ثورة (الدرجة الصفر من) الكرامة

حجم الخط
0

مالك التريكي

عشية ‘جمعة الإصرار’ أصدرت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان بيانا أعلنت فيه أن جرائم التعذيب لا تزال مستمرة في مصر! وكانت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب أصدرت بيانا أواخر أيار (مايو) يتطابق في فحواه مع التصريحات التي أدلى بها مقرر الأمم المتحدة بشأن التعذيب والمعاملة القاسية، غير الإنسانية والمهينة: أن التعذيب لا يزال مستمرا في تونس! وأشار بيان المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني إلى المفارقة الكبرى المتمثلة في استمرار التعذيب رغم أن الشرارة الأولى التي أطلقت الثورة المصرية هي حادثة تعذيب الشاب خالد سعيد وقتله. واستنكرت المؤسسة دوام ‘الفلسفة الأمنية… التي لا تزال تعتمد على منطق العنف الأمني واستخدام القسوة وصولا إلى التعذيب الجسدي.. والنفسي سواء بمبرر الاعتراف أو الإدلاء بمعلومات أو للتسلية أو للانتقام’. وقالت إنه حتى بعد نجاح الثورة وقعت ممارسات تعذيب كثيرة أسفر عنها مقتل ‘مواطنين مصريين أحدهما في قسم الأزبكية والآخر بيد ضباط قسم مصر القديمة’، كما وقعت ‘حالات تعذيب فجة في قسم الساحل وأخرى في الإسكندرية’. وأوردت المؤسسة هذه الوقائع المحزنة بتفاصيلها وتواريخها مع أقوال الشهود وأقرباء الضحايا. حيث أن ابن عم ضحية قسم الأزبكية، على سبيل المثال، قال إنهم لما تسلموا جثة الضحية، الذي كان يعمل سائق ميكروباص، كانت في حالة مفزعة ‘شفنا الجثة حاجة رهيبة. عبارة عن جسم كله أزرق زي المحروق، شكله كهربا متعذب تعذيب موت’. وقالت المؤسسة، في ملاحظاتها على أداء الشرطة المصرية بعد الثورة، إن من المفترض أن تكون هيئة الشرطة هيئة مدنية نظامية بحسب وصف الدستور المصري، لكن صفة المدنية هذه لا تنطبق عليها في الواقع إلا من حيث أنها تتعامل مع المدنيين! إذ إن كثيرا من أفراد الشرطة مستمرون، ولو بدرجة أقل من السابق، في التعامل مع المواطنين ‘بمنطق القبيلة’، حيث يتم رد الاعتداء على أحد أفراد الشرطة بـ’تأديب المنطقة التي حصل فيها الاعتداء’، تطبيقا بذلك لمفهوم ‘العقاب الجماعي الذي تقوم به الأنظمة الاستبدادية القمعية ضد شعوبها’. وكان مقرر المم المتحدة بشأن التعذيب والمعاملة القاسية، غير الإنسانية والمهينة خوان منديز أعلن في ختام زيارة ميدانية استمرت أسبوعا أواخر أيار (مايو) أن التعذيب لا يزال مستمرا في تونس. ورغم أنه استدرك بأنه لا يمكن القول إن التعذيب ‘منتشر على نطاق واسع’ أو أنه يمارس بشكل ‘ممنهج’ في تونس ما بعد الثورة، فإنه أكد وقوع حالات شملت الاعتداء بـ’الركل والضرب والتحريق بالسجائر’. وأعربت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب أيضا عن بالغ قلقها بشأن استمرار الشرطة وقوات الأمن في اقتراف جرائم التعذيب وسوء المعاملة وبشأن استمرار المجرمين منهم في النجاة من العقاب. حيث أن ‘اللاعقاب’ لا يزال هو القاعدة السائدة في تونس، حسب قول المنظمة. كما ذكر حقوقيون تونسيون أنهم تلقوا شهادات من محتجزين ‘تعرضوا للتعذيب بعد الثورة، بل إن بعضهم تعرض للاغتصاب’. صحيح أن الحكومة الانتقالية أودعت لدى هيئة الأمم المتحدة وثائق التصديق على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب. وصحيح أنها تعهدت بالنظر في تنفيذ ما قدمته لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب من توصيات كان قد رفضها النظام السابق. كما أن من اللزام الانتباه إلى أن استمرار التعذيب أثناء الفترات التي تعقب سقوط الأنظمة الدكتاتورية مباشرة ليس بالأمر غير المعهود. وهذه حقيقة ذكر بها خوان منديز، الذي كان هو ذاته ضحية للتعذيب عندما كانت بلاده، الأرجنتين، تحت الحكم العسكري. إلا أن من اللزام كذلك الاعتبار بقوله إن المعول هو على السلطات، حيث أن من واجبها أن تعلن أن ‘التعذيب لم يعد جائزا، وأن تعمل على منعه’. ولأن هذا هو بيت القصيد، فإن الحقوقيين المصريين والتونسيين يؤكدون أن أول أسباب استمرار التعذيب وسوء المعاملة هو انعدام الإرادة السياسية.

من الممكن، نظريا، محاولة فهم إمكان أن تفشل الثورات في كل شيء. أما ما لا يتحمله الفهم، فهو أن تفشل الثورة في تونس ومصر في مجرد تأمين المواطن على سلامته البدنية والنفسية. ما لا يتحمله الفهم ولا تطيقه النفس هو أن تفشل ثورة الكرامة في تحقيق الدرجة الصفر من الكرامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية