ثورة مصر تخلط أوراق الجميع!

حجم الخط
0

ميشيل كيلو

تكاثر في الأيام الأخيرة محبو الثورة المصرية، وبرزت حماسة خاصة لها عند من كانوا يعتقدون أنها لن تقع، وأن نظام مبارك القوي سيجد حلال لمشكلة القلة المشاغبة من ‘الشباب الصايع ‘، وأنه لا بأس بعد طي صفحتهم من التباكي عليهم والأسف على شبابهم، والتمريك على ‘نظام كامب ديفيد’، الذي هدر أرواحهم الطاهرة ورفض التجاوب مع نواياهم الطيبة.

وقد سارعت أطراف إقليمية وعربية ودولية مختلفة إلى ربط الثورة المصرية بسياساتها وخياراتها، فوسمها بعضهم بميسمه الديني أو المذهبي، وقال إنها إما نتيجة لسياساته الثورية ومواقفه المبدئية، أو أنها ستقلد ما سبق له هو أن حققه في بلاده. بينما زعم آخرون أنها من تخطيطهم، وأن أوباما وجه قبل ستة أشهر بمراقبة ما سيقع من أحدث عربية وبدعمه. هذه المحاولات، لا تستطيع حجب حقيقة جلية، هي أن ما وقع فاجأ الجميع، وحدث خارج إرادتهم وضدها، وأن العرب والأجانب، الذين تظاهروا بتأييد ثورة مصر هم أكثر الخائفين منها ومن انعكاساتها على أوضاعهم وشعوبهم. لنطرح بعض الأسئلة: هل يصدق أحد أن نظاما استبداديا قمعيا يرحب بثورة شعبية تريد دولة مواطنة مدنية محصنة ضد الاستبداد والحكم الفردي، وتعد بالقضاء عليهما في أبنية السلطة والمجتمع، وبحكم يقوم على الإرادة العامة، كما ستعبر عنها صحافة حرة وقضاء نزيه ورأي عام تدخلي، القانون فيه سيد أوحد لا منافس له، سيحظر حكم الحزب الواحد والرأي الواحد والشخص الواحد، لن تدار أموره إلا بالرجوع المنظم إلى الشعب، كي يختار حكامه بأعلى قدر من الحرية؟ وهل يصدق أحد أن شعب مصر سيقيم نظاما مدنيا وحرا في وطنه، ستكون معاييره أسسا ملزمة للسلطة والمجتمع وللعلاقات بينهما، دون أن يدرك ما يمكن أن يترتب من مخاطر عليه إذا ما ظلت مسيطرة في جواره نظم استبداد لا هم لها غير محاربة شعوبها ومنعها من المشاركة في تقرير شؤون أوطانها؟ إلى هذا، هل يصدق عاقل أن نظما دينية الركائز والهوية ترحب بنظام مدني يفصل السياسة عن الدين والدين عن السياسة، ركيزته إنسان يتعين بحريته وليس المؤمن الذي يتعين بطاعته؟ وهل يتوهم أحد أن نظما لعبت دورا استراتيجيا في طي صفحة الحقبة القومية العربية، واستبدالها بحقبة صراعات مذهبية ودينية شديدة الخطورة على الأمة العربية، ترحب حقا بوضع سيعيد حتما تأسيس مشروع قومي من نمط جديد: حامله المجتمع المدني، وهويته العلمانية، وأدواته الحريات العامة والدولة المدنية: الأسس والأدوات التي من شأنها تقويض أي نظام ديني وتمكين النظام الجديد من ملء الفراغ القومي، الذي عرفته المنطقة بعد اندحار الناصرية، وإحلال نظام قومي / إقليمي جديد سيخرج من ديار العروبة كل من يحاولون استضعاف العرب وتشتيتهم؟ أخيرا، هل هناك من يصدق أن النظم التقليدية العربية من شتى الأصناف والأنواع ترحب حقا بعودة حراك قومي / مجتمعي عام وشامل، يمارسه مجتمع مدني عربي يضم عشرات ملايين المواطنين الأحرار، ويخترق سائر أقطارهم وأمصارهم، سيبقى بعيدا عن شعوب هذه النظم، على فرض أنها نجحت في تحقيق المستحيل: الاحتفاظ بالسلطة؟ لنلق الآن نظرة على وجه الوقائع الآخر: هل تقبل ثورة مدنية، لن تعيش إن هي عجزت عن الانتشار في عمقها العربي، تتظاهر يوميا في ثورات شعبية تنفجر في كل مكان ضد النظم تحت شعار: الشعب يريد إسقاط النظام، بقاء المجال القومي ميدان مناورات إقليمية ودولية تشحنه بالانقسام والتمزق، وتعمل لإضعافه ولانتزاع أوراقه من أيدي أبنائه: عبر شق صفوفهم وفرض خياراتها وأولوياتها عليهم، وإلزامهم بتبني مشكلاتها الكثيرة والمعقدة مع العالم؟ أم أن الثورة الشعبية، التي بان عمقها القومي بعد انطلاقتها مباشرة، ستقبل بقاء الاختراقات الإقليمية والدولية لمجال قومي هو أحد مصادر نجاحها واستمرارها، وستتقاسمه مع دخلاء عليه يبنون استراتيجيتهم على ربطه بمذاهب ومصالح ليست بين خياراته، بينما الثورة تفصله عن الدين وتفصل الدين عنه؟ وهل سيتسع المجال العربي حقا لتعايش حركات متنافسة متنافرة، تقودها مراكز تختلف على كل شيء: من الرؤى إلى الوسائل والغايات، سيعمل اثنان منها لمنع العرب من استعادة مكانهم وتعزيز مكانتهن ودورهم في وطنهم، بعد أن قال أحدهما بصراحة أن الثورة يجب أن تصير إسلامية، وأوحى الآخر بأنها أمريكية، بينما ستعود مصر إلى أمتها، وستعود أمتها إليها، علما بأن العودة ستتم هذه المرة في حاضنة تاريخية جديدة، مختلفة في حاملها وطابعها عن الحاضنة الناصرية، التي تكالبت عليها قوى العالم، حتى أن أحد الزعماء الإقليميين أفتى في حديث أجرته معه عام 1989 مجلة ‘اليوم السابع ‘، التي كان يصدرها بلال الحسن وجوزيف سماحة في باريس، بأن الحركة القومية العربية ‘صهيونية’!. سيستعيد العرب وطنهم، وسيخرج منه وسيضعف من استضعفوهم، وستتبدل ظروف وشروط المنطقة، التي أنتجت نظمها وأحزابها الحالية، حتى أنه يمكن منذ اليوم سماع الأصوات التي ستتهم ثورتهم بـ’الصهيونية’ أو بمجافاة تاريخنا وأخلاقنا وتقاليدنا، النادمة على حكم حسني مبارك: ‘الحمار’ الذي لم يعرف كيف يحمي مصر من شعبها ويقاتل بالشدة اللازمة دفاعا عن نظامه!. سيعيد الحكام العرب حساباتهم بدلالة اليقظة المجتمعية الشعبية العربية، التي تناقض ما حاول كل طرف عربي أو إقليمي أو دولي فرضه عليها من معايير غير قومية وغير مدنية، معادية للحرية وللعدالة والمساواة. وبينما يبدو الغرب وكأنه يتخلى شيئا فشيئا عن ربط الحرية والعدالة بالاستقرار، ويبدأ بربط الاستقرار بتحقيقهما ويراه بدلالتهما، ويشك في أطروحة رأت في التطرف الإسلامي بديل نظم الاستبداد القائمة، التي توهم أنها تحميه من الإرهاب، بعد أن برز بديل واقعي هو الشعب المدني والحر، الراغب في نظام عيش وحياة يشبه ما سبق أن قام في البلدان المتقدمة ووصل في مطلع العشرية الثانية من هذا القرن إلى منطقتنا بعد أن اجتاح أوروبا الشرقية والوسطى في نهاية القرن الماضي، سينقل الاستبداد ونظمه إلى وضع دفاعي، سيتهافت أكثر فأكثر، مختلف جذريا عن وضعها الذي سيطرت بواسطته على أوطانها، لن تدافع الأمة عنه أو تنحاز إليه، وستعمل للتخلص منه في سياق عودتها إلى ذاتها المغيبة، وستعبر عن تطلعها إلى إقامة بديله الديمقراطي عبر أحد خيارين: إصلاح سياسي واجتماعي وثقافي، مادي وروحي، شامل وحقيقي وملموس، أو ثورة تطيح بالأمر القائم. في هذه الأثناء، أي في الحقبة الباقية من عمر الاستبداد، سينفك الشعب بصورة أكيدة عن نظمه، وسيرفض البقاء أسير المأساة التي يعيشها، بينما يخرج الثائرون من الأمة إلى عالم الحرية والعدالة والكرامة! بدل النظام الإقليمي القائم الآن على ركائز غير عربية هي إسرائيل وتركيا وإيران، سيقوم من الآن فصاعدا نظام جديد حامله مجتمعات عربية تبني دولا مدنية تأخذ باستراتيجية تاريخية من نمط غير مسبوق، مركزها مصر الديمقراطية، التي ستتعامل بندية ومساواة مع بقية الثورات وستؤسس مجالا اقتصاديا عربيا موحدا، يرى نفسه سياسيا بدلالة الوحدة العربية، بينما ستنتشر رؤية متقاربة أو مشتركة تجاه مسائل ومهام العصر ستفرض أوضاع مجتمعية متشابهة ستدمج طاقات البلدان وقدراتها في ساحة تفاعلية / تكاملية من نتائجها محاصرة العدو الصهيوني في سياق تاريخي وعملي جديد، سيزج في الصراع معه بقدرات الأمة المتفوقة تفوقا ساحقا عليه، التي كنت مكبلة بالاستبداد والفساد، وسيخلص العرب مما كان يضعهم مواجهة بعض، وسيجعل منهم جسدية واحدة لن يتمكن الصهاينة من ضربها بلد بعد آخر، بينما بقية البلدان تتفرج أو تؤيد. إلى هذا، سيتوطد في الجو العربي الجديد نهج تركيا وستتوطد المصالح المشتركة والسياسات التكاملية معها. وسيدفع النظام العربي الجديد غيرها من القوى الإقليمية إلى وضع ستراجع فيه سياساتها وستقبل بما سينجم عن العاصفة الشعبية العربية الراهنة، ونتائجها اللاحقة، البعيدة المدى، التي ستعيد صياغة أوضاع سائر أطراف الإقليم، وسيعينها على حل مشكلاتها الداخلية هي أيضا، ضمن السياق الجديد، الذي يكاد يكون في حكم المؤكد أنه سيقلب معادلات وعلاقات القوى وتوازناتها، بالنظر إلى أن رجوع العرب إلى التاريخ لن يكون أمرا قليل الأهمية أو محدود النتائج، حتى على النطاق الكوني. بالأمس القريب، كان هناك من يعتقد أن المنطقة ذاهبة في الاتجاه الذي يدعو هو إليه. واليوم، وقد فرض نفسه تطور مناقض تماما لما توهموه، وفتحت من جديد صفحة ظن خصوم العرب خطأ أنها طويت إلى غير رجعة، بعد أن بلغت مجتمعاتهم وشعوبهم درجة من الضعف والتهافت شلتها وعطلت إرادتها وأبطلت تطلعاتها، حدثت معجزتان: واحدة تجلت في إسقاط نظم بدت راسخة كالجبال، وثانية تجسدت في سرعة انتشار نار الثورة في الهشيم العربي القابل للاشتعال، وانفجار موجات غضب عارمة تطالب برحيل النظم أو إصلاحها جذريا، وفي الحالتين بالحرية والدولة المدنية وحكم القانون والديمقراطية كأسلوب حكم وحياة. وبين المفاجأتين تغيرت الحسابات ووجد الجميع أنفسهم يواجهون أسئلة محرجة سيجيبون عليها في وضع غير مريح، أهم علاماته تشكل مجال سياسي مضاد لهم يخترق المجالين الوطني والقومي في آن معا، في حين تتدهور أوضاعهم وتظهر عيوب ونواقص سياساتهم، وتضيع مصداقية نهجهم وتنفك أعداد متزايدة من مواطناتهم ومواطنيهم عنهم. هذه، أيها السادة، بداية حقبة لن يبقى بعدها في كرسيه أي حاكم أو حزب يتمسك بحسابات خاطئة أو ناقصة، ويتعامل مع الواقع الجديد انطلاقا من الحسابات والعلاقات الراهنة، التي تقادمت وأفلست خلال شهرين قصيرين انهارت خلالهما أوضاع كانت تبدو وطيدة وأبدية، وفقدت بقية الأوضاع العربية الكثير من أسسها ومبرراتها، وها هي تجد نفسها مجبرة على تأسيس أرضية جديدة تكفل بقاءها، ستقيمها في ظرف يلزمها برؤية الأمور بأعين مختلفة عن تلك التي ترى من خلالها أحوال وحقوق شعوبها ومواطنيها، وبرسم سياسات تمليها ضرورة تجاوز عاصفة تنتقل من بلد لآخر، أطاحت إلى اليوم باثنين من أقوى النظم وأكثرها قمعا واستبدادا، تهب على الجميع، لن ينجو منها إلا من يعرف كيف يتخطى الاستبداد ونهجه في العمل والفكر!. ‘ كاتب وسياسي من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية