«ثورة الياسمين» في السينما التونسية: بين التسرع في التناول والتأسيس لمرحلة جديدة

طارق المحمودي
حجم الخط
1

مكنت الثورة التونسية في سنة 2011 من تأسيس مناخ من حرية التعبير، وقد نالت السينما نصيبا مهما من هذه الحرية. وتجلى ذلك في جميع مستويات العملية السينمائية: من كتابة وصورة ومواضيع وإخراج، فقد تحرر الفعل الإبداعي من سلطان رقابة ظل جاثما على صدره لعقود من الزمان، وأصبح ليس على المبدع في السينما من رقيب سوى الالتزام باحترام ذهنية المتلقي وذائقته الفنية. وهو ما أتاح المجال لعرض مادة فنية تمس وجدانه، وتكشف ماهية الكم الهائل من الضغوطات والصعوبات التي يتعرض لها يوميا. فسح هذا الهامش من الحرية المجال للعديد من المخرجين تقديم أفلام تعمقت في الواقع التونسي وإفرازاته الاجتماعية، بتعبيرات سينمائية منطقها التجديد والتجدد، ليكون الرهان في ذلك هو استمالة الجمهور المحلي والارتقاء بفكره. ونذكر من بين هؤلاء المخرجين: فارس نعناع، كوثر هنية، محمد بن عطية، علاء الدين سليم، المنصف بربوش وليلى بوزيد، وغيرهم من الأسماء التي لمع بريقها في سماء هذه السينما في هذه المرحلة من تاريخها.
حملت هذه الموجة عددا مهما من الأفلام، حيث توجه معظمها، إن لم نقل كلها، نحو نقد وانتقاد الظواهر الاجتماعية للمجتمع التونسي ما قبل الثورة وما بعدها، عبر خطاب سينمائي يكرس مبدأ الانسجام مع راهن المواطن المحلي، وتطلعاته إلى تحصيل محتوى ثقافي مفعم بالحيوية والشمولية. وفي هذا الإطار، قدمت المعالجة السينمائية خطابا مازج مضمونه بين رؤى ذاتية منبثقة من تصورات فكرية وفنية مرجعها إبداعي، والإيفاء بتأسيس خطاب ثقافي يستجيب لحقيقة الحاضر وتحولاته. وقد اكتسحت عدة عناوين المشهد السينمائي التونسي، وأعادت طروحاتها الفنية رسم خريطة الواقع السينمائي. ونذكر من بين هذه الأفلام: «نحبك هادي»، «زينب تكره الثلج»، «باستاردو»، «على حلة عيني»، «غدوة حي»، «الربيع التونسي»، «صراع»، «شبابك الجنة»، «زهرة حلب»، «زيزو»، و«فتوى»، وغيرها من الأشرطة السينمائية الطويلة.
حاولت معظم أفلام هذه المرحلة أن تقدم صورا للحراك الاجتماعي الذي شهدته البلاد التونسية، فاختلف التناول من فيلم لآخر، حيث كان لكل مخرج زاوية النظر الخاصة به، تجاه ما عاشه المجتمع التونسي خلال مراحل ثورة يناير/كانون الثاني 2011، القبلية والبعدية. فمنهم من اختار تسليط الضوء على الفترة التي سبقت ومهدت لهذا الحراك، ونذكر في ذلك المخرج المنصف بربوش وفيلمه «صراع» والمخرجة ليلى بوزيد وفيلمها «على حلة عيني». ومنهم من ارتكز اشتغاله على مرحلة ما بعد الثورة، وما أفرزته من تقلبات مجتمعية وظواهر اجتماعية، كالمخرجة رجاء العماري في فيلمها «الربيع التونسي» والمخرج لطفي عاشور وفيلمه «غدوة حي».

كشفت سينما هذه المرحلة عن تأسيس مشروع سينمائي حداثي، قاعدته المركزية الاصطفاف إلى أفراد الشعب وتسليط الضوء على شواغلهم اليومية

شكّل الحراك الاجتماعي المنصة التي انطلقت منها مواضيع اشتغال السينما التونسية في هذه المرحلة، وكان دينامو الفعل الإبداعي المحيط بتراتيب العملية السينمائية ومجرياتها. فلا يكاد يخلو نسيج أي من الأفلام المنجزة من إشارة أو إفصاح عن الانفجار الشعبي الذي عرفته البلاد، أو عن الأسباب التي أدت إلى ذلك الانفجار. فنحن نراه في النص والإضاءة والإطار، وحركة الكاميرا وأحجام اللقطات، إنه انصهار تام بين الجمال الواقعي والجمال السينمائي، فينتهي إلى توليفة فنية مبدأها إثارة وجدان المشاهد وتحريك مشاعره.
لكن، شاب هذه الأفلام بعض النقائص، ما أسقط قسما من خطاباتها السينمائية في نوع من السذاجة الفنية، وأثر سلبا على نظامها التعبيري وتقاسيمه. فالمباشرة التي تعامل بها مخرجو هذه المرحلة في تصورهم للحراك الاجتماعي الذي شهدته البلاد التونسية، عصف في أحيان كثيرة بالمنظومة السردية والجمالية للعمل، وأفقدته نوعا ما شرعيته الفنية. كذلك، مثلت المشاهد التي تقدم صورا للحراك الاجتماعي (مظاهرات وصدامات مع قوات الأمن) نقاط ضعف داخل النسيج الفيلمي وتركيبته، حيث غاب عن أسلوب طرحها صفة المصداقية المرجوة في نوعية الأفلام هذه. وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها نقص الإمكانيات، الراجع بالأساس إلى إشكالية التمويل، التي طالما عانت منها السينما التونسية. وأيضا إلى ضعف أداء بعض من الممثلين الشباب، ربما لنقص في الخبرة لديهم أو لدى بعض من المخرجين، أو لركاكة السيناريو. ولعله السبب المباشر لكل ذلك هو التسرع، فجرعة الحرية التي سكبتها ثورة 2011 على المشهد الثقافي أدخلت البعض من المبدعين في نوع من حالات الإسراف الفكري، وجعلتهم يتسارعون إلى توثيق تلك اللحظات التاريخية التي تمر بها البلاد، بدون مراجعات أو تمحيص، حيث هرول العديد من السينمائيين نحو هذا الموضوع، وحاولوا بجميع أنواع السبل تقديم صور لهذا الحراك الاجتماعي، ضمن صيغ وتعبيرات سينمائية، دونما تريث أو اهتمام بجودة الطرح، جماليا كان أو فكريا.
مع هذا، كشفت سينما هذه المرحلة عن تأسيس مشروع سينمائي حداثي، قاعدته المركزية الاصطفاف إلى أفراد الشعب وتسليط الضوء على شواغلهم اليومية، من خلال جمل سينمائية ونوعية أفلام قفزت فوق كل ما هو تقليدي، مع المحافظة في الآن نفسه على المبادئ الأساسية لهذه السينما. فالسينما التونسية كثيرا ما اشتغلت على الموضوع الاجتماعي، إلا أنها لم تتوغل كفاية في هذا الموضوع، وتحديدا في جانب طروحاته الفكرية وأساليبه الفنية، لأسباب ارتبطت أساسا بغياب حرية التعبير وإكراهاته، كذلك، مثل الرهان الجماهيري الرافد الرئيسي لقيام هذا المشروع وتثبيته، إذ عمل صناع هذا التيار على استجلاب جميع الفئات الجماهيرية، وبدون إقصاء أي منها. وفي ذلك، قام هؤلاء المخرجون بتوفير خطاب سينمائي قابل للفهم بما يجعل المتلقي، على اختلاف مستوياته الثقافية، يستجيب طواعية للمضمون الفيلمي، بدون المساس بالمكتسبات الفنية والفكرية للمسيرة السينما التونسية وثوابتها. لقد قام هذا الخطاب بتحيين المبادئ والقيم التي تشكل وفقها الفعل السينمائي التونسي، وجعلها تتلاءم مع رهانات الحاضر وتطلعات المستقبل، بما يضمن ديمومة هذه السينما وتطورها، لكن، وعلى الرغم من ارتباط اللغة السينمائية للأفلام المطروحة في بعدها التجديدي بالواقع الاجتماعي، وسعيها الجدي نحو بناء وعي فكري جماعي ملم بالتحولات التي تشهدها البلاد، فقد مثلت خلفيتها الأيديولوجية الحاجز أمام نضجها واكتمالها. وقد حملت هذه اللغة من صفات التبعية والذاتية المضخمة، ما أربك مسار هذا التجديد وتوجهاته، ونال، ولو بنسب ضئيلة، من مصداقية محتويات مقارباته وشموليتها.

٭ باحث تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية