باريس ـ من الطيب ولد العروسي: توفي المناضل الشيوعي ‘كريستيان بوونو’ يوم الأحد 20 ايار/مايو 2012، عن 88 سنة، وهو من مواليد الجزائر، حيث وهب حياته من أجل استقلالها وذاق الكثير من العذاب صحبة بعض رفاقه، عرف بتواضعه الشديد حسب كل معارفه، ألف كتابا بعنوان ‘زيتونة مكودة’ صدرت طبعته الثانية له حديثا في الجزائر، وللتعرف على حياة هذا المناضل نقدم قراءة لمؤلفه الذي يروي فيه جزءا من حياته ونضاله ويقدم في نفس الوقت شهادته حول ثورة التحرير الجزائرية:
هناك مسارات إنسانية تبحث عن الحق والعدل والمساواة وتدافع عنهما مهما كلفها الأمر، حتى وإن تطلب ذلك منها أن تضحي بنفسها من أجل القضايا العادلة! وهناك مسارات غريبة جدا تسير في الاتجاه المعاكس للحق والعدالة!! ذلك كله نراه مجسدا في الواقع الإنساني التراجيدي الذي يمر بالعنف والدمار والخراب مثلما حدث في ثورة التحرير الجزائرية، التي ذهب ضحيتها مليون ونصف مليون شهيد من أبنائها الخيّرين البررة، الذين أحبوها لأنهم عاشوا فيها والتمسوا وقائعها وحللوها ففهموا الحقيقة بموضوعية، وتلك حقيقة تجسّدت عند الكثير من الأوروبيين الذين تعاطفوا مع الثورة ومع قيم التحرير ورفضوا المستعمر إيمانا بإنسانيتهم النبيلة المشبعة بمبادئ الأخوة والتسامح والحرية ومساندة الحركات التحررية في العالم.
ذلك ما نلمسه ونكتشفه لدى قراءتنا لكتاب كريستيان بوونو ‘ Christian BUONO’، الصادر في الجزائر، عن منشورات ‘أرك أونج (Arch ange في طبعته الثانية (صدرت الطبعة الأولى في باريس) وهو بعنوان: ‘زيتونة مكودة (جزائري من أصل أوروبي في حرب الجزائر ‘ lOlivier de Makouda (، تقع هذه الرواية- الشهادة في 123 صفحة، وقد كتب لها مقدمة المناضل والمحلل السياسي ‘جيل بيرو Gilles Perrault ‘المعروف بكتاباته ضد الاستعمار والاستغلال وبمواقفه الشجاعة، كما كتب لها مقدمة أخرى المناضل السياسي المعروف ‘هنري علاق Henri Alleg’ الذي كان رئيس تحرير جريدة ‘الجزائر الجمهورية’ الناطقة بلسان الحزب الشيوعي’ وكلاهما يؤكد على إخلاص كريستيان في نضاله وحبه للجزائر، وعلى مواقفه الثابتة ضد الاستعمار الغاشم. ويلتقيان في تقييم واحد لهذه الشخصية الاستثنائية ويشددان على ‘تواضعه الشديد وصدقه الكبير’. والجدير بالذكر أن ‘كريستيان كان صهرا للمناضل المعروف موريس أودان (Maurice AUDIN) متزوجا بأخته، وكان كريستيان يحارب على عدة جهات كفرنسي يساعد ويعمل كل ما في وسعه لتعيش الجزائر حرة مستقلة، وكان شيوعيا، فلم يكن محبوبا أو مقبولا من قبل الاستعمار الذي كان يرى في أمثاله رجال موسكو، وأن كل ما يقومون به هو من أجل موسكو وليس من أجل فرنسا. مات صهره موريس أودان في ريعان شبابه تحت التعذيب ولم يتعد عمره اثنين وعشرين ربيعا.
أراد كريستيان من خلال هذه الشهادة أن يعيد الاعتبار لموريس أودان الذي كان السبب في إدخاله للحزب الشيوعي وكان يمثل بالنسبة له ‘أخا ورفيقا وصهرا عزيزا’. عاش كريستيان المولود سنة 1923 جزءا من طفولته وشبابه في الجزائر وتخرج من جامعة الجزائر ثم اختار أن يكون معلما فتتقل في عدة مدن جزائرية، غير أن أحداث روايته هذه تبدأ من سنة 1955 من ‘مدينة مكودة’ بالقرب من تيزي وزو، منذ البداية يوضح بأن أصله الفرنسي الأوروبي لم يمنعه من أن يقف مع ثورة عادلة مقتنعا بالانضمام إليها ومدافعا عن أهدافها، وهو يروي قناعته هذه عبر نص أدبي قسمه إلى 36 لوحة أو نصا يتراوح كل نص بين صفحة وأربع صفحات، إذ أن كل فصل يتمم الذي قبله. وتبدأ هذه النصوص بشهادة حول وضع المدرسة التعيس و بؤس التلاميذ وفقرهم المدقع، وفقدان أبسط الأشياء التي يحتاجها المدرس والتلميذ من أجل سير الحياة الدراسية بشكل سليم.
أما النص الثاني فهو يتكلم عن المفتش الذي زار المدرسة والقسم الذي كان يدرس فيه كريستيان دون أن يحرك إنسانيته وضع المدرسة ولا وضع التلاميذ، الذين كانوا يدرسونهم ‘التاريخ الرسمي بحكم أنه كان يخاطبهم بأنهم أولاد الغولوا’ واضعا كلمة ‘غولوا’ بين قوسين، وقد جاء هذا المفتش وهو يعرف مسبقا نشاط المدرس بالتالي لم يعره أي اهتمام مما آثار تساؤل التلاميذ حول هذا الشخص العجيب الغريب، النص الثالث كان بعنوان ‘ زيتونة مكودة’ وهي شجرة بيع زيتونها وأنفقت الفلوس لتهيئة قطعة أرض لكي يستطيع التلاميذ أن يقوموا بتمارين رياضية وعلى رأسها كرة القدم.
ويواصل المؤلف رسم الصورة التي كانت تتجسد يوما بعد آخر من الاستعمار، فكانت ثورة التحرير ما تزال في السنة الأولى من انطلاقها، وقد أخذ الشيوعيون ينتظمون على مسمع ومرأى من السلطة الحاكمة، إذ جرت انتخابات في البلدة وحصل الشيوعيون على سبعة أصوات، مما يدل على وجود نواة شيوعية من الفرنسيين والجزائريين، وأن هذه النواة جندت في الخفاء لخدمة الثورة في البداية، غير أن السلطة كانت ترصد تحركات كل فرد من أفرادها. ويروي الكاتب أي البطل كريستيان أنه ذات مرة كان أمام المدرسة وإذ بشاحنة عسكرية تتوقف ويترجل منها عسكري شديد العطش، اتجه نحو الحنفية التي كانت موجودة بالقرب من كريستيان، فطلب من العسكري أن لا يشرب منها، غير أنه لم يبال بهذا التنبيه وقال:’لعن الله هذه الحروب القذرة التي نخوضها من أجل الاستعمار.. جيش البؤس.. ماذا نفعل ونحن نمر من هنا عدة مرات في اليوم، إنهم يأخذون المجاهدين كأوغاد’ ثم صعد إلى الشاحنة حين ناداه مسؤوله بصوت عال.
هذه الأحداث وغيرها قوت عزيمة كريستيان في الاستمرار في نضاله، فهو يحدثنا مثلا عن صهره موريس أودان الذي كان أستاذا للرياضيات ويعالج المشكلات التي تتعرض لها الجامعة آنذاك، إذ يلاحظ أن هناك انقسامات بين الطلبة والأساتذة الذين كانوا في أغلبهم يساندون الاستعمار. ورغم ذلك فهناك من كانوا ضد هذا الوجود الفرنسي الاستعماري وعلى رأسهم موسى ودليلة، وكان موريس أودان يوصيه دائما بأن يكون حذرا، لأن كريستيان واصل عمله كمناضل وراح يتصل بالرفاق ويحمل لهم الرسائل ويأويهم في بيته ويوصل لهم الأمانات.
