتصادي في العالم بنسبة 4.8/ خلال السنة الجارية، و بنسبة بطالة جد متدنية لا تتجاوز 5، 7% وهي نسب ما تزال الدول الغربية المتقدمة تحلم بها، ولأنها من، ناحية أخرى، تنظر لتحركات من هذا النوع على أنها إضعاف لكيانها الذي يطارده هاجس الاستقرار الأمني و الاجتماعي.
كما أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت تشهد بدورها حركة احتجاج لا مثيل لها في تاريخ البلاد تعد بحسب’ نيكولاس دينكان’ أحد الخبراء الاستراتيجيين في الشأن الأمريكي تعبيراعن الاستياء العميق الذي ما فتئ يأخذ في اكتساح المجتمع الأمريكي بسب عجز مؤسسات الدولة الأمريكية عن تدبير القضايا الحساسة التي تهم الأحوال المعيشية ل 99/ من المواطنين الأمريكيين مقابل 1% من ذوي الثراء الفاحش الذين تحملهم الشعارات المرفوعة في هذه الاحتجاجات، التي تنادى إليها الشباب الأمريكي عبر شبكة الانترنت، المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد اجتماعيا و اقتصاديا ; حيث ارتفع عدد الباحثين عن مناصب الشغل من 7 إلى 9، 1% مع تقلص فرص العمل وندرتها. ومن المتوقع أن تصل نسبة البطالة في البلاد إلى 11% مع نهاية السنة الحالية. إن ما يلفت الانتباه حقا في الحراك الشبابي الذي طفق يعرفه الشارع الغربي خلال الأشهر القليلة الماضية هو كونه انطلق أشهرا قليلة على بداية الربيع العربي الذي نجح، بحسب عالمة الاجتماع’ سيسيل فان دو فيليد’، في إقناع شباب العالم بأن التغيير السلمي للأنظمة الفاسدة ممكن و ميسور، وأن التظاهر يمكن أن يسفر عن التغيير الإيجابي الذي يشرئب إليه شباب الفئات المتوسطة التي تضررت كثيرا من سياسات مالية تبين أنها لا تخدم سوى الأوساط المالية الجشعة و تزيد من ثرائها الفاحش.
ولم يفت المتتبعين أن يسجلوا نقاط التقاطع بين حركة انتفاضة الغاضبين في دول الشمال، وثورات التغيير في العالم العربي و ذالك على مستوى التسيير السلمي للتظاهرات، وغياب زعامات تقود الحراك الشعبي، و التوجه نحو نفس الهدف و المتمثل في البحث عن بدائل لأنظمة سياسية و اقتصادية أضاعت ثقة الناس فيها مع فارق أنه في العالم العربي كانت الثورة على أنظمة مستبدة، وفي العالم الغربي كانت المطالبة بالمزيد من الديمقراطية و المشاركة السياسية و العدالة الاجتماعية. واللافت في هذا الحراك العالمي، كذالك، الفعل السحري الذي قامت به وسائل الإعلام (القنوات الفضائية)، ووسائل الاتصال الحديثة( خاصة الأنترنت بمختلف تطبيقاته التواصلية: البريد الالكتروني، و غرف الدردشة، ومواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع تسجيلات الفيديو…( في سيرورة الفعل الديمقراطي العالمي، و ذلك من خلال إتاحة التواصل بين المنظمين للاحتجاجات، و تمكينهم من تعبئة المزيد من المواطنين، وتنمية وعيهم بضرورة التغيير، وحشدهم للتظاهر، و توحيد الشعارات، وجدولة الخروج إلى الشارع، وتحديد مسارات المظاهرات، وفضح ما قد يحدث من تجاوزات للسلطات الأمنية أثناء مواجهتها للمتظاهرين.
ونظرا لهذا التأثير الواسع و العميق الذي أدته هذه الوسيلة الاتصالية، فإن الكثير من الباحثين صار يميل إلى تسميتها ب ‘السلطة الخامسة’، وهي سلطة ما فتئ دورها يتعاظم عربيا و دوليا في مختلف الميادين السياسية و الاقتصادية والاجتماعية خاصة في ظل الإقبال المتزايد على شبكة الانترنت ومختلف الخدمات التواصلية التي يوفرها، إذ بلغ عدد مستعملي الانترنت، حسب الاتحاد الدولي للاتصالات التابع لهيئة الأمم المتحدة، ملياري مستخدم خلال السنة الجارية، بعدما لم يتجاوز مع بداية سنة 2000 مئتي وخمسين مستخدم فقط. ويعزى هذا الإقبال المتزايد إلى سهولة استخدام هذه الوسيلة الاتصالية وانتشارها على نطاق كوني واسع، وإتاحتها لفرص التعبير الحر المنفلت من الرقابة الصارمة الممارسة على وسائل الإعلام الأخرى.
فإذا كان ‘ميشيل سينيكال’ الباحث الكندي في مجال الاتصال التلفزي قد قلل من أهمية القنوات الإذاعية والتلفزية في تطوير الفعل الديمقراطي باعتبار هذه الوسائل مملوكة لرجال أعمال أو نظم سياسية منغلقة، فإن الأمر يختلف كثيرا بالنسبة للانترنت الذي يعد، في تقديرنا، أهم وسيلة من وسائل الثورة المعلوماتية القادرة على المساهمة بفاعلية في فرض الإرادة الشعبية في الحرية و الكرامة والديمقراطية، وصناعة التغيير المطلوب كما قدمت الأمثلة الصارخة على ذلك الثورات العربية الأخيرة.
ففي الحالة المصرية تبث أن قطع شبكة الإنترنت لا ينجح دائما في منع مستخدمي هذه الوسيلة الاتصالية من الاستمرار في استعمالها. فبعد أن أقدمت السلطات المصرية على وقف هذه الخدمة للحؤول دون تواصل المتظاهرين، بادر بعض مستعملي الإنترنت إلى تزويد الشباب المصري بأرقام تمكنهم من استعادة الاتصال بالشبكة من جديد.
وفي الحالة التونسية لم تقف عملية القرصنة التي تعرضت إليها مواقع النشطاء السياسيين من طرف بوليس الرئيس المخلوع بنعلي، مانعا دون التحصل على برامج تحمي حواسيبهم من أي اختراق.
إن حديثنا السابق عن دور وسائل الاتصال الحديثة، وخاصة الانترنت، في الحراك الذي عرفه و يعرفه الشارع العربي والشارع الغربي لا يعني أننا نعتبر ثورة الإعلام و الاتصال محددا لما يشهده العالم من تحولات، وإنما المقصود منه إبراز دورها في وضع العالم أمام حركة اتصال غير مسبوقة ساهمت و تساهم في تناقل المعلومات و الأفكار التي من شأنها أن تفضي، كما تنبأ ‘بيل غيتس’، إلى تغيير جذري في تشكيل العالم من حيث أوجهه المختلفة’. تغييرلا يخدم دائما المتروبولات الاقتصادية كما يريد أن يردد البعض، وإنما ينحازأيضا إلى الشعوب المستضعفة و يصب في مصالحها. *كاتب من المغرب[email protected]