حملان ترعى في هشيم تذروه الرياح العاتية، فما كان لنا أن نسد حاجتنا بهذا الهشيم، ولا تزيد سرعة أقدامنا بالدرجة التي نلحق بها بشيء منه فنسد بعض هذه الحاجة، وما كان لنا ان تنبت في أفواهنا أنياب نكسر بها سلسة الغذاء التي يعرفها الكون، فنطارد ونصيد ذئاب الوادي الفسيح التي احاطت بنا من كل جانب، أو على الاقل نحذرها اذا ما حاولت الاقتراب لتنال وجبة دسمة من لحومنا!كلما راودتني هذه الرؤية في غفوة أو سنة سارعت أصارع نفسي حتى أستعيد كامل يقظتي، لأعود مرة أخرى إلى الواقع الأكثر مرارة من واقع الحملان التي أصبحت أراها باستمرار، وصرت أتذكر تعبيرات وجوهها المستسلمة رغم الموت الذي يفتك بها، فما اشبه الحلم بالواقع المرير الذي مررنا به فحُفر على جدران ذاكرتنا، وكأنها أنماط يتم تكرارها كل حين من الزمن،،بالنهاية قد أدركت انه لا يوجد انسان يستطيع تجاهل ذكرياته التي مر بها، أو تلك التي رأى غيره يمرون بها، فحقيقة الحال تقول ان هذا هو ما كنا عليه نحن المصريين في عهود القمع، حملان تحاصرها الذئاب وتنهش لحومها دون هوادة، فبدونا في أعينهم أشياء لا قيمة لها في هذه الدنيا، حتى هيئ لنا نحن أيضا أننا كائنات منزوعة الإرادة، أننا لم نخلق سوى لإطعام هذه الذئاب، كلما مُد إلينا مخلب ذئب تركناه يحصل على ما يشاء.. ودون مقاومة! حتى حين حدثت المعجزة، ونبتت بأفواهنا تلك الأنياب التي كثيرا ما تطلع ‘بعضنا’ إليها، وأشتدت أظافرنا فاستحالت مخالب قوية بمقدورها تمزيق من يقترب منها، أخذنا نفتك ببعضنا البعض بدلا من الفتك بالمتربصين بنا من كل جانب، فتحزبنا كل في اتجاه، واعددنا الكمائن لأنفسنا، فعادت عقولنا إلى حظائر الحملان، نمضغ أنيابنا،، فسنحت الفرصة من جديد للذئاب فجمعت شتات أنفسها، وظلت على مقربة متربصة بنا، ترقب عن كثب من سيخرج منتصرا من هذا الصراع لينقضوا عليه، فتضيع تلك الزمرة التي حاربت طبيعتها المكتسبة التي نشأت وتربت عليها، فاستذأبت في سبيل حقها المسلوب، وصنعت ثورة أو على الأقل ما يمكننا أن نطلق عليه مقدمة ثورية لم يُقدر لها المضي قدما في طريق الاكتمال حتى الآن.الثورة المصرية التي باتت في مهب الريح لم تولد ضعيفة أو مريضة، بل أعظم ما يمكن لثورة على مر التاريخ أن تكون عليه، فمن الذي أصابها بهذا ‘الفيروس’ الذي أنهكها واضعفها إلى هذا الحد؟ من يتحمل هذا الإثم؟أعتقد أنه لا مناص الآن من الإعتراف بالحقيقة اذا أردنا صالح هذه البلاد، فكفانا ضياعا بين أوهام الاستقرار الزائفة، وصندوق الانتخابات الذي يقود الى الجنة، والحروب ‘التكفيرية’ المقدسة التي يحرض عليها بعض تجار البرامج الدينية من أجل شريعة لا نراها بأفعالهم، نستمسك بها أكثر منهم، وبين أولئك الذين أعلنوا الجهاد وشريعتهم القتل وسفك الدماء من ‘ميليشيا’ القاعدة وغيرها.فمصر وشعبها شاردون بين عدد لا بأس به من الطامعين، فكافة التيارات تتناحر الآن من أجل نصيب في هذه الغنائم التي خلفها مبارك.فهل تستطيع أي من هذه الجماعات الإعتراف بما سفكت يدها من دماء؟ هل يعترف قادة الجند البواسل أن يتحلوا بشرف الجندية المصرية وأن يقروا غير مكرهين بما ارتكبوه من مجازر في حق مصر؟ هل يمتلك زعماء احزاب ‘عالم سمسم’ من مرتزقه العهد البائد الاعتراف بأنهم كانوا يؤدون دورا من أدوار ‘الكومبارس’ على مسارح المعارضة الكرتونية؟ هل يأتي اليوم الذي نرى فيه أبواق الفساد تعترف بتضليل الشعب المصري لإرضاء مبارك؟ وهل يصارح الاخوان الشعب المصري أنهم مارسوا عليه الخداع من أجل السلطة؟ هل يقرون أن غايتهم هي سدة الحكم التي وصلوا إليها، ويريدون الحفاظ عليها بما ملكوا من قوة؟ وهل يتطهرون من اثم المتاجرة بدين الله وبرشوة عباده من أجل أصوات تذهب بهم الى البرلمان والقصر الجمهوري؟هذه الخطيئة الكبرى التي نتحاشى الاعتراف بها، آن للجميع ان يعترف بأخطاءه حتى يتثنى لنا بناء دولة تحترم شعبها الذي هو مصدر السلطات بها، ابتداءا من الثوار ومرورا بالعسكر ثم الاخوان والسلفيين، اذكركم ان التائب عن الذنب كمن لا ذنب له، كفاكم حرقا لمصر، لا تقضوا على ما تبقى من اخضرها ويابسها.هاني الفرماوي[email protected]