كثرت الأقوال والشعارات، حتى دبت الحماسة في أطراف الأجساد، فانفعلت الأيدي، وتحركت المشاعر، ونطقت الألسن شعراً ونثراً منها القبيح ومنها الجميل. انطلقت ثورات من المحيط إلى الخليج، فوصفوها بادئ الأمر بالربيع، وانتهوا إلى كونها خريفاً ذابلاً، لا أزهرت فيها نبتة ولا انطلقت منها رائحة زكية. يقولون أن العودة كانت إلى مربع رقم ‘صفر’ أسرع مما ينبغي، فخفت ضوء الهمم، ورجع كل ذي روح بشرية عربية بخفي حنين، واتهمهم الشامتون أن براقش جنت على نفسها! كل ما سلف من أفكار رافقني خلال زيارتي الأخيرة إلى أرض الكنانة مصر، حاملاً معي أسئلة أبحث لها عن إجابة كافية وافية، تطفئ غليل ذاك العطش الذي انتابني من شهور عدة. كان الفضول يطل برأسه كل هنيهة عله يجد تلميحاً هنا أو هناك. قاربت الرحلة على الانتهاء، وأزفت ساعة الرحيل، والأسئلة على حالها بلا إجابة تذكر. لملمت ملابسي المتناثرة، وجمعت بقايا الفضول في حقيبة بالية، وأعلنتها عودة إلى أرض الوطن تاركاً للزمان القادم فرصة أخرى. لاحت في الأفق كلمات ‘ميناء القاهرة الجوي’، والجسد يحث الخطى حنيناً إلى مدينتي الغالية ‘عمان’، ولم أكن أدري في قرارة نفسي أن ما أبحث عنه سأجده حقيقة ماثلة أمام عيني في وجهتي الأخيرة! وصلت إلى نافذة الجوازات، وإذا بطابور طويل من بشر يصطف على مرأى البصر، فوقفت آخر الصف في انتظار فرج من رب القدر. مرت الدقائق بطيئة، وأنا أشاهد بأم عيني الاختراقات للطابور من ذات اليمين وذات الشمال أملاً في اختصار وقت الانتظار. كنت في الدقيقة الواحدة أتقدم سنتيمترات معدودة، لا من تباطؤ ضابط الجوازات في أداء مهمته، بل من عدم الالتزام بقواعد الدور وعدم احترام لقانون وضعي بسيط. كنت أحدث الكيان عن وجوب الدفاع عن حق يضيع في وضح النهار، لكن سبقني الرجل الواقف أمامي، وانقض على فريسته الأقرب موبخاً لها عن تهاون في الامتثال. كانت إجابتها بكل بساطة ولا مبالاة: ‘أصلي يا افندم، أنا مريضة ومعاي شوية برد!’. الرجل كان أكثر إصراراً، وأكمل الدفاع عن الحق المسلوب: ‘لو أنا فرضاً سمحتلك، مين ح يعتذر لكل الناس اللي واقفة في الدور؟!’. استمرت اللامبالاة من طرف الفتاة، وأصرت على الوقوف مكانها بلا اكتراث دون أن تتحرك خلفاً قيد أنملة. التقت عيني بعيني الرجل وهي تطلق شرراً، وبادرني القول: ‘لما الناس رافضة تتغير، أمال التغيير ح يجيلنا من فين؟!’. بادلته نظرة موافقة بكل أسى، ولساني ملجم غير قادر على التعقيب. أخرج جوازه من جيبه، وانطلق نحو ضابط الجوازات مسرعاً هرباً من سوء واقع صادفه!الإجابات عن الأسئلة حول ربيع أضحى خريفاً كانت صادمة، لا لكونها جديدة! بل لأنها أكدت مخاوف كنت أحملها في جوف النفس محاولاً تجاهلها في كل مرة، وطوال مدة إقامتي. الإجابة الكبرى كانت أن الثورات لم ترافقها ثورة أخلاقية فكرية تنقلنا من حالة إلى حالة، وتنفض عنا ترسبات عصور قديمة. كانت الشعوب أشبه بمياه غازية حبست في زجاجة، ومن كثرة الضغط والرج المتواصل، تحولت إلى قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار. وعند فتح السدادة، فارت المياه وحلت الفوضى أرجاء المكان، فانتهى الفوران وعادت ملامح المنظر القديم في الطفو إلى السطح شيئاً فشيئاً. نعم، رغبنا التغيير وركضنا خلف أمنيات، إلا أن الباب النافذ إلى جنان الحرية كان خاطئاً. وإن لم يكن خاطئاً، فقد طرقنا في أحسن الأحوال باباً موجوداً في مراحل متقدمة وتجاوزنا عن عتبة من عتبات التغيير. عالجنا القشور، وبقي اللب والجوهر كما هو. أضفنا بعضاً من مستحضرات تجميل على الوجوه، وتركنا الصميم مستكيناً هادئاً دون أي عملية جراحية تذكر. شهدناً ربيعاً وهرمنا في انتظاره، وكان ربيع أقوال لا أفعال. والأفعال هنا ليست مظاهرات ولا شعارات ولا ندب ولا استنكار. الأفعال قد تكون بسيطة، وترفد نهر التغيير المنشود، وتصب في محيط التقدم العربي الكبير. فالأزمة أخلاقية فكرية، قبل أن تكون ضيق يد وعسر مقام وتسلط حاكم، ولن نبارح مكاننا طالما الفهلولة وفن العيش مرتبط في استغفال سنن الكون وأخلاقياته، وتناسي درب التغيير. ليس هناك أنصاف حلول، فإما ثورة تامة كاملة من العمق وإما انتفاضات متبعثرة مشتتة لا تؤتي أكلها! غير ذلك، سنكمل مسيرات ربيع الأقوال حتى تلازمها رغبة جامحة في التغيير السليم وحرية من براثن النفس، ونطرق حقيقة التقدم من كبد الأمور!