د. عمر عاشور ‘يدوسوا علينا بالدبابات أحسن ما نعيش عبيد عند مبارك… أنا مش ماشي من هنا’، جملة قالها صديق لي، قبل أن يتمدد سريعاً أمام إحدى دبابات الجيش، بعد ان سرت شائعة حول قرب اقتحامها لميدان التحرير، لتجهز على قلب الحركة الديمقراطية في مصر. هذه الشائعات لم تأت من فراغ، فتعامل نظام مبارك مع الأزمة في البداية اقتصر على اجراءات القمع، التي اشتملت على هجمات عنيفة من قبل قوات الأمن المركزي، واختطاف وتعذيب من قبل جهاز أمن الدولة، واستخدام التكتيك المعروف في الانتخابات، وهو الاستعانة بما يسمى ‘البلطجية’. هؤلاء هم خليط من رجال أمن بلباس مدني، وأرباب السوابق الجنائية، ومأجورين معروفين بممارستهم العنف. ولزيادة التنكيل الممنهج بشعب مصر، تم الإفراج وتسهيل خروج 17 ألفاً من المجرمين المدانين في السجون دفعة واحدة.’ويهدف هذا التكتيك لتحويل الوضع من ثورة لأجل الديمقراطية إلى عنفٍ عشوائي يضطر فيه المواطنون للعودة لبيوتهم للدفاع عن عائلاتهم، ثم نزل الجيش وأصدر البيان الشهير الذي أكد فيه أنه لن يستخدم العنف ضد المحتجين، كما أكد شرعية مطالبهم. تغير هذا الموقف ببيان آخر أصدره الجيش وطالب فيه المحتجين بالعودة إلى بيوتهم، لأن مطالبهم ستلبى. أما على الأرض فكانت التهديدات من قبل بعض القيادات العسكرية قائمة في بعض الأحيان. فقائد المنطقة العسكرية المركزية تحدث مع المحتجين في الخامس من شباط/ فبراير، وأخبرهم بأن هناك طرقا أخرى للتعامل معهم، ثم أشار إلى الدبابات. قوبل تلميحه برفض عاصف من المحتجين، واضطر للخروج سريعا من الميدان. موقف هذا القائد اختلف كثيراً عن مواقف الضباط الأصغر، فقد تعاطف الكثيرون منهم مع المحتجين، وأكد بعضهم أن الجيش هو جيش مصر وشعبها لا جيش النظام المستولي عليها. اعتمد نظام مبارك على عصاتين غليظتين: الأمن المركزي وقوات الجيش، كسر الأولى شباب مصر بدون عنف، واختارت الثانية الحياد السلبي. وتحول النظام إلى تكتيكات ‘الجزرة’ التي تبدأ بوعود براقة بمعاشات وعلاوات مجزية، ودعم للسلع الأساسية، مع تقديم أكباش فداء، وإقالة عدد من أسوأ وجوه النظام. فأقيل جمال مبارك وأحمد عز وصفوت الشريف، وكلهم من قيادات الحزب الوطني، وممن يعتبرهم الشعب المصري رموز الفساد. كما أعلن التلفزيون الرسمي، المسيطر عليه من قبل النظام، تحويل وزير الداخلية السابق اللواء حبيب العادلي للنيابة العسكرية، إلا أن تقارير مستقلة نفت هذا. واستمر تكتيك ‘الجزرة’ وسياسة الوعود البراقة، ومنها أن يقود حسني مبارك عملية التحول الديمقراطي والفترة الانتقالية قبل أن يتنحى في ايلول/ سبتمبر2011. ولكن انعدام الثقة في وعود النظام ومن يترأسه، منعت أغلبية المصريين من تصديق وعود مبارك، فبغض النظر عن الرغبة والقدرة على تنفيذ تلك الوعود، وهما تقريباً منعدمتان، تاريخ مبارك الطويل في الالتفاف على الوعود ونقضها لا يشجع على الثقة به. فقائمة العهود المنقوضة تبدأ من1981 عندما أعلن مبارك أنه جاء لفترة رئاسية واحدة، ليدعم الاستقرار في مصر بعد اغتيال الرئيس السادات، ثم تحولت الفترة الواحدة إلى ست فترات لم تستقر مصر خلالها كثيراً، وعندما استقرت لم يكن مصدر الاستقرار العدالة الاجتماعية أو ارتفاع مستوى المعيشة أو التمثيل السياسي الموسع، كما في بقية دول العالم الحر، وانما مصدره إرهاب الدولة والقمع المنظم وعصي الأمن المركزي. أما في 2005 فقد مبارك وعد بإنهاء قانون الطوارئ، وبعد ست سنوات لازال القانون حياً وحامياً للنظام، وازداد عنف الشرطة وشراستها وصارت نموذجاً لمقولة اللورد اكتون الشهيرة: ‘القوة تفسد والقوة المطلقة تفسد تماماً’. كَذِب الطغاة، ونتائجه الكارثية موثقة جيداً في تاريخ مصر الحديث. فبين تموز /يوليو 1952 وتشرين الاول/ أكتوبر 1954 استطاع المقدم جمال عبد الناصر أن يحول النظام السياسي في مصر من نظام شبه ديمقراطي إلى ديكتاتـــــورية عسكرية. كانت سياسة عبد الناصر ممنهجة، ومن أبرز نتائجها منع الأحزاب السياسية، وحل البرلمان المنتخب، واعتقال وتعذيب السياسيين المعارضين، وفتح النار على مظاهــــراتٍ سلمية، وإعدام قيادات عمالية مضربة. لم يحتمل المصريون هذا الظلم، وفي 28 شباط/فبراير 1954 حاصر ما يقرب من مليون مصري عبد الناصر في قصر عابدين. واشتملت مطالبهم على اعادة الحكم المدني وعودة العسكر إلى الثكنات والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، ورفع الحظر عن الحياة السياسية. وكان عبد الناصر محاصراً ومضغوطاً، فوعد بالإصلاحات وأقسم على احترام الوعد وتعهد باجراء انتخابات حرة في حزيران/يونيو 1954 (أي بعد أربعة أشهر). وعلى هذا الأساس الواهي (وعود بالإصلاح) أقنع عبدالقادر عودة ـ أحد قادة الإخوان ـ المحتجين بالانصراف. ودفع المصريون ثمن هذه الخطيئة 57 سنة من حريتهم، وكرامتهم، وقوت أولادهم وأحفادهم. والسيد عودة لم يكن خائناً، ولكنه كان أصغر كثيراً من مستوى حدثٍ فيصليّ في تاريخ مصر الحديث. تم اعتقال الرجل في نفس الليلة التي أنقذ الديكتاتورية وأطال عمرها، من دون قصد، وتم اعدامه بعد ذلك في كانون الثاني/يناير 1955. والدروس المستفادة من هذه الحركة هي في غاية الأهمية في الوقت الحالي. فأمامنا ثلاثة عوامل حاسمة لقضية التحول الديمقراطي في مصر: استمرارية وتوسيع التظاهر في ميدان التحرير، وميادين أخرى في القاهرة وكذلك المدن الأخرى. ضغوط المجتمع الدولي على النظام القمعي ليقبل بالديمقراطية. دعم ـ أو على الأقل حياد ـ الجيش المصريالعامل الأول والثاني موجودان بقوة، ولذلك تراجع مبارك من خطبته الأولى (التي تجاهل فيها المحتجين واستخف بمطالبهم) إلى حوار الـABC الذي قال فيه انه ‘تعب من الرئاسة’، ليعطي نفسه مخرجاً إن اضطر للخروج. وفضل أن يذكر ذلك لكريستيان أمانبور، لا لملايين المحتجين الذين يطالبون برحيله منذ 12 يوماً. ولكن خلاصة الأمر أن مبارك متشبث بالسلطة، ولذلك يجب أن تستمر الضغوط لإنقاذها من براثنه. فعلى جانب المحتجين صار تنظيم الصفوف وتوحيد المطالب حتمياً لإنجاح الثورة، وكذلك التحضير لحكومة خبراء (لا سياسيين) موازية، تهدف بالأساس إلى إعداد البلاد لانتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي. ومن ناحيته قدم المجتمع الدولي الدعم اللفظي فقط لثورة الحرية، وقد حان الآن وقت الأفعال لا الأقوال. فلا يمكن أن يُقتل مئات المصريين ويُصاب الآلاف منهم بسبب سياسة العنف الممنهج لنظام مبارك، ولا تتم ملاحقة قادة هذا النظام قضائياً في الداخل والخارج. فالكثير من عمليات قتل المصريين العزل، وإطلاق الرصاص من سيارات الإسعاف المختطفة، ومحاولات دهس المصريين من قبل سيارات الشرطة صورت ورآها العالم كله، ليكون شاهداً على مستوى القمع وعلى إجرام من استولوا على الدولة المصرية ومقدراتها بسلاح العنف.
أما العامل الحاسم الأخير فهو الجيش ـ الذي يتأثر بالطبع بحجم المشاركة في الثورة وصمود ونضوج وشجاعة مناضليها، كما يتأثر أيضاً بمواقف المجتمع الدولي. ولكن في نهاية الأمر لم يتخل الملك فاروق ـ هو يبدو للمصريين الآن في رقة ونقاء الأم تيريزا عندما يقارن بمبارك ـ عن العرش إلا عندما وجه العقيد عبد المنعم عبد الرؤوف (المعروف ‘بمنعم الأسد’ بين زملائه) مدفع دبابته صوب قصر رأس التين في الاسكندرية، وأجبر فاروق على التنازل عن العرش. كانت الحركة قاسية، ولكنها أنقذت مصر من حمام دم. فقد كلف تغيير 1952 مصر قتيلاً واحداً بسبب تخلي فاروق عن العرش سريعاً. أما في2011 عندما صار التغيير السياسي في معظم دول العالم مجرد مسألة انتخاب سلمي في الصندوق، دفع المئات من شباب مصر أرواحهم والكثير من دمائهم لأجل الديمقراطية والحرية وانهاء الديكتاتورية. والمسؤول الأول الأخير عن إزهاق هذه الأرواح الطاهرة هو حسني مبارك ونظامه. محاضر في العلوم السياسية ومدير برنامج الدراسات العليا في سياسة الشرق الأوسط في جامعة إكستر البريطانية