يروي كريستيان تصاعد الأعمال التخريبية التي كان يقوم بها من أتوا ‘لتحضير الشعوب’ بالرصاص والاستغلال البشع، هذا العمل الذي يندى له الجبين ويحار له العقل البشري، حتى أن زميلا له في العمل كان يحييه على عمله لكنه لم يكن يتفق معه عندما كان يتكلم عن ‘المشكل الجزائري’ الذي يعتبر أنه غير مطروح أساسا، يقول الكاتب إن هذا الزميل ‘عرف مع الأيام ما كنت أتكلم عنه وعن موريس أودان الذي كنت دائم التحدث عنه’ وعن التنظيم الشيوعي المحاصر من طرف الاستعماريين ومنظماتهم الرهيبة، والتي كانت تتبع خطواتهم وتعاملهم ‘مثلما تعامل المجاهدين الجزائريين’، بل ربما بطريقة أفظع لأن هؤلاء الأوروبيين المناضلين في الحزب الشيوعي ‘أحسوا بواجبهم’ وبالدفاع عن آرائهم ومعتقداتهم وعن الحق، وهنا بدأ كريستيان تنقله بين الجزائر العاصمة وبعض المدن الجزائرية، ويروي أنه بعد أن غير مكان سكنه مع زوجته وأولاده في الجزائر، جاءته الشرطة في الهزيع الأخير من الليل، وذلك بعد أن كتب منشورا بعنوان ‘… لا نذهب ولا نكون أجانب’ حث فيه على واجب الشيوعيين على أداء واجبهم وعلى الدفاع عن الجزائر والجزائريين، وراح يكشف فيه ألاعيب الاستعمار وبطشه، ويرى بأن الحل الوحيد هو عودة الأرض لأصحابها ورحيل هؤلاء المعمرين منها، لأن لا مكان لهم في أرض يحرمون أصحابها منها، وطالب ‘الحرية واستقلال الجزائر’ وأن الشيوعية هي ضد الظلم والاستغلال الطبقي، ومع المساواة والعدالة والحق.
بعد هذه الزيارة الليلية بدأت رحلة أخرى، إذ اقتيد إلى سجن ‘بربروس’ بالجزائر العاصمة، وأن الملازم الذي أوقفه ويدعى ‘فالبيرغ’ Valberg كان قد أصيب في حرب الأندوشين وكان يقول وهو يقتاد كريستيان نحو السيارة ‘ إن العرب وأصدقاءهم سيدفعون الثمن غاليا مكان الأندوشنيين’ وعندما فتشوا البيت عثروا على وثائق مهمة فصرخ العسكري قائلا ‘عثرت على كنز موسكو’ كما قبض على الزوجة وبحوزتها مبلغ من المال، اعتبره العسكري ‘مال الفرنسيين’ لكن الزوجة دافعت عن نفسها ببسالة قائلة بأن هذا المبلغ هو من ثمرة عملها هي وزوجها، مما فاجأ العسكري الذي قال لكريستيان ‘ أنت وغد، كيف، عندك امرأة معلمة، وسيارة وثلاجة وتعمل مع العرب؟’. طلب السجين السماح له بأن يقبل أولاده النائمين، وإذ بالشرطي يقول له ‘ودعهم لن تراهم بعد اليوم’ لكن زوجته ‘شارلي’ صاحت فيه وقالت له لا تهتم أنا أتكفل بالأولاد إلى اللقاء. وهنا دفع به الشرطي داخل السيارة وعصب عينيه، وراح كريستيان يفكر في من وراء هذه العملية ومن أعطى للشرطة إمكانية القبض عليه. ‘ إذ ربما كان هناك رفيق لم يستطع تحمل العذاب دلهم على مكان وجوده’ ثم يتكلم عن موريس أودان الذي توفي تحت التعذيب ولم يعثرعلى جسده، وكان ذلك في شهر حزيران 1957 بالقرب من الجامعة المركزية.
يمر السجين بمراحل عذاب فردية وجماعية رهيبة، إذ راح مثلا بعض الشرطة يخترعون قصصا حول تعذيب أسرته وأولاده لكي يحطموا معنوياته، كما كان يمر بفترات تعذيب جسدية رهيبة وغير إنسانية ليرغمه جلادوه على أن يدلهم على أماكن وجود الرفاق والاعتراف، كما كانوا يقومون بقتل بعض السجناء المحكوم عليهم بالإعدام على مسمع ومرأى من رفاقهم، وكان السجناء من كل مكان يرفعون أصواتهم بأناشيد النصر باللغة العربية أو الفرنسية، ليرفعوا معنويات الذين كانوا يساقون إلى الإعدام، وضع كريستيان في حجرة وسخة صغيرة لا تتوفر فيها أبسط شروط مراعاة إنسانية الإنسان، التحق به في شهر أغسطس/ اب1957 رفيقاه هنري علاق وموريس، في الزنزانة نفسها، حيث عكف هنري علاق على الكتابة في السجن، واستطاع أن يهرب مخطوطته بعدما انتهى منها عن طريق بعض الرفاق، ونشرت في باريس عن منشورات ‘لوساي’ تحت عنوان ‘المسألة’ إذ حركت ضمير بعض المثقفين الفرنسيين ووجدت انتشارا كبيرا بحيث راح بعض المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان يهتمون أكثر بسجناء الحرب وبالسجناء السياسيين في الجزائر.
كان كريستيان في الزنزانة رقم 72 ويحمل رقم السجين 1248، وكانت شجاعته وثباته قد لفتت انتباه الحراس وبعض السجانين، إذ اقترب منه أحدهم وقال له ‘إنني ضد الشيوعية، ولكنني أحترمك’ وتوالت الأيام وظل كريستيان صامدا حتى أتى شهر نوفمبر 1957 إذ نقل مع بعض السجناء إلى سجن الحراش الكبير. وكان التعذيب قد ذهب ببصره حتى غدا لا يبصر بوضوح. وفي الحراش وجد نفسه في مكان أوسع فكان بوسعه أن يخرج إلى ساحة السجن ويحكي مع السجناء، وقدم نقدا لاذعا للحزب الاشتراكي الذي كان في الحكم وزكى بصمته ما يجري في الجزائر من تعذيب وقتل وعندما وصل الجنرال ديغول إلى سدة الحكم غير من بعض المعاملات في السجون، مما أعاد الثقة لبعض السجناء في إمكانية الدفاع عن أنفسهم وبحلمهم بأن تصبح ‘الجزائر حرة مستقلة فعلا.’تدهورت صحة كريستيان فنقل إلى مخيم ‘لودي’ القريب من مدينة المدية الذي يقول عنه بأنه تقريبا كان مجمعا للشيوعيين الذين عذبوا في السجون، وكان منهم العالم والمؤرخ وعالم الاجتماع، لكن وضع كريستيان الصحي زاد سوءا مما دفع بالمسئولين عن المخيم لتحريره ولكن بشروط كثيرة من بينها لزوم بيته وعدم الخروج من العاصمة، طلب منه التوقيع على هذه الشروط ففعل بعد أن وافق رفاقه، ويقول حينما عاد إلى بيته ذات يوم من أيام شهر نوفمبر 1959 ‘كان يوما رائعا من أيام الخريف. تركتني الشرطة في المدية.. وكنت مترددا بين أن آخذ القطار أو سيارة أجرة.. كنت لا أملك أي سنتيم، لم يكن عندي حل آخر إلا تأدية ثمن السفر عند وصولي البيت’. كما وصف وصوله إلى البيت وسعادة زوجته وأولاده الذين كبروا، كما استقبله بالترحاب جيرانه و تلاميذه الذين بدؤوا ينادونه ‘بالمجاهد’ وكانت هذه الوقائع تختلط عنده بذكرياته في السجون وفي النضال. ورغم أن بعض زملائه شجعوه على الفرار لأن الحكم القضائي الذي ينتظره سيكون قاسيا عليه، فإنه قرر البقاء مع أهله وأولاده خاصة وأنه كان في ‘عطلة’ مرضية، كما طالب أن يرجع إلى عمله وذلك ما تحقق له، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن، إذ استدعته المحكمة وحكمت عليه بخمس سنوات سجنا خفضت إلى ثلاث سنوات بعد تدخل المحامي.
أثناء المحاكمة سأله رئيس المحكمة إن كان لديه ما يقول فأجاب وقال: ‘تحيا الجزائر’ فاضطربت القاعة وواصل يهتف: ‘تحيا الجزائر حرة مستقلة’ ثم طلب المحامي من كريستيان أن يوقع على الاستئناف مما ترك له بعض الوقت، وكانت تلك خدعة قانونية وجدها المحامي. وحينما خرج من المحكمة اتصل ببعض رفاقه في العاصمة فأخذوه إلى مكان ما بالجزائر ليدخل حياة السرية، حيث كان يساعد رفاقه في كتابة أدبيات الحزب ووضع العناوين لكي ترسل للمنخرطين، ويعيش إما وحيدا أو مع رفيق أو رفيقين. عاش كريستيان في ظروف عصيبة مفعمة بالبؤس والأمل، وما كان يهمه هو ‘الحرية للجزائر’ والحرية للسجناء’ وللذين يعيشون في السر والخفاء مثله.
ومع مرور الأيام وتفاني المجاهدين في الجبال والمدن والأرياف في الدفاع عن الحرية والاستقلال، راح الاستعمار يتبدد يوما بعد آخر، وبدأت بوادر الأمل تبزغ في أرض الجزائر وأصبح الاستقلال الذي لا مفر منه قريبا، غير أن ‘المنظمة الرسمية’ التي كونها بعض الجنرالات والعسكر بدأت تقوم بأعمال قتل وتدافع عن ‘الجزائر فرنسية’ فوقع الكثير من التجاوزات وقتل بعض الجزائريين ومسانديهم فقد أظهر أعضاء المنظمة ‘حقدهم الدفين تجاه الشيوعيين’ وزرعوا الرعب سواء في الأحياء الأوروبية أو الأحياء العربية، فعم الخوف واقفرت الشوارع، لكن كريستيان كان من حين لآخر يخرج إلى الشارع إما لإيصال بعض الأشياء أو لقضاء بعض الأمور، وكان سائرا بالقرب من البريد المركزي ذات يوم، عندما رأى والد زوجته حيث يذكر في كتابه مشاعره في تلك اللحظة:’ذات يوم جميل من شهر أيار/ مايو 1962 حوالى الساعة الواحدة، حينما كان القليل من الناس يمشون في الشارع، رأيت لويس ‘حماي’ يمشي بتؤدة باتجاه البريد المركزي حيث يعمل، يسير وهو متعب بعد ثلاثين عاما من العمل المضني، ويمشي بصعوبة، مسكين لويس لم تكن الحياة سهلة معه.. فبعد أن عرف اليتم وطفولة شاقة وصعبة، ها أنتذا تضيع ولدين عند نشأتهم وبعد ذلك موريس الذي توفي معذبا بأيدي المظلين.. كما أنك ترى ابنتك في كآبة مستمرة مع أولادها، هذا النسيب الذي يحبك كثيرا ولكنه لا يعمل أي شيء مثل الآخرين’ إنه إحساس بالغ الإنسانية، وأن الحياة في الظل أو السر في كل لحظة يتقلب ‘عنها الأمل وتصبح ثروة’. بزغ فجر الاستقلال يوم 5 تموز/يوليو وخرج كريستيان من هذه الحياة ليلتحق بأهله، ويصف عودة الأمل والحرية للشارع الجزائري، وهو يتكلم في كتابه عن مجيء بن بلة وكيف استقبلته حشود الجزائريين وأعلن عن الاشتراكية والتسيير الذاتي مما دفع بكريستيان ورفاقه لمواصلة كفاحكم وأعادوا إحياء جريدة ‘الجزائر الجمهورية’ التي راح يشرف على توزيعها في عدة أماكن من الجزائر العاصمة، كما صدرت جريدة الشعب بعدها بشهور، وذات يوم زار بن بلة المدرسة التي كان يعمل فيها كريستيان ورأى بأنه لا يوجد بها مطعم مدرسي فأمر ببنائه ووعد بأنه سيعود لافتتاحه، وفي موعد التدشين كان بن بلة على موعد مع ‘سفير أمريكا غير أنه ألغى موعده معه وأتى ليشاركنا الفرحة ‘ وعرفت الجزائر عودة الهدوء وحل الفرح محل الألم، كما راح كريستيان يلتقي مع بعض رفاقه ومع بعض السجناء ومع بعض تلاميذه الذين أصبحوا مسؤولين في بعض القطاعات. كما عرف بعد الاستقلال بأن الكثير منهم استشهدوا في سبيل أن تعيش الجزائر حرة مستقلة.
هذه اللقاءات المختلفة كانت تزيده فخرا واطمئنانا، لأنه وصل إلى نتيجة مفادها أن الكفاح كان هو الحل، ولهذا واصل نضاله في الحزب الشيوعي متصرفا كجزائري، اختار البقاء في الجزائر بعد استقلالها، لكن انقلاب 1965 غير مساره، إذ داهمه البوليس بعد اليوم الثاني من الانقلاب يتهمه بمشاركة أولاده في مظاهرات ضد النظام الجديد مما دفع به إلى التفكير بمغادرة بلده الجزائر التي دفع من أجلها الكثير سواء بوفاة أناس من أسرته أو رفاقه أو هدر صحته، فانتقل إلى مدينة في ضواحي باريس حيث يعيش حتى اليوم مع أولاده، وكان هذا الانتقال صعب عليه وعلى أولاده الذين راحوا يتساءلون عن سبب تركهم لبلدهم، كما واصل كريستيان الاهتمام بكل الأحداث التي عرفتها الجزائر وهو يعيش على أمل العودة إليها هو وأولاده.
بقي كريستيان على علاقة برفاقه الذين بقوا في الجزائر أو الذين أجبروا على مغادرتها، وظل يراسل جيرانه وأحبابه وتلامذته الذين لا يتوانون عن زيارته عندما يمرون بباريس وهو يسألهم عن البلد وأهلها وعن زملائهم، كما ظل محافظا على أوراقه كجزائري فقط حتى سنة 1967، ثم أخذ الجنسية الفرنسية ولا زال محتفظا بالجنسية الجزائرية التي تعتبر بالنسبة إليه مصدر افتخار وسعادة، فهو ليس نادما على ما قام به، بل يشعر بأنه قام بواجبه ضد الفاشية والاستعمار.
، في حلقة من حلقات الكفاح المتمثلة في ثورة التحرير الجزائرية، وهو الأوروبي الذي اختار مع عائلته الانضمام إلى الجانب الجزائري، فهو صاحب مسار استثنائي يكشف في كتابه هذا الذي يقول عنه هنري علاق في مقدمته: ‘ إن كريستيان وزوجته شارلي كانا مقتنعين بانضمامهما إلى ثورة التحرير، وكان اختيارهما طبيعيا وتلقائيا كاختيارهما لمهنة التدريس. ليس من أجل تعليم الأطفال القراءة والكتابة فحسب بل حتى يصبحوا رجالا ونساء أحرارا في جزائر جديدة.’أما جيل بيرو فيقول في مقدمته إن كريستيان كان ‘ لا يحب أن يمجد تاريخه، هل يمكن أن نقول له اننا نحبه لأنه لم يتغير من أجل الحاضر والمستقبل؟ أنني أشكر الكاتب الذي أتاح لي أن أضع هذه المقدمة المتواضعة. إنه لشرف كبير لي أن أضع اسمي بجانبي اسمه واسم هنري علاق على نفس غلاف الكتاب، وكأنه يستقبلني في زنزانته رقم 72 في سجن بربروس في الجزائر العاصمة وفي فضاء ‘لا يتجاوز مساحة مخصصة لركاب في قطار قديم’ حيث كان شرف فرنسا مسجونا’. إن شهادتي هذين الرجلين المهمين تبينان أن كريستيان بوونو قد أدى جزءا من واجبه نحو الجزائر التي عاش فيها وأحبها كثيرا، وانطلاقا من مبادئ تؤمن بسعادة وحرية الإنسان أينما كان. رغم أنه لم ينعم بالاستقلال كما كان يريد لأنه اضطر إلى مغادرة بلده وكان هذه المرة يكتوي بظلم ذوي القربى ‘الأشد مضاضة’ كما يقول المتنبي